استراتيجية أوباما ورد الفعل الخليجي

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

30/5/2015
العربي الجديد

أثارت المفاوضات حول البرنامج النووي الإيراني، والمناخات التي سادتها، واتفاق الإطار الذي وقع، وما يرتب من التزامات، هواجس ومخاوف دول عربية وإقليمية، تجسدت بردود فعل سلبية من الرئيس الأميركي، باراك أوباما، ذهبت بعيداً في وصفه بأوصاف فيها تشكيك بقدراته السياسية والاستراتيجية، وتحميله مسؤولية ما جرى، ويمكن أن يجري في الإقليم من كوارث ومآس إنسانية، غير أن قراءة موضوعية ومسؤولة للمشهد السياسي الإقليمي والدولي يمكن أن تقود إلى استنتاجات مغايرة، حتى لا نقول مناقضة، لهذا النقد والتشهير، فالسياق الذي حصل فيه التفاوض والتصورات التي حكمته، والنتائج المتوقعة منه، وليدة مصالح متوخاة ورؤية استراتيجية معلنة، وهذه الأخيرة مرتبطة بزاوية نظر وتطلع مستقبلي أكثر من ارتباطها بالرئيس وصفاته الشخصية. 

 

حدد الرئيس الأميركي سياسته في أكثر من مناسبة، وخصوصاً وثيقتي الأمن القومي 2010 و2015 وخطابي الجمعية العامة للأمم المتحدة (24/9/2013) وأكاديمية ويست بوينت (28/5/2014)، بوضوح كامل، ووضع أسس تحرك الولايات المتحدة الخارجي، وربط استخدام القوة العسكرية بشكل منفرد فقط بمواجهة أخطار تهدد المصالح الأميركية الأساسية والحيوية مباشرة. وأما التي لا تهدد الأمن والمصالح الأميركية مباشرة، فالتعامل معها يتم عبر رزمة إجراءات دبلوماسية واقتصادية، فقد أعلن، في خطابه في الأكاديمية، وهو الأكثر وضوحاً وتحديداً، مواجهة المشكلات والأخطار الإقليمية والدولية، التي لا تمس مصالح الولايات المتحدة مباشرة، ومخالفة القانون