أسطورة الحل السياسي في سوريا

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

22/12/2014
السورية نت

بدءاً من منتصف العام 2012 تقريباً، درج العديد من المسؤولين الدوليين والفاعلين الرسميين على استخدام جملة شهيرة في توصيف الوضع السوري ألا وهي "الحسم العسكري غير ممكن". أهم من روّج لهذه المقولة هو الجانب الأمريكي، وكان يستهدف من ذلك التخلّص من العبء الأخلاقي المتزايد عليه لفعل شيء ما لمساعدة الثورة السورية، ولأنه لم يكن يريد فعل ذلك، ضغط على المعارضة السورية للذهاب إلى حوار سياسي يكون مدخله بوابة مفاوضات جنيف، وقد مهّد لهذا الضغط بجعل مقولة "الحسم العسكري غير ممكن" عنواناً للمرحلة. رددت العديد من الدول والقادة هذه المقولة في سياق الضغط باتجاه الذهاب إلى جنيف، وقد استجابت المعارضة لمطلب التفاوض كي لا تُتهم بأنّها تسعى إلى إفشال المبادرة، ولتؤكد للعالم مرة أخرى أن النظام ليس أهلاً لأية حلول سياسية.

في الحقيقة، فإن مناقشة صحة مقولة "الحسم العسكري غير ممكن" تعتمد على الظروف والمعطيات. فقد بدا واضحاً منذ بداية الثورة السورية أنّ هناك من لا يريد للمعركة أن تحسم عسكرياً. حسم المعركة عسكرياً كان يتطلب إما إبقاء الثورة في مواجهة النظام من دون أي تدخل خارجي لأي من الطرفين، وإما دعم الثورة بنفس مستوى الدعم الذي يتلقاه الأسد من حلفائه، وإما منع الدعم الخارجي من الوصول إلى الأسد. تحقق أي سيناريو من هذه السيناريوهات كان كفيلاً بإسقاط الأسد خلال أشهر. لكن ما جرى هو أن الثورة السورية حوصرت وبقي الدعم الخارجي اللامحدود للأسد يتدفق، وبالطبع في ظل هكذا معادلة فإن الحسم العسكري يبدو غير ممكن أو ربما مكلفاً جداً وطويل الأمد.

بالتزامن مع المقولة الأولى، بدأت الولايات المتحدة بالترويج منذ الدخول في مفاوضات جنيف لمقولة أخرى من نوع آخر وهي "الحل السياسي".  وبالرغم من أنّ الإدارة الأمريكية بقيت تردد دوماً أنّ الأسد غير شرعي وأنّه لن يبقى في النهاية، إلا أنّ ذلك لم يقترن عملياً بأية خطوة من شأنها أن تعطي المقولة الأمريكية مصداقية أو أن توحي بأنّنا ذاهبون فعلاً إلى حل سياسي يؤدي إلى خروج الأسد من المعادلة.

بمعنى آخر، إذا كانت الولايات المتحدة صادقة في البحث عن الحل السياسي للقضية السورية بحيث يؤدي في المحصّلة إلى رحيل الأسد في نهاية أية عملية تفاوضية فإن هذا يتطلب توافر عدد من العناصر غير المتوافرة إلى حد الآن. من المعروف أنّه في أية عملية تفاوضية، يستخدم كل طرف أوراقه الموجودة على الأرض للضغط والحصول على أكبر قدر من المكاسب. من الواضح حتى الآن أن ما جرى هو تجريد الثورة من أوراقها وترك الأسد طليقاً محتفظاً بأوراقه التي يستخدمها في الضغط في عملية التفاوض بما يخدم تفسيره له.

أية عملية تفاوضية لا تجرد الأسد من أوراقه ستعني في نهاية المطاف تطويع المعارضة، وهذا أمر بديهي ومنطقي. لتحظى أية عملية تفاوضية بالمصداقية وليتم تعريف الجهد المبذول بأنه "حل سياسي" يجب أن تتضمن أية مبادرة على:

  1. تجريد الأسد من أوراقه التي يستخدمها ضد المعارضة والمدنيين وفي مقدمتها سلاح الطيران، وإلا فإن التفاوض سيكون غير متكافئ، وبالتالي فمن الطبيعي أن تكون نتيجته غير عادلة. وحتى ولو قبلت المعارضة بما سينجم عن هكذا عملية، فإن النتيجة لن تلبث أن تتغير حال تغير موازين القوى على الأرض، هكذا علمتنا التجارب في بلدان أخرى سابقاً.
  2.  أن يكون أي جهد أو أية عملية مرتبطة بقرارات ملزمة، أو أن يكون هناك ضمانات من أطراف تتحلى بالمصداقية، وأن يكون لها أنياب بحيث يتم معاقبة من يخرقها، وهذا يحصّن تكافؤ الفرص ويطمئن الطرف المهدور حقّه إلى أنه لن يتم خداعه.
  3. يجب أن تكون الأطراف المنخرطة في الجهد على مسافة واحدة على الأقل، وحتى الآن وبسبب طبيعة المعطيات فإن الأطراف المنخرطة في العملية أقرب إلى الأسد، حيث تقود روسيا الجهود في العلن، فإنها جزء من المشكلة وهي داعمة للأسد.
  4. يجب أن يكون هناك التزام صريح ببيان جنيف1، رغم أنّ هذا البيان يخضع أيضاً لقراءات اعتباطية وانتقائية من جانب النظام وحلفائه.

ليس من الصعب تحقيق هذه الظروف المطلوبة، لكن الأمر يتطلب إرادة سياسية وهذه غير موجودة عند الجانب الأمريكي، فلو كان الأمريكي صادقاً في طرحه لكان استخدم أدوات مثل القرارات (2170) و(2178) للضغط على النظام أو موضوع المنطقة الآمنة والحظر الجوي. ليس من الضرورة أن تؤمن الولايات المتحدة فعلاً بهذه الأدوات لكن اعتمادها عليها كجزء من حملة ضغط وتخويف ضد الأسد ستؤدي إلى دفعه سريعاً إلى طاولةالمفاوضات وتقديمه التنازلات المطلوبة هناك بسيف هذه الأدوات.

من دون توافر هذه المعطيات في أية عملية تفاوضية لا يمكن أن يكون هناك "حل سياسي"، فالحل سيكون بمثابة أسطورة، وما سيحصل حقيقة سيكون جذب الطرف الآخر إلى حضن الطرف الأول، بمعنى آخر إخضاع المعارضة للنظام كما سبق وذكرنا.

لماذا يذهب الأسد إلى حل سياسي أو يتنازل إذا كان لا يشعر بأي ضغط، وإذا كان حراً في ارتكاب المجازر وإذا كان يتمتع بالحصانة من أية ملاحقة أو عقاب؟ هل كنت لتفعل لو كنت مكانه؟ بالطبع لا.

كل المبادرات الدولية التي أطلقت فيما يسمى "الحل السياسي" تعتمد بشكل أساسي ورئيسي على إرادة نظام الأسد، وهي غير مزوّدة بأنياب أو مخالب لمعاقبته حال خرقها كما أنّ الأطراف التي تقوم بالجهود ليست حيادية، وهذه معطيات لا تحدثنا عن "حل سياسي" وإنما عن "أسطورة الحل السياسي".