إيران لن تخرج منتصرة من سوريا!

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

28/ 01/ 2016
الشرق الأوسط
المؤلف: 

 

في الوقت الذي تحاول إيران جذب الاستثمارات الفرنسية والإيطالية، وتعمل وكأن لا أزمات في المنطقة، وأنها غير مسؤولة عن أي توتر وإشعال، تتقرب إسرائيل من ألمانيا بهدف إقناعها بالوقوف في سوريا إلى جانب الموقف الروسي، وتدعوها إلى محاكاة الموقف الإسرائيلي والتعاون مع روسيا لأن سياسة موسكو لا تستهدف إسقاط الأنظمة. مع ألمانيا أو من دونها، العلاقة بين إسرائيل وروسيا تزداد رسوخًا مع تفهم كل طرف لتحالفات الطرف الآخر، خصوصًا بالنسبة إلى إسرائيل، حيث الفوائد من التدخل الروسي في سوريا تفوق الخسائر غير الموجودة حتى الآن.

بعد اغتيال سمير القنطار في دمشق، ورغم ارتباطه المباشر بإيران، نعاه أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله في خطابين (إسرائيل حتى الآن لم تعترف بأنها وراء العملية)، وبعد يوم واحد من اغتياله جرت محادثة هاتفية طويلة ما بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، لكن ظل السؤال عما إذا كانا تحادثا قبل عملية الاغتيال، وعما إذا جرى تنسيق بين الدولتين كي لا تتصادم الطائرات الإسرائيلية وتلك الروسية فوق الأجواء السورية. رد الفعل الرسمي الروسي كان: لا نستطيع أن ننفي أو نؤكد عما إذا تلقينا أخبارًا من إسرائيل حول هذه الأنشطة. وقبل 10 أيام من اغتيال القنطار قام ألكسندر لافرنتيف المبعوث الشخصي للرئيس الروسي بزيارة سرية إلى إسرائيل «لمناقشة الجهود الدبلوماسية لإنهاء الحرب الأهلية في سوريا».

العلاقة المستجدة بين روسيا وإسرائيل تتضمن مصالح مشتركة، والتعاون بينهما يسير بطريقة جيدة رغم نشر نظام الدفاع الجوي الروسي المتكامل في سوريا غير المواتي لإسرائيل، إذ أدى إلى فقدان إسرائيل السيطرة المطلقة على المجال الجوي فوق سوريا ولبنان، وأوضحت موسكو لتل أبيب أن نظام دفاعها الجوي تحت سيطرتها فقط، وليس تحت السيطرة السورية. ولا تلتقي الدولتان تمامًا على مصالح متبادلة ومشتركة بينهما في سوريا، إذ عبّر كبار ضباط الجيش الإسرائيلي عن قلق عميق إزاء الدروس الجيدة في التكتيكات القتالية التي يتعلمها مقاتلو حزب الله في سوريا من خلال تعاونهم العسكري مع القوات الروسية. وقد كتب خبراء عسكريون إسرائيليون أخيرًا مقالات في هذا الخصوص، وحتى الآن فضلت الحكومة الإسرائيلية عدم طرح المسألة مع موسكو من أجل تجنب التوترات غير الضرورية معها، لأن مزيدًا من المحادثات بشأن التنسيق الضمني بين الدولتين قائم بالنسبة إلى إيجابيات الوجود الروسي في سوريا. حسب الرأي الإسرائيلي، فإنه يقلص من النفوذ الإيراني، إذ كانت إيران تعتزم إنشاء ميليشيات سورية عمادها مقاتلون شيعة، وقد بدأت الخطوات الأولى باستقدام وحدات من حزب الله من لبنان، وشيعة من باكستان وأفغانستان للقتال، في انتظار تشكيل الميليشيات الشيعية السورية والانتهاء من تدريبها على نسق «الحشد الشعبي» في العراق. في المنظار الإسرائيلي تسعى روسيا إلى إعادة بناء الجيش النظامي السوري، على عكس الميليشيات التي تخطط لها إيران، فالجيش النظامي سيدعم ويحمي الجهود للحفاظ على العلمانية في سوريا، وهذا المخطط لا يصب بالضرورة في مصلحة إيران.

ضمن المصالح الإسرائيلية ما ناقشه بوتين ونتنياهو في عدة مناسبات، اقتراب إيران من الحدود الإسرائيلية، واحتمال أن تنتهي الأسلحة الروسية في أيدي حزب الله. وكان الموقف الإسرائيلي واضحًا بهذا الخصوص. هي اغتالت جهاد مغنية مع ضباط إيرانيين عندما كانوا في جولة على الحدود السورية - الإسرائيلية وكانت هذه واحدة من الرسائل الموجهة لإيران ولحزب الله، كما أبلغت الروس، أنه إذا كانوا لا يضمنون عدم وصول أسلحتهم إلى حزب الله ولو عن طريق الخطأ، فإن إسرائيل ستضمن ذلك. ولا تخفي إسرائيل إدراكها أن نفوذًا روسيًا قويًا في سوريا، ونظامًا مركزيًا أكثر فعالية يصبان في مصالحها، وبناء على ذلك ليس هناك، على الرغم من نقاط احتكاك ممكنة، أي تضارب فعلي في المصالح بين إسرائيل وروسيا.

