آن أوان استبدال الشرعية الثورية بأخرى شعبية منتخبة

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

15/ 08/ 2014
السورية
المؤلف: 

لا تخرج متابعة السوريين اللصيقة للانتخابات الرئاسية التركية عن السياق الطبيعي للأمور، لاسيما وأن تركيا تمثل وجهة اللجوء الأولى للغالبية العظمى منهم، والتطورات السياسية التي تشهدها لابد وأن تؤثر مباشرة على واقعهم كلاجئين، وهو ما يفسر أيضاً القدر من الاهتمام والمتابعة الذي حظيت به الانتخابات البرلمانية التركية التي جرت قبل عدة أشهر. إلا أن أسباب اهتمام السوريين بالانتخابات التركية لا تقف وحسب عند حساباتهم كلاجئين، بل إن رصداً بسيطاً لتفاعلهم معها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تشي بالرغبة الدفينة المرتبطة بالتوق إلى ممارسة العملية الانتخابية نفسها، والتفاعل الديمقراطي معها، والإحساس بمفهوم المواطنة بما لها من حقوق وما ترتبه من واجبات.

لم يتمكن الشعب السوري بجزئه المعارض وحتى هذه الحظة من اختيار ممثليه، ولم يستطع أحد أن يقيس مزاجه العام، أو أن يحدد أولوياته، لكن ما من طرف سياسي معارض إلا ويدعي تمثيل رغبات الشارع السوري الثائر، أو العمل على تحقيقها، أو على الأقل وقوف تيار عريض من الشعب السوري وراء مواقفه السياسية.

لقد قبل الشارع السوري المعارض على مضض -وبعضه لم يقبل حتى اليوم -ما اُختير له دولياً من هيئات سياسية معارضة تمثلت بالمجلس الوطني أولاً ومن ثم الائتلاف. هذا القبول الشعبي، كان مرتبطاً بشكل أساس بالحلم الذي عاشه السوريون بقرب سقوط النظام، وبأن الأولوية ترتكز على تحقيق هذا الأمر، وسادت القناعة حينها بأنه من غير الممكن للمجتمع الدولي أن يقف متفرجاً على الإبادة الممنهجة التي يقوم بها نظام الأسد لمعارضيه، وأن ما حدث للقذافي في لبييا ليس ببعيد. لكن خلال ثلاثة أعوام ونيف لم يزدد الوضع إلا سوءاً، ليسود الشارع المعارض اليوم الشعور بخيبة الأمل والاحباط –إن لم يكن الحنق-، على واقع الحال الذي وضعهم اليوم بين مطرقة النظام وسندان التطرف متمثلاً بداعش، مضافاً إليه الفشل السياسي الذريع لمؤسسات المعارضة على اختلافها، عدا عن تضارب المصالح الإقليمية والدولية.

تدخل الثورة السورية النصف الثاني من عامها الرابع، وواقع الأمر لا يشِ بأي تحسن أو تطور باتجاه إيجاد نهاية لمعاناة السوريين، لا بل إن الأمور تزداد تعقيداً. أربعة أعوام هي المدة التي تعتمدها الغالبية العظمى من برلمانات العالم (الديمقراطية وغير الديمقراطية) لطرح الثقة الشعبية بأعضائها ودعوة الناخبين لمحاسبتهم، وقد يكون الأوان قد حان للشارع السوري الثائر أن ينتخب ممثليه، وأن يحاسب من ادعوا تمثيله في المرحلة الماضية.

