إسرائيل تقتحم الساحة

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

27/6/2015
العربي الجديد
المؤلف: 

بعد الثورة، حصرت إسرائيل فترة طويلة دورها السوري في الأمن، ووجهته بصورة خاصة نحو سلاحين: الكيماوي السوري والنووي الإيراني، ونجحت في نزع الأول، وتوشك أن تنجح في نزع الثاني، حسب رواية سفيرها السابق في واشنطن الذي كشف عن دوره ودور وزير أمنها، شتاينيتز، في العمل لمنع الضربة العسكرية الأميركية ضد نظام بشار الأسد، والسرعة التي بادرا بها إلى التواصل مع روسيا وأميركا، من أجل عقد صفقة تسليم الكيماوي السوري، وبالتالي، الإبقاء على النظام في دمشق. وستكشف مقبلات الأيام الدور الإسرائيلي في صفقة النووي الإيراني، ورسم دور إقليمي جديد لطهران، تبدو علامات التفاوض حوله، والقبول بجوانب منه جلية في المشرق العربي واليمن. 

 

وكنت قد أكدت أن دور إسرائيل سيتركز من الكيماوي فصاعداً على الجانب السياسي من دورها في سورية، انطلاقا من مسلمةٍ لا يدانيها شك، هي تصميمها على ضرب الثورة، إن بقيت متمسكة بالحرية وإقامة نظام ديمقراطي بعد إطاحة الأسد، ورفضها أي نظام إسلامي، لا ينضوي في الصراع السني/ الشيعي، ويكون "جهاده" موجهاً ضد إيران، وإصرارها على الحصول على الضمانات الأمنية نفسها التي منحها لها "بطل التحرير والممانعة"، حافظ الأسد، وتمسك بها خليفته بشار، ومكّنت رئيس وزرائها الأسبق، اسحق رابين، من أن يقول لمستوطني الجولان: أنتم هنا أكثر أمنا من سكان تل أبيب. 

بتحقيق أهدافها الأمنية التي أتاحها لها النظام في حالتي قوته وضعفه، صار من المتوقع أن تركز تل أبيب على أهدافها السياسية في سورية، التي يبدو أنها ستتطلب، من الآن فصاعداً، تدخلها المباشر فيها، وتحولها إلى طرف أصيل في صراعاتها، يمسك ببعض أوراقها، ويفيد من نقاط ضعف كثيرة، ظهرت في نسيج بلادنا الاجتماعي واندماجها الوطني، فاقمتها سياسات النظام العسكرية التي استهدفت، بالتحديد، تعميق الهوة بين مكونات جماعتنا الوطنية، وتحويلها إلى شروخٍ، يصعب رأب صدوعها، تستطيع استغلالها لخدمة مأربين، أولهما: طي موضوع احتلال الجولان بصورة نهائية، وانتزاع اعتراف سوري من النظام الحالي، أو الذي سيليه، باعتباره أرضاً يهودية، وجزءاً عضوياً من "دولة إسرائيل"، لا يقبل الانفصال عنها. وثانيهما: إقامة نظام صديق في دمشق، يتعاون مع إسرائيل إلى درجة التحالف، تطوي بعلاقاتها معه حقبة الصراع مع العرب، وتفتح بلدانهم أمامها كقوة مقررة فيها. 

إذا كان تحقيق الهدف الأول يتوقف على شكل الحكم الذي سيقوم في دمشق، فإن تحقيق الثاني مرهون بقدرتها على التحكم في مسار التطورات الجارية، وعلى ممارسة قدر من النفوذ عليها، يحيل تل أبيب إلى ما سمّيته قبل قليل "طرفا أصيلا فيها"، ينشر حمايته على بعض الجهات السورية المتصارعة، أو يقدم العون إلى بعضها الآخر. وقد اختار قادة إسرائيل جعل مدخلهم إلى دورٍ هذه مفرداته ما سمّوه "حماية الدروز" في المناطق المجاورة لها، وهم في مكانين يقع أحدهما على حدودها الجولانية، في جبل الشيخ وبلدة حضر، وثانيهما في جبل العرب، البعيد نسبياً عنها، والذي أعلنت أنها لن تسمح لـ "داعش" بالدخول إليه، وهددت بتدخل مباشر للقضاء على أية قوة تتحدى قرارها. 

