احتلال إيران للعراق: جردة للقصف الجوي ودلالاته

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

8/12/2014
السورية نت

لم تكتف الولايات المتحدة بإعطاء العراق لإيران على طبق من ذهب بعد احتلاله في العام 2003 والإطاحة بالتوازن الإقليمي وميزان القوى الذي كان قائماً لعقود طويلة في المنطقة، بل فتحت بسياساتها الخرقاء الباب واسعاً أمام اللاعب الإيراني ليتمدد في نفوذه إلى مدى لم يكن قد بلغه منذ قرون طويلة ويمتد إلى شمال شرق حوض البحر الأبيض المتوسط وحتى باب المندب جنوب البحر الأحمر مروراً بالخليج العربي وبحر العرب.

ومنذ العام 2010 ، تصرّ واشنطن في كل تصرفاتها على التأكيد بأنّ العراق تابع لإيران، فأوباما كان ولا يزال يعتقد أنّ التصرف على هذا الأساس سيدفع نظام الملالي إلى وضع مزيد من الموارد لتحقيق الأمن والاستقرار في العراق على اعتبار أنّه سيكون من مصلحة إيران تحقيق ذلك، وأنّ هذا سيريح اللاعب الأمريكي ويخفف من الأعباء الملقاة على عاتقه لاسيما بعد الانسحاب.

مثل هذه النظرة الأمريكية تعبّر عن سذاجة بالغة وعدم فهم لطبيعة المنطقة ولطبيعة تصرّف اللاعبين فيها، فإيران أبعد ما يكون عن هذه الحسبة الغريبة، وقد استغلّت المفهوم الأمريكي الساذج لا لتحقيق الأمن والاستقرار في العراق وإنما لتحويل منطقة النفوذ العراقية بالنسبة لها إلى منطقة تابعة مباشرة، بمعنى آخر، فقد احتلت إيران العراق كما تحتل اليوم دولاً عربية عديدة أعلنت أنها بمثابة محافظات بالنسبة لها.

وبالرغم من أن الواقع أثبت خرافة الأسطورة الأوباميّة عن سلوك إيران المفترض في العراق، إلا أنّ الرئيس الأمريكي مازال مستمراً على نهجه على ما يبدو، إذ أنّ ردة فعل واشنطن المشجعة على قيام إيران بعمليات قصف جوي داخل العمق العراقي تؤكد بأنّنا ذاهبون إلى كوارث كبرى قريباً.

رصدت بعض التقارير مؤخراً قيام إيران بطلعات جوية داخل العراق تكثّفت بشكل كبير نهاية شهر نوفمبر وبداية شهر ديسمبر. وبحسب بعض المصادر الإيرانية، ومن بينها الخبير العسكري الإيراني باباك تقوئي فقد قام سلاح الجو الإيراني بطلعات جوية منذ 18 وحتى 20 نوفمبر عبر تشكيلات متعددة من طائرات (F5) انطلقت من قواعد المقاتلات التكتيكية الثانية والرابعة من داخل إيران إلى داخل العراق، وتحديداً محافظة ديالى.

كما قامت طائرات فانتوم (RF-4E) تابعة لسلاح الجو الإيراني وطائرات من دون طيار تابعة للقوة الجوية للحرس الثوري بطلعات جوية داخل العراق بين 20 و23 نوفمبر الماضي للقيام بمهام استطلاعية فوق كل من جلولاء والسعدية في محافظة ديالى.

وانطلقت ما بين ال23 و30 من نوفمبر، مقاتلات إيرانية من طراز فانتوم  (F4) الأمريكية الصنع من قواعد المقاتلات التكتيكية الثالثة والتاسعة لتقديم الدعم الجوي داخل العراق لكل من ميليشيات بدر والقوات العراقية الخاصة ومجموعات البيشمركة الكردية.

ويؤكد باباك في معلومات نشرها موقع متخصص بالطيران أنّ أربع طائرات إيرانية من طراز سوخوي (SU-24MK) قامت في 1 و2 ديسمبر بدوريات في الأجواء العراقية بالإضافة إلى تقديم الدعم الجوي.

وقد استخدمت إيران لأول مرة في 29 و30 نوفمبر الماضي قنابل موجهة بالليزر من نوع عصر (4-LGBS) و قنابل ذكية موجّهة تلفزيونياً من نوع قاصد (GBU 78-A) ضد أهداف تابعة لتنظيم "داعش" داخل العراق في محافظة ديالى لترجّح بذلك كفّة الميليشيات الشيعية والقوات العراقية المهاجمة ولتمكنها من استعادة جلولاء والسعدية.

