أطفال السينما لا يعترفون بالحواجز

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

19/12/2014
السورية نت
المؤلف: 

أوحى حافظ الأسد في بداية عهده بالانفتاح على جميع الفئات الاجتماعية والطبقات والقوى السياسية التي كان لها الكثير من التحفظات على قيادة البعث قبل السبعين، وعمل على تجاوزها عبر تقديم وجبات سريعة وساخنة لكل طرف ابتداء من انتخابات مجلس الشعب والجبهة الوطنية التقدمية والانفتاح الاقصادي النسبي، والاهتمام بدور العبادة، ما أشاع جواً من التفاؤل بشكل عام، ونشط الوسط الثقافي، ومنه ظاهرة الأندية السينمائية، التي انتشرت في المدن والبلدات السورية كانتشار الفطر، ومنها مدينة حمص، فقد تم تأسيس نادٍ سينمائي، كان عدد أعضائه الأكبر في سوريا في مرحلة من المراحل، فقد بلغ عدد أعضائه ٧٠٠ عضو، وكان تفاعل الناس واهتمامهم بالأفلام كبيراً، تجلى ذلك في النقاشات التي كانت تلي عرض الفيلم، فكان من النادر أن نرى شخصاً يترك صالة العرض بعد انتهاء عرض الفيلم مباشرة، وكان عند الناس شوق لسماع أنفسهم والآخرين يتكلمون، لذلك كانت النقاشات حول فيلم ما تأخذ وقتاً أطول من فترة عرض الفيلم ذاته.

هذا المناخ العام شجعني، وكنت في الخامسة والعشرين من عمري، عام ١٩٧٥، على التوجه إلى سينما الأطفال، واستطعت إقناع مدير صالة سينما "الكندي" الحكومية بتخصيص عرض واحد في الأسبوع لأطفال المدارس الابتدائية في مدينة حمص.

 منذ العرض الأول كانت صالة السينما مليئة بالكامل بأطفال تتراوح أعمارهم بين السادسة والثانية عشرة، صبيان وبنات، وكنت قد استعنت ببعض الأصدقاء لمراقبة الصالة أثناء العرض وبعده. كانت غايتي هي نشر ثقافة الفن السينمائي بين الأطفال عبر المشاهدة المباشرة للأفلام وعبر النقاش الذي يلي كل فيلم، مع التركيز على شرح مفردات الفن السينمائي.

نتيجة العرض الأول وما تلاه من عروض كانت اكتشاف حجم الجهل المعشعش في رؤوس "الكبار" أمثالي، وأمثال أصدقائي، عن قدرات الأطفال ومعارفهم الفطرية للفن السينمائي، وتجاوزهم لطريقتنا في التفكير، نحن الأكبر عمراً، والأكثر ثقافة. في وقت  كنت أعتقد فيه أن عدد الكتب التي قرأتها عن الفن السينمائي، كافية، ليس فقط لإدارة حوار سينمائي مع أطفال، وإنما كي أكون ناقداً سينمائياً "قد الدنيا"، فقد أعادني نقاش الأطفال إلى حجمي الحقيقي، بعد أن أسقطت عني "فذلكات" المثقف، العارف، والحافظ لقوانين الإخراج السينمائي وأصول نقد هذا الفن، والتي اكتسبتها من الكتب التي كنت أتباهى بأنني قرأتها عدة مرات، واستغربت فعلاً كيف تكلس عقلي، مقارنة مع مرونة عقل الأطفال، وأنا لا أزال في الخامسة والعشرين من العمر.

 كان الأطفال أثناء النقاش، يتناولون نقطة ما من الفيلم، مثل "الفلاش باك" في أحد المشاهد، ويبدؤون فيما بينهم بنقدها، فاكتشف، مدهوشاً، حجم جهلي وسعة وتنوع معارفهم حول هذا الأمر، فقد كنت قبل النقاش أرى جانباً واحداً أو جانبين من اللعبة السينمائية، ولكنهم بنقاشاتهم الديمقراطية الحقيقية، التي كسروا فيها كل المعايير النظرية للنقد وأصوله، أضافوا الكثير لمعارفي. فيما بعد اكتفيت بإدارة الحوار بين الأطفال، مع قرار واضح من قبلي بالتعلم من أساليبهم.

قبل نهاية السنة الأولى للثورة، كنت أتابع بحب وشغف الأطفال في شوارع حمص وهم يشاغبون على رجال الجيش الذي تم إرساله للقضاء على المظاهرات المدنية المطالبة بالحرية والكرامة للشعب السوري، فحولوا "بوري الصوبيا" إلى مدفع هاون، و"طنبر المازوت" إلى دبابة، والباذنجان إلى قذائف صارخية، والبصل إلى قنابل مسيلة للدموع، والنكتة إلى سلاح فتاك لأعصاب عساكر الأسد المنتشرين في شوارع حمص القديمة، ومن عمليات الكر والفر بينهم، إلى لعبة القط والفأر.