وخلافًا لبعض المخاوف عند بعض السياسيين الإسرائيليين، فإن الوجود الروسي في المنطقة لا تبعات له على «العلاقات الخاصة» الإسرائيلية - الأميركية. صحيح أن الأميركيين يرحبون لو أن إسرائيل تدعم الموقف الأميركي المواجه للسياسة الروسية، لكن إسرائيل تعوّل على تفهم الأميركيين أن سياستهم المتعلقة بالموقف الروسي في سوريا تتعارض مع المصالح الإسرائيلية. وكان بوتين أبلغ المسؤولين الإسرائيليين أن روسيا «تعترف» بالعلاقات الخاصة بين إسرائيل والولايات المتحدة.

تستعمل روسيا وإسرائيل بعضهما للتقارب ومواجهة المناوئين و«تحترمان» خصوصية علاقة كل منهما بالدول الأخرى. تميل روسيا إلى اعتبار كل ما يحدث في أوكرانيا بمثابة استفزاز لها. وتعتبر كل معونة أميركية أو أطلسية لأوكرانيا دليلاً على العداء لها. قال أحد الاختصاصيين الإسرائيليين في الحرب الباردة: «نظرًا لجهل عميق الجذور، لا يزال الناس يرون روسيا وكأنها امتداد للاتحاد السوفياتي»، وأضاف خلال زيارة له إلى ألمانيا «قال بيسمارك إن مستقبل ألمانيا يكمن في التعاون مع روسيا».

إسرائيل ترى أن بوتين لديه التفكير نفسه، لكن حتى الآن، ألمانيا تؤيد السياسة الأميركية. تحاول إسرائيل أن تنصحها بأن عصر الاتحاد السوفياتي انتهى، وبوتين أسس روسيا جديدة «قائمة على علاقات صحيحة وودية مع إسرائيل، ولا رغبة لديه بتغيير أنظمة وفرض آيديولوجيته عليها، فالمصالح قبل الآيديولوجيات». وكأن المقصود بذلك تركيا على سبيل المثال.

فمع إيقاف بوتين كل الاتصالات مع تركيا بعد إسقاط طائرة «السوخوي»، بدأت إسرائيل وتركيا إعادة ما كانا عليه في السابق، مع إصرار إسرائيل على أن التقارب الجديد لن تكون له أي عواقب، وبالتالي إذا ما قررت تركيا شراء الغاز من إسرائيل بدل روسيا، «فيمكن لروسيا أن تتعايش مع ذلك».
لعبة الكراسي مشتعلة في الشرق الأوسط. لم يبق كرسي فارغا، والرقص وتبادل الفرقاء لا يستقران. كل طرف يبحث عن التقاط مصالحه. قبل أسبوعين وصفت صحيفة «البرافدا» الروسية إسرائيل بالحليف الوثيق والبديل الجيو - سياسي لتركيا خصوصا «في الزراعة والسياحة». ولجهة سياسة إسرائيل تجاه سوريا، فالقصة أكثر تعقيدًا. الآن تراقب وتتدخل عندما تكون هناك حاجة لإحباط عملية تهريب أسلحة أو إرهاب. تأثيرها على الوضع في سوريا محدود جدًا، لهذا ترى أنه من الأفضل لها دعم النهج الروسي الذي يتحدث عن التوصل إلى اتفاق في سوريا مع أو من دون بشار الأسد، وتفضل ذلك على انهيار النظام، وترى إسرائيل أن انهيار النظام سوف يضر بإيران وحزب الله، لكنها ترى أيضًا أنه ليس كل ما هو سيئ لعدوها يعد جيدًا لها.

بعد البدء بتطبيق الاتفاق النووي الإيراني، ستتدافع أكثر لعبة الكراسي في سوريا بالذات. روسيا مندفعة قبل التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار. على إيران أن تختار ما بين مكاسب اقتصادية أو الاستمرار في دعم حليفها بشار الأسد الذي تريد كل الدول الأوروبية والولايات المتحدة أن تراه مغادرًا السلطة. تركيا ستنشغل بالداخل. الخلافات الأميركية - الروسية في سوريا تقلصت إلى التوافق على إقامة قاعدتين جويتين لكل منهما داخل سوريا (القامشلي والحسكة) على الحدود مع تركيا. من المبكر جدًا على الدول العربية المعنية أن تأخذ قرار وقف دعم المعارضة السورية قبل أن تراقب ما ستفعله إيران. أما إسرائيل، فإنها تقف مع موسكو من أجل مصالحها رغم علمها الأكيد بأن لا غنى لواشنطن عنها. مع بدء تطبيق الاتفاق النووي لن تعود لعبة الكراسي لتصب في المصلحة الإيرانية. حان وقت البدء في التحجيم.

 

تعليقات