أوباما ونتنياهو: الآباء يأكلون الحُصْرم والأبناء يضرسون!

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

12/11/2015
الشرق الأوسط
المؤلف: 

مع أنه لا يزال أمام الإدارة الأميركية وقت «طويل»، فإن المحيطين بالرئيس الأميركي باراك أوباما؛ ومن بينهم وزير خارجيته جون كيري، قد «زفوا البشرى» إلى العرب؛ إلى الفلسطينيين تحديدًا، بأنه لا حلول للقضية الفلسطينية، لا جزئية ولا كلية، في باقي ما تبقى من عهد هذه الإدارة، وأنه يجب الانتظار إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية المقبلة، وإلى ما بعد اختيار إدارة جديدة، سواءً أكانت «ديمقراطية» أم جمهورية. والحقيقة أن الديمقراطيين والجمهوريين بالنسبة للصراع الفلسطيني، ومشكلة الشرق الأوسط بصورة عامة، يخيطون بمسلة واحدة، وأنهم في العادة، منذ عام 1948، ظلوا يتبارون على من هو الأكثر ولاءً واستجداء لإسرائيل واعتبار أمنها جزءًا لا يتجزأ من أمن الولايات المتحدة.

وهذا كما هو واضح ومؤكد ينطبق أيضًا على الأزمة السورية، فالرئيس باراك أوباما، الذي أوصل تردده هذه الأزمة إلى ما وصلت إليه حيث أصبح الروس بتدخلهم العسكري السافر في هذا البلد العربي يهيمنون على الموقف وأصبحوا هم الرقم الرئيسي في هذه المعادلة الصعبة، يبدو أنه مصمم على مغادرة البيت الأبيض دون أن يفعل ولو الحد الأدنى مما فعله جورج بوش الذي أخذ الولايات المتحدة إلى حربين طاحنتين؛ الأولى غزو أفغانستان في عام 2001، والثانية غزو العراق في عام 2003. والمعروف أنَّ هذا الرئيس «الديمقراطي» قد اعتبر مبكرًا بعد وصوله إلى البيت الأبيض، أنه لا ضرورة لهاتين الحربين، وأنه لن يورط الولايات المتحدة في أي حرب جديدة وفي أي تدخل عسكري سافر في أي دولة شرق أوسطية أو غير شرق أوسطية بما في ذلك سوريا.
وهكذا، وعندما يسمع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي كان في البيت الأبيض قبل يومين، ومن باراك أوباما أن الفلسطينيين هم المسؤولون عن العنف في الضفة الغربية وعندما يصمت، أي الرئيس الأميركي، على قول ضيفه إن الدولة الفلسطينية التي يجري الحديث عنها يجب أن تكون مجردة من السلاح وإنه على منظمة التحرير والسلطة الوطنية الاعتراف بإسرائيل دولة للشعب اليهودي، فإنه أمر طبيعي أن يواصل الإسرائيليون، منذ الآن وإلى ما بعد الانتخابات الأميركية المقبلة، ما يفعلونه الآن في الأراضي الفلسطينية المحتلة من تنكيل بالشعب الفلسطيني ومن ذبح لأطفاله بحجج واهية لا يصدقها إلا منحاز إلى الباطل ضد الحق أو أعمى بصر وبصيرة.
إن إعلان كبار المسؤولين الأميركيين أنه لا حلول للقضية الفلسطينية، وأي حلول، فيما تبقى من ولاية باراك أوباما الثانية، يعني، وبكل وضوح وصراحة، إطلاق يد إسرائيل في أن تفعل في الضفة الغربية ما تشاء وكما يحلو لها. والواضح هنا، ودون أي لَبْس، أنَّ تأثير إسرائيل في الانتخابات الأميركية المقبلة، التي غدت عمليَّا على الأبواب، من خلال مجموعات الضغط اليهودي وأهمها «آيباك» كما هو معروف، هو ما يجعل الفلسطينيين بانتظار شهور دامية وبانتظار فترة خطيرة سيذوقون خلالها الأمرين؛ وبخاصة أن أوباما قد أعلن سلفًا أنَّ الجانب الفلسطيني هو الذي يتحمل مسؤولية العنف المتصاعد في فلسطين والضفة الغربية.