ذكرتني تلك الإبداعات الحمصية من قبل المراهقين، الذي أعطوا الثورة السورية وجهاً حضارياً وتضحية بالنفس قل مثيلهما في ثورات الشعوب، بالأطفال في نادي السينما، الذي برهنوا أنهم الأقدر والأذكى عندما تتاح لهم الفرص،. وهذا ما كان يحاول نظام القتل الأسدي منعه جاهداً، فخطر الحرية الحقيقي على النظام هو في إطلاق قدرات الشعب على ابتكار الحلول لكل مشكلة تواجهه، ولمعرفة النظام القاتل بهذه المخاطر التي تحملها الحرية أطلق كلابه تنهش بالسوريين وهم يكررون مقولتهم الشهيرة "هي الحرية اللي بدكون ياها؟" مترافقة مع الهراوات، والدعس بالأحذية العسكرية، والتعذيب في السجون، والقتل الجماعي للأطفال واغتصاب النساء، حتى أصبحت "الحرية"، التي هي من أهداف الحزب الحاكم، مرادفة لكل فعل شنيع في الدنيا، ومع ذلك، ورغم ذلك، استمر الشباب السوري في تقديم التضحيات والسير على طريق الحرية المنشودة، فكان لا بد من سياسة القتل الشامل، كأسلوب اتبعه نظام الأسد ضد السوريين.

وتدخل "الكبار" عمراً ومالاً ونفوذاً وأحزاباً، ففرضوا السلاح والنفوذ بقوة المال، بعد أن كان الأسد قد خلق لهم، بعنفه المجنون وسلاحه المدمر، الحواضن الشعبية المناسبة، فتربعوا على عروش التنسيقيات والكتائب والألوية والجيوش، في الداخل، وعلى عروش التنظيمات المعارضة ومؤتمراتها في الخارج، مستبعدين ومحاصرين في الوقت نفسه الشباب الذين لم يخضعوا لهم، وانتشرت لغة التجارة لتكون بديلاً عن لغة الثورة، كما عبرت النكتة الحمصية، التي تقول فيها أم أحد الشباب لأم فتاة أرادت خطبتها لابنها رداً على سؤال أم الفتاة عن عمل الشاب: "الله تحنن عليه وفتح تنسيقية على حسابه"، وسادت لغة القتل والدعوة له، وللتدخل الأجنبي، بناء على "ما يطلبه الشعب"، إلى أن تحولت سوريا إلى ساحة صراع دولي، حتى خال بعضنا أن الأمور استقرت على ما هي عليه، وكما تبدو ظاهرياً في الصورة، وقد نسينا أن أبناءنا قادرون على الابتكار دائماً كما لو أنهم في صالة سينما ! ...

خلال السنوات الماضية من عمر الثورة، والتي تكاد تبلغ الأربع سنوات، تغيرت أمور كثيرة على الأرض، وفي نفوس الناس وعقولهم، ولكن الأطر العامة التي تهيمن على الحياة السياسية السورية المعارضة والمؤيدة، بدأت بالتآكل رغم محاولات المسؤولين والمستفيدين منها التمسك بها كوسائل "أبدية" لتغيير الواقع، في مواجهة "أبدية" القائد، ما منع هذه الشخصيات والأحزاب والقادة العسكريين من رؤية ما يحدث على الأرض، وخارج تصوراتهم الذهنية، كبزوع مفردات جديدة وقوى اجتماعية جديدة تدخل بقوة على الفعل السياسي اليومي وتطبعه بطابعها، ومثال ذلك الحراك الطلابي في الجامعات المصرية وإضرابات العمال والفلاحين المصريين واستخدامهم للغة الخطاب اليومي في احتجاجاتهم بعيداً عن الأشكال التي كانت منتشرة قبل الثورة المصرية. وفي سوريا أيضاً، وفي السياق نفسه، قال لي أحد الباحثين الاجتماعيين، الذي كان قبل شهرين تقريباً في زيارة إلى ريف إدلب وحماه:" إن الناس بدأت بمحاربة داعش والنصرة بالصمت والتجاهل وعدم التعامل معهم، إلا إذا كان الأمر تحت تهديد السلاح، وإن هناك قوى اجتماعية جديدة، قد لا تكون ملوحظة حتى الآن، تعمل لتمكين نفسها على الأرض، مستفيدة من "ذاكرة الثورة" الإيجابية التي يتم استحضارها لبناء ثقافة جديدة لا تمت بصلة إلى ثقافة الأحزاب السياسية، التي لا تزال سائدة حتى الآن، في أوساط النخب السياسية والدينية والعسكرية، كما كانت الثقافة السينمائية والاجتماعية التقليدية التي كانت منتشرة في أوساط المثقفين في السبعينيات من القرن الماضي، ومنعتنا من تقدير حجم المعارف عند الأطفال الذين انتسبوا إلى النادي السينمائي لأطفال حمص".

أخيراً، لا بد من توجيه نصيحة لأصحاب القرار والمال والنفوذ في المعارضة السورية، والذين يطمحون للعب دور في مستقبل سوريا، إلى الالتفات إلى الجانب الثقافي، فالمثقف هو الوحيد القادر على رؤية المتغيرات في الوسط الاجتماعي، وهو القادر على التنبؤ بمستقبل الصراع ومآلاته وليس العسكري أو السياسي التقليدي الذي انتهت صلاحيته.

لنتعلم من أطفال السينما السورية الذين يعرفون طعم الدم والبارود والفقر والحاجة، ولكنهم لا يعترفون بالحواجز بين الطبقات والفئات، فلهؤلاء المستقبل.