الربيع العربي

سورية و«الربيع العربي»: تفكير في الضرورة والإمكان

لم يعد التشاؤم حول مستقبل المنطقة ومآلاتها حكراً على مثقّفين تنبؤيّين يُنظر إليهم كسوداويّين غالباً. فبعد أن تحوّل الربيع المبشِّر إلى خريفٍ قاتمٍ، بسبب انتهاج السلطات المثار عليها منهج التدمير، ونتيجة خطايا المعارضات، عمَّ الإحباط جنبات المنطقة، من دون أن يكون كافياً وحده لوقف الحرب، وإعلان انتصار الطغاة الذين أشعلوها لمواجهة «الربيع العربي»، من خلال استخدامهم العنف، وإطلاقهم الجهاديّين، وإثارتهم التشاحنات الأهليّة، استناداً إلى مقاربتهم السياسيَّة القائمة على أنَّ الحكم هو إرهابُ المحكومين.

الربيع العربي: لهذا تحول إلى مآسٍ وزلازل مدمرة!

بعد أكثر من خمسة أعوام على بدايات هبوب عواصف ما يسمى «الربيع العربي»، الذي مرَّ على بعض الدول العربية مرور الكرام و«بردًا وسلامًا»، والذي استوطن بزمهريره ورياحه الهوجاء المدمرة دولاً عربية أخرى، بتنا نسمع من بعض الذين طفح كيلهم، والذين من الممكن اعتبارهم من المؤلفة قلوبهم، اتهامات مجحفة وقاسية لهذا «الربيع» واعتباره كارثة حلت بالأمة العربية لمصلحة «العدو الصهيوني» و«الإمبريالية العالمية»، والبعض من هؤلاء يقول: وأيضًا لمصلحة إيران الشعوبية والفارسية!

تعثر الربيع العربي.. وقفة مع العوامل الداخلية

لقد شكل الربيع العربي زلزالا في تاريخ المنطقة، وأزاح حكاما ديكتاتوريين مستبدين متجبرين من أمثال زين العابدين بن علي، وحسني مبارك، ومعمر القذافي، وعلي عبد الله صالح.. إلخ.

لكن سرعان ما تعثر هذا الربيع العربي، فاستأثر عبد الفتاح السيسي بحكم مصر، وأعاد سيرة الحكام السابقين، كما اضطرب الوضع في ليبيا وسوريا واليمن، وحدث الاقتتال بين أطراف متعددة وأدى إلى دمار كبير في البلدان الثلاثة، ومازالت الأمور تسير إلى مزيد من الدمار.

لقد جاء الربيع العربي مؤذنا بنهضة ثانية، لكن هذا الربيع الذي رفع راية النهضة الثانية انتكس بكل أسف، وتراوحت انتكاسته بين التعثر والردة.

حُداء الثورة وصخب الثورة المضادة

الحُداء فن عربي عريق، استعمله العرب رعاة وغزاة، فكشفوا من خلاله عن روحهم المتوثبة، وعن شجاعتهم التي رمت بهم في قلب الملحمة العالمية، فكانوا من الشعوب القليلة التي اتسم تاريخها بالقيادة والريادة في المسيرة الإنسانية.

ولم تكن تستغني أي قافلة عربية عن حادٍ يُطرب الأسماع بنغماته، ويستحث السائرين بأهازيجه، فيلهب حماس الأصحاب، ويُحِيل السفر متعة وهو قطعة من العذاب. كما لم تكن تستغني أي قافلة عربية عن دليل يأخذ بخطامها في مجاهل الصحراء، فيقودها بحِذْقه وتمرسِّه إلى أخصر سبيل، وينأى بها عن مزالق الخطر وقُطَّاع الطريق. 