إنها «رخْصة» للإسرائيليين لمواصلة اصطياد أطفال الشعب الفلسطيني كاصطياد العصافير الصغيرة، ولذلك، فإنه على العرب وعلى القيادة الفلسطينية إدراك أن العنف الإسرائيلي خلال هذه المرحلة، منذ الآن وحتى الانتخابات الأميركية المقبلة، سوف يتعاظم كثيرًا، وأن بنيامين نتنياهو، الذي تسلح بـ«فتوى» باراك أوباما بأن الفلسطينيين هم المسؤولون عن العنف المحتدم في الضفة الغربية وفي إسرائيل أيضًا، سوف يفعل ما لم يفعله حتى الآن لدفع الرئيس محمود عباس (أبو مازن) إلى الإقدام على ما بقي يلوح به وهو عدم الالتزام ببعض بنود اتفاقيات أوسلو، وبخاصة ما يتعلق منها بالتنسيق الأمني بين إسرائيل والسلطة الوطنية الفلسطينية.
وحقيقة أن الأخطر، في ظل هذا الواقع الجديد المتوقع، أن يدفع الضغط الذي من المنتظر أن تمارسه إسرائيل في هذه المرحلة الانتقالية منذ الآن وإلى ما بعد الانتخابات الرئاسية الأميركية المقبلة على «أبو مازن» وعلى منظمة التحرير و«فتح» والسلطة الوطنية، إلى إعلان التخلي عن اتفاقيات «أوسلو» وإلى حل هذه السلطة.. فهذه هي أم الكبائر وهذا هو ما يريده بنيامين نتنياهو وما تريده هذه الحكومة الإسرائيلية المتطرفة، وهذا بالتالي مما سيدفع الضفة الغربية إلى جحيم الفوضى والاقتتال الداخلي وإلى استغلال الإسرائيليين هذه الفرصة وهذه الأوضاع المأساوية للقيام بعمليات تهجير واسعة النطاق من الغرب إلى الشرق أي من الأراضي الفلسطينية المحتلة إلى الأردن وعلى غرار ما جرى خلال وبعد حرب يونيو (حزيران) عام 1967.
وبالطبع، ونحن في مجال الحديث عن هذه «التنبؤات» الغارقة في التشاؤم حتى ذروة الرأس، فإنه علينا أن نأخذ بعين الاعتبار أنَّ هذا التصدع الخطير الذي تعاني منه الوحدة الوطنية الفلسطينية الآن وسابقا ولاحقًا، يعزز هذه التوقعات التي نتمنى أن تكون مجرد تشاؤم زائد عن اللزوم، فهناك وبكل وضوحٍ وصراحة بعض التنظيمات؛ حركة «حماس» وحركة «الجهاد الإسلامي» تحديدًا، التي تسعى إلى التخلص من اتفاقيات أوسلو، وإلى حل السلطة الوطنية وحل «فتح» ومنظمة التحرير واستغلال الفوضى المتوقعة المترتبة على تطورات خطيرة كهذه، وإلى إعادة صياغة المعادلة في الواقع الفلسطيني بما يتلاءم مع «الهدنة» مع إسرائيل التي تسعى إليها حركة المقاومة الإسلامية بتشجيع ودعم من إيران، والتي يقال إن مدتها قد تصل إلى خمسة عشر عامًا.

إن هذا هو واقع الحال، ولذلك، فإنه كان على أوباما، الذي سيذهب قريبًا إلى زوايا النسيان المظلمة، أن يكون أكثر حسمًا وحزمًا مع بنيامين نتنياهو وأن يفهمه أن الحل العادل للقضية الفلسطينية وعلى أساس إقامة دولة مستقلة للشعب الفلسطيني على حدود يونيو عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، هو مصلحة «استراتيجية» أميركية، لأنه من دون حل كهذا، سيبقي الشرق الأوسط ملتهبًا، وستبقى إيران تجد الحجة التي تريدها للحصول على القنبلة النووية، وستبقى التنظيمات الإرهابية وفي مقدمتها «داعش» تتعيَّشُ على هذه القضية، وهذا هو الخطر الذي يجب أن تدرك إسرائيل أنه سيهددها مستقبلاً أكثر كثيرًا من حصول الفلسطينيين على حقوقهم وإقامة دولتهم المستقلة.

لقد كان على أوباما، بدل أنْ يُسمع نتنياهو مثل هذا الكلام الذي يشجعه على مزيد من العنف والتطرف، أن يسْمع إلى رأي بعض كبار الصحافيين اليهود الأميركيين الذين اعتبروا، وعلى رؤوس الأشهاد وبكل وضوح وصراحة وشجاعة، أن ما تقوم به إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني هو بداية نهايتها، كما أن عليه أن يستمع أيضًا إلى كلام بعض كبار جنرالاته الذين حذروا من أن ترك الأمور في سوريا تسير على هذا الطريق الذي تسير عليه الآن، سوف يؤدي إلى فوضى عارمة تعم الشرق الأوسط كله بكل دوله، وأن المستفيد سيكون روسيا وإيران، وسيكون أيضًا، ولفترة قصيرة، تنظيم داعش الذي هيَّأ الإيرانيون والروس ونظام بشار الأسد البيئة التي يريدها والتي هي بيئته.

إنه ما كان لهذه الأمور، إنْ بالنسبة للصراع الفلسطيني - الإسرائيلي وإنْ بالنسبة للأزمة السورية وإنْ بالنسبة لإيران وتمددها في هذه المنطقة، أن تصل إلى ما وصلت إليه لو أن باراك أوباما كان أكثر حزمًا منذ البدايات، ولو أنه لم يترك للإيرانيين استكمال سيطرتهم على العراق وتعزيز وجودهم في سوريا، ولو أنه لم يُوقِّع معهم اتفاقية «النووي» التي أثيرت حولها تحفظات كثيرة، ولو أنه لم يترك الروس يفعلون ما يريدونه ويقومون بهذا الغزو العسكري لدولة عربية رئيسية و«استراتيجية».. ولذلك، وفي النهاية، فإنه لا بد من القول إن الولايات المتحدة هي التي ستدفع ثمن تردد الرئيس الأميركي وميوعة مواقفه وسياساته في النهاية.. فالشرق الأوسط منطقة حيوية وفي غاية الأهمية بالنسبة للمصالح الأميركية الاستراتيجية الآن وفي المستقبل القريب والبعيد.. وأخيرا فإنه لا بد من القول للرئيس الأميركي المغادر: الآباء يأكلون الحصرم والأبناء يضرسون، فكل هذه الأخطاء الفادحة ستدفع الولايات المتحدة ثمنها إنْ عاجلاً وإنْ آجلاً!!

تعليقات