ليس من الصعب أبداً تنظيم انتخابات بين اللاجئين السوريين في دول اللجوء، بمراقبة وتعاون دولي أممي؛ لا بل إن الظن يوحي بأن غالبية الدول المستقبلة للاجئين ستدعم مثل هذا الأمر.
ولعل تنظيم مثل هذه الانتخابات سيحقق مجموعة من النتائج الإيجابية المباشرة أهمها؛ أنها ستفرز جسماً سياسياً منتخباً يحظى بالشرعية الشعبية اللازمة لاستكمال مسيرة الثورة؛ وأن هذا الجسم سيُنتخب أساساً ليكون هيئة تشريعية/تأسيسية مرحلية، تفرز حكومة مؤقتة لتكون أداتها التنفيذية، لتشرّع لها ما تحتاجه من قوانين ونصوص لأداء عملها، وتخضعها للمراقبة والمحاسبة، وتنهي الضبابية التي تحيط بطبيعة دور الائتلاف الحالي، والناتج عن غياب أي تطبيق لمبدأ فصل السلطات الذي يعتبر أساساً لأي نظام ديمقراطي، حيث لا يمكن لأحد أن يحدد فيما إذا كان الائتلاف برلماناً، أم هيئة رئاسية، أم مجلساً سياسياً عسكرياً، أو أي شيء آخر باستثناء كونه جسماً مركباً من مكونات سياسية، وعرقية، وطائفية، غير منتخبة، ولا أحد يعلم ما الأساس الذي تم بناءً عليه توزيع الحصص فيما بينها، باستثناء الرغبة الدولية والإقليمية التي سادت حين تشكيله، ومن ثم توسعته. وحتى وإن أفضت هذه الانتخابات إلى توزيع مماثل للقوى السياسية المكونة للائتلاف بشكلها الحالي ودون أي تغيير يذكر، إلا أنها هذه المرة ستكون واقعاً يعلم السوريون أنهم أنتجوه بأنفسهم، لم يهبط عليهم بوحي إقليمي أو دولي أو مؤامراتي.

إن هذه الانتخابات، وإن حصلت، لن تحل بالطبع معضلة تمثيل السوريين الموجودين في الداخل، ولكن يمكن اعتبارها بمثابة مرحلة انتخابية أولى، يتم العمل بعدها على تنظيم انتخابات محلية داخل المناطق المحررة ولو على نطاق ضيق. وقد سبق وأثبتت الانتخابات السابقة التي أجريت في بعض المناطق لاختيار المجالس المحلية (بالرغم مما شابها من عيوب) عن القدرة على تنظيم انتخابات بالمعنى البسيط، مما يعني القدرة على تنظيمها على نطاق أوسع؛ دون أن ننسى إمكانية العمل دولياً على تأمين إجراء مثل هذه الانتخابات، حيث أن إيران، حليف النظام الأول، سبق وأن طرحت هذا الأمر مع الأخضر الإبراهيمي عقب فشل جنيف 2.

لم تكن لمبادرات الشيخ معاذ الخطيب (أو عيديته كما يحلو له أن يسميها) أن لا تتعرض للنقد أو الاعتراض أو حتى الدعم فهذا حال السياسة، ولكنها كانت لتملك الشرعية الشعبية فيما لو كانت أداة القياس المعتمدة لشعبية الشيخ نفسه، أو لشعبية "عيدياته"، تتجاوز عدد المتابعين له على الفيسبوك، أو عدد "الاعجابات" التي تنالها تصريحاته. كذلك فإن قرارات رئيس الائتلاف السابق الشيخ أحمد الجربا، أو القرارات القادمة لخليفته المهندس هادي البحرة، لم تكن لتسلم من الانتقاد أو الاعتراض السياسي عليها، لكنها كانت لتحظى بالدعم اللازم لتنفيذها فيما لو أن أياً منهما قد حصل على عدد كاف من أصوات الناخبين، تمنحه الثقة لوضع أجندته السياسية على سكة التنفيذ؛ ولم تكن لأولية "التوافق" لدى الأمين العام السابق للائتلاف مصطفى الصباغ واختياره لحلفاءه لتكون بمنأى عن الامتعاض أو الاتهام بزيفها "كنية صادقة" واعتبارها "تكتيكاً سياسياً" لا "قناعة راسخة"، فيما لو أنه طرحها مدعوماً بكتلة منتخبة حظيت بحجم أصوات كبير من قبل الناخبين. عندها فقط سيصبح من الممكن اعتبار التجاذبات أو الخلافات السياسية التي سيشهدها (أو قد لا يشهدها) هذا الجسم المنتخب، انعكاساً عادياً للعمل السياسي الطبيعي في مساره الديمقراطي، وعندها فقط سيكون بوسع من حصل على غالبية المقاعد أن يقرر التفاوض مع النظام أو عدمه لأنه سيعكس حينها قناعة ناخبيه ورغبتهم.

لقد آن الأوان لنستبدل الشرعية الثورية للمعارضة السورية بأخرى شعبية أكثر تمثيلية.