الحلم يتحوّل كابوساً... سورية نموذجاً

ولد الربيع العربي، في بدايتيه التونسية والمصرية، واعداً بتغير سلس، وأظهر أن المنطقة تنتمي إلى زمن العالم الحقيقي بالمطالبة المشروعة بالحرية والديمقراطية. وكانت إطاحة رأسي النظامين في تونس ومصر السهلة، إضافة إلى العوامل الموضوعية الكثيرة التي تستدعي أكثر من ثورة في البلدان العربية، قد أصابت بالعدوى بلداناً أخرى في انطلاق ثوراتها، وبدأت المنطقة كأنها تعيش حالة انهيار أحجار الدومينو، وأن عجلة التغيير ستنتقل إلى دولٍ كثيرة، بما يتجاوز الدول العربية إلى الدول المحيطة. 
 

مضايا وكلّ هذا الحقد!

لم تعد مأساة مضايا تستدرج المزيد من الأوصاف والتعريفات، ولم يعد تجويعها والعمل على ردّ المقيمين فيها إلى سويّة التوحّش سرّاً يُلحّ على الفضح والإشهار.

لقد أُشبع الوصف وأُشبع التعريف وكلّ شيء صار مكشوفاً. لكنّ بيئة سوريّة – لبنانيّة لا تني تستخفّ بتلك المأساة، أو تنكرها أصلاً، أو، وهذا أسوأ الأسوأ، تسخر ممّن يعانونها وتشمت بهم.

هجمات باريس ووحدة المصائر في حوض المتوسط

في كتابه "البحر المتوسط وعالَم البحر المتوسط على عهد فيليب الثاني" يدلل المؤرخ الفرنسي العظيم فرناند بروديل (1902-1985) على أن المجتمعات المقيمة على ضفاف البحر الأبيض المتوسط من الشمال والشرق والجنوب تنتمي إلى حضارة واحدة في عمقها، رغم تباين العوالم الدينية والعرقية والسياسية التي تنتمي إليها تلك المجتمعات. 

ويمكن توسيع نظرية بروديل بالقول إن عالَم المتوسط -بمنطق الجغرافيا السياسية- مجال سياسي وإستراتيجي واحد أيضا. 

العالم العربي في 2016.. عودة الربيع

بعد مرور خمسة أعوام على اندلاع الربيع العربي وأكثر من عامين على محاولات إعاقته، لم تتمكن قوى الشد العكسي والقوى المضادة للتغيير والثورة في دول الربيع العربي من إعادة الوضع السياسي إلى ما قبل الربيع الذي اندلع عام 2011. 

موازين الصراع في الجولة الثورية القادمة

ءلم يدر في خلد فتية درعاوشباب القاهرة وشبيبة تونسيوم خرجوا كاسرين قيود عقود من الوهن أن شعارهم الخالد "الشعب يريد إسقاط النظام" يتجاوز نظام الأسد وبن علي ومبارك إلى النظام العالمي القديم منه والجديد.

وما مشهد حشود أساطيل الطائرات والسفن والناقلات ورائحة البارود ودوي القنابل والصواريخ برا وبحرا وجوا إلا مجرد شواهد على أن هذا النظام العالمي قائم في بلادنا، شاء من شاء وأبى من أبى رغم أنف كل من يحاول الاقتراب من الخطوط المحرمة.

هل سيغير الغرب موقفه من الثورات بعد هجمات باريس؟

تعيد الهجمات الدامية التي ضربت أماكن في باريس النقاش مجددا حول موقف الغرب من ثورات الربيع العربي، وما آلت إليه بلدانها، حيث عاد العسكر من جديد إلى حكم مصر، وعادت البورقيبية بلباس جديد إلى حكم تونس، وضربت فوضى السلاح والمسلحين الوضع فيليبيا، ودخل اليمن في حرب داخلية وإقليمية.

والأخطر من ذلك كله هو تحويل الثورة السورية، التي بدأت ثورة سلمية، إلى حرب مفتوحة، متعددة الأطراف والفاعلين، إضافة إلى بروز محاولات قوى إقليمية ودولية، لإعادة تثبيت نظام الاستبداد في سوريا، وتلميعه وتسويقه في إطار "الحرب على الإرهاب"، بالرغم من الثمن الباهظ الذي دفعه غالبية السوريين.

الصفحات

Subscribe to RSS - الربيع العربي