لا داعي للقول إن ما تفعله إسرائيل يتقاطع مع سياسات الأردن ومصالحه ودوره، ويتوافق مع سياسات واشنطن التي تركز أولوياتها على جنوب سورية لقربه من دمشق، وما بلغه الجيش الحر فيه من تنظيم وانضباط سياسي وعسكري، وحققه من نجاح في معظم معاركه ضد جيش النظام. وهو يتقاطع، أيضاً، مع ميل خارجي متنوع إلى فرض حمايات خارجية على مكونات الجماعة الوطنية السورية، باعتبارها تكوينات ما قبل مجتمعية، أو طوائف تحتاج إلى حماية بعضها من بعضها الآخر، يعني فرض الوصايات الخارجية عليها صياغة علاقاتها في ضوء مواقف ومصالح حماتها، على غرار ما كان يحدث في القرن التاسع عشر، حين كانت كل طائفة سورية محمية من قوة خارجية. 

تفكك هذه الحمايات شعبنا إلى تكوينات ما قبل وطنية، فإن أعيد لحمه من جديد، حدث ذلك باعتباره مجموعة كيانات متعادية، من المحتم أن يفصل بينها تدخل خارجي دائم يضبط صراعاتها، ويلطف طابعها العدائي الذي يفضي انفلاته من الرقابة إلى تهديد أمن المنطقة والعالم وسلامهما، ويجعل من المحال تعايش السوريين بعضهم مع بعض. ثمة علامات تشير إلى بدء صياغة داخل سوري مقطع/ متناحر، تتم إقامته بدعم خارجي، لا يعلن عنه، لكنه يطبق بهمة على أرض الواقع، مثلما نلاحظ في شمال بلادنا، حيث ترسم قنابل أميركا حدود كانتون ما يسمونه غرب كردستان، ويبدو أن "داعش" قبلتها. لذلك، انسحبت من دون قتال من مدينة تل أبيض ذات الأغلبية العربية، وسلمتها إلى حزب البياده، بينما يلفت النظر أن مناطق "داعش" الرئيسة لا تتعرض لأعمال عسكرية أميركية مؤثرة، وأنها وسعتها، أخيراً، باندياحها نحو مناطق قريبة من دمشق، وضعتها، في الوقت نفسه، على حدود الأردن والسعودية، وأضفت مخاوف كثيرة على ما يحكى عن مشاريع إيرانية، تستهدف حماية علويي الساحل، بعد دخول قوات "داعش" خلال شهر رمضان الحالي إلى دمشق... وها هي إسرائيل تفرد حمايتها على المناطق المجاورة لها، في تطور نوعي، سيكون كارثي النتائج على دولة سورية ومجتمعها. 

 

تواجه بلادنا تحديات مصيرية، يعني فشلنا في ردعها انعدام وجودها، ناهيك عن فشل الثورة. وهناك دلائل وتلميحات تؤكد أن إسرائيل تفكر بالانتقال من الأقوال إلى الأفعال في الأيام القليلة المقبلة، وباستخدام جيشها لحماية من تسميهم "دروز المناطق المجاورة لها"، علما أن غالبيتهم ليست في مناطق كهذه، بل في جبل العرب الذي يتطلب العمل العسكري فيه تحييد جبهة حوران الجنوبية للجيش الحر، والتي يعلق السوريون آمالهم عليها، في كل ما له علاقة بإسقاط النظام. 
نحن أمام ثورات مفصلية، قد لا يبقى بعدها شيء كما كان قبلها.

تعليقات