أميركا وتسليح المعارضة المعتدلة.. هل فات الأوان؟

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

23/9/2014
الحياة
المؤلف: 

تزويد المعارضة المعتدلة بأسلحة فتّاكة، كان على الدوام موضوعاً جدلياً وخلافياً داخل أروقة صنع القرار الأميركي، ولاسيما حين يتصل الأمر بأسلحة «كاسرة للتوازن» من نوع صواريخ مضادة للطائرات.

ودائماً ما كانت الإدارة الأميركية تظهر ميلاً واضحاً إلى الإحجام عن الأخذ بهذا الخيار، على مدى أكثر من ثلاثة أعوام، فقد كان موقف أوباما متحفظاً في تسليح مقاتلي المعارضة السورية المعتدلة بأسلحة نوعية، ولم يقدم لها طوال صراعها مع النظام السوري سوى الكثير من التأييد اللفظي بوجوب دعمها وتعزيز قوتها، وبعض الدعم المادي المحدود لها الذي يكفي فقط لاستمرارها ومواصلتها في القتال ولو بأداء ضعيف وليس للكسب أو الانتصار، وقد رفض منذ أكثر من عامين كما أشارت هيلاري كلينتون في مذكراتها تسليح المعارضة المعتدلة وتأهيل مقاتليها وأنه كان ميالاً إلى إبقاء الأوضاع على حالها، بل وفي نعي مبكر لأي وعود سبق أن أُطلقت بشأن تسليح «المعارضة المعتدلة» شكك الرئيس الأميركي في وجود معارضة معتدلة تكون قادرة على هزيمة الأسد.

وقد أدت سياسة واشنطن هذه بعدم تسليح المعارضة المعتدلة، سواء أكانت ممثلة بالجيش الحر أم غيره من التشكيلات العسكرية المعروفة باعتدالها إلى إضعاف وتراجع وجودها وتأثيرها، وكثرة انقساماتها، وهو ما سهل صعود الفصائل الإسلامية الأكثر تشدداً كتنظيم الدولة الإسلامية وجبهة النصرة التابعة لتنظيم القاعدة، وانتقال وانضمام العديد من المقاتلين لها ليس بدافع آيديولوجي وإنما لدوافع أخرى، وهي حقيقة أكدها في أكثر من مناسبة السفير الأميركي السابق لدى سورية روبرت فورد الذي أكد أن استقالته ومغادرته لمنصبه منذ أشهر معدودة بسبب كونه قد وصل إلى حال لا يستطيع معها الدفاع عن سياسية الولايات المتحدة المتعلقة بالأزمة السورية.

كل ذلك التردد والتحفظ في تسليح المعارضة المعتدلة لم يكن إلا حينما كان الأمر متعلقاً بثنائية المعارضة والنظام السوري، ولكن سرعان ما تغيرت تلك المعادلة، وتبدلت الحسابات، وانقلب ذلك التردد والتحفظ الذي دام أعواماً ثلاثة إلى اتخاذ قرار في فترة وجيزة بدعم المعارضة المعتدلة ورسم واعتماد خطة مفصلة لذلك الدعم وبكلفة نصف بليون دولار، حينما أصبح الأمر متعلقاً بالحرب على تنظيم الدولة الإسلامية! وها هو الآن أوباما الذي شكك بالأمس القريب في قدرة المعارضة المعتدلة يشيد اليوم بموافقة مجلس الشيوخ على تسليح وتدريب قوات المعارضة السورية؛ لزيادة قدرة تلك المعارضة من أجل مساندتها في حربها وقتالها ضد تنظيم الدولة الإسلامية، تحت غطاء جوي أميركي.

واشنطن قد اتضح لها ولحلفائها جلياً أنهم لن يتعاملوا مع نظام دمشق في محاربة «داعش»، وهو ما يعني أن المعارضة المعتدلة ستكون فرس الرهان والشريك الأقرب على الأرض في تكوين نواة مقاتلة؛ لدحر دولة داعش، في وقت أصبحت فيه مهمة البحث عن «الاعتدال» أكثر صعوبة من ذي قبل، بسبب تعقد مشهد الفصائل المسلحة في سورية، ولتخليها عن دعم المعارضة المعتدلة طوال الأعوام الثلاثة الماضية، فالجيش الحر، الذي بُذلت جهود إقليمية ودولية كبيرة طوال سنوات الأزمة لجعله «رمز» الثورة والحراك المسلح ضد النظام السوري، قد أفل نجمه، ولم يستطع أن يصمد طويلاً أمام تصاعد موجة التنظيمات الإسلامية المختلفة، وظهور التحالفات والكيانات العسكرية، ليس ذلك فحسب، بل وحتى تتمكن الولايات المتحدة من كسب الحرب مع «داعش» في سورية عليها أن تكسب أولاً ثقة المعارضة المعتدلة، فالمعارضة السورية قد فقدت الثقة إلى حد كبير في الإدارة الأميركية بعد تخاذلها في دعمها لإسقاط نظام الأسد، وتركها في وضع أبعد ما تكون عن التأثير الميداني والذكر الإعلامي، وهي الآن -أي المعارضة السورية المعتدلة- تشعر بقلق وتوجس من أن يقتصر هذا التحالف الدولي على ضرب «داعش»، ويتجاهل المسبب في وجوده وهو النظام السوري.

فالفرصة قد تكون سانحة للمعارضة المعتدلة للمطالبة والضغط بضمانات تحدد استمرارية الدعم العسكري واللوجستي لمحاربة «داعش»، وصولاً إلى إسقاط النظام السوري، وأن أي تحرك ضد التنظيم يجب أن يصب في خانة القضاء على نظام الأسد، وهو ما أكده أيضا قادة عسكريون في المجلس العسكري الأعلى للجيش الحر، وعلى رغم أنه لم يعلن حتى هذا الوقت، أي فصيل عسكري استعداده للمشاركة في القتال تحت راية التحالف الدولي، صراحةً وعلناً، إلا أن الساحة الميدانية قد شهدت في الآونة الأخيرة ظهور وبروز تحالفات كان من أهمها إعلان تشكيل جسم موحد باسم مجلس قيادة الثورة من 18 فصيلاً، اجتمعت على هدف واحد من دون الإشارة إلى آيديولوجية محددة، من أهمها حركة حزم التي حصلت على أسلحة وصواريخ أميركية، وجبهة ثوار سورية بقيادة جمال معروف، وكلتاهما معروف بانضوائهما للجيش الحر، إضافة إلى جيش الإسلام بقيادة زهران علوش المعروف بخطابة الإسلامي المعتدل وبقدراته العسكرية.

وهذا التشكيل الجديد كان بمنزلة إرسال رسالة للولايات المتحدة، عن وجود تحالف عسكري على الأرض يمكن التنسيق معه لو حظي بالضمانات وبالدعم الكافي والمساندة لمواجهة النظام السوري وقتال «داعش»، ولاسيما أن معظم فصائل هذا التحالف تتمركز قوته في محيط دمشق، ومن المعروف أن حزام العاصمة خالٍ من أي وجود لـ«داعش»، وبناء على المعطيات الحالية فإن وصفة «الاعتدال الأميركي» قد تكون في مثل هذا الظرف فضفاضة ومرنة أكثر من ذي قبل.

وفي المقابل من جهة المعارضة فحتى الرافض منها لمبدأ التحالف، فإن المشاركة من عدمها ستكون مبنية على تقدير حجم المكاسب المتحققة في الدخول في مثل هذا التحالف واستفادتها في بسط النفوذ والسيطرة؛ وصولاً إلى الهدف المطلوب وهو النظام السوري.