ومن سخرية القدر أنّ القنبلة "قاصد" قد أعلنت أيران عن إنتائجها قبل عدّة سنوات في ذكرى الحرب العراقية – الإيرانية وهي مخصصة ليتم تحميلها على طائرات فانتوم (F4) الأمريكية الصنع ،وتعتبر إيران الوحيدة تقريباً في العالم التي لا تزال تمتلك هذا الطراز من الطائرات، وكانت طهران وفق ما تم الكشف عنه في التحقيقات التي أجرتها وكالة تحقيقات الأمن القومي الأمريكي (HSI) بداية العام 2014، قد حصلت على قطع غيار لعدد كبير منها عبر إسرائيل في عملية تمّت على مرحلتين في نهاية عام 2012 وفي نيسان/أبريل 2013 من خلال اليونان.

عل كلٍ، من الواضح أنّ التدخل الإيراني الجوي قد تم بتنسيق مع الولايات المتّحدة الأمريكية، هذا أمر لا يجب أن يكون لدى أحد أي شك فيه. البعض حاول أن يفسّر ما حصل بالقول إنّه يوجد ما يشبه "اتفاق عدم اعتداء" غير معلن بين كل من إيران وأمريكا، والبعض يقول إنّه لم يتم أي نوع من التنسيق بين الطرفين وإن كل ما جرى أنّ الولايات المتّحدة قد غضّت النظر عن دخول القوات الجوية الأجواء العراقية. لكنّ هذه التفسيرات تفتقر إلى المصداقية، وهي غير منطقية وتجافي الحقائق ولا يمكن القبول بها في ظل:

أولا: الجانب الإيراني لا يمكن له أن يغامر ويخطو مثل هذه الخطوة ما لم يكن متأكداً مئة في المئة بأنّ الأمريكي لن يعترض، وأنّ طائراته لن يتم إسقاطها، وهذا يتطلب تنسيقاً وليس قراءة في النوايا.

ثانيا: العراق يشهد عمليات عسكرية برية وجوية متعددة ومختلفة وكلها تتم في وقت واحد على عدة جبهات، كما أنّ العمليات الجوية التي تنفذها قوات التحالف تتم بقيادة الولايات المتحدة وبتنسيق تام مع الحكومة العراقية التي تقود القوات العراقية والميليشيات. ومن غير المعقول أنّ يدخل طرف ثالث على المعادلة دون تنسيق مسبق خاصة في المجال الجوي المرصود بإحكام من قبل القيادة الأمريكية.

ثالثا: الإدارة الأمريكية تخطّت مرحلة الإقرار بقيام إيران بهذه الخروقات وعمليات القصف ومعرفتها بها إلى الإشادة بالدور الإيراني في محاربة "داعش" في العراق! وهذا يعني تشجيعهم على المزيد.

المفاجأة الثانية أنّ أحد المسؤولين الإيرانيين صرّح بكل وقاحة بأنّ هذه الضربات تأتي لصيانة الأمن القومي الإيراني، إذ اعتبر السياسي الإيراني حميد رضا تاراغي أنّ إيران تعتبر ديالى منطقة عازلة ولا تتحمل أي تهديدات عسكرية في هذه المنطقة العازلة. وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار هذه التصريحات مع حقيقة أن القصف الإيراني طال مناطق سيطر عليها تنظيم الدولة "داعش" داخل العراق وتبعد حوالي 20 ميل عن الحدود الإيرانية، فهذا يعني أنّ الإيرانيبن يقولون علناً أنّهم ينشئون منطقة عازلة بعمق 20 ميلاً على الأقل داخل العراق ليس لقتال "داعش" أو مساندة القوات العراقية وإنما لحماية أمنهم القومي!

يمكننا أن نلاحظ أنّ الدور الإيراني في العراق تضخم جداً بعد الكشف عن رسالة أوباما التي تمنى فيها الشفاء للخامنئي والتي أشار له فيها بوضوح بأنه لن يمس بأي شيء يرتبط بمصالح إيران في المنطقة كالأسد، على أمل أن يؤدي الوصول إلى اتفاق في الملف النووي إلى تعاون مشترك ضد "داعش". الإيرانيون فهموا الرسالة جيداً وفسروها على أن أوباما في أمس الحاجة إلى اتفاق معهم وأنه ضعيف ولن يفعل أي شيء حيال تضخّم دورهم الذي وصلوا إليه بسببه.

وبالفعل مع تمديد المفاوضات النووية أواخر شهر نوفمبر بدأنا نرى مرحلة جديدة كلياً بالنسبة للاستراتيجية الإيرانية في المنطقة. لا تعتمد إيران اليوم فقط على أذرعها في المنطقة وعلى فيلق القدس المتخصص بالعمليات الخارجية، فاليوم تدخل الدولة الإيرانية الرسمية بنفسها وقواتها الأرض والسماء العربية كما سبق وفعلت إسرائيل وأمريكا من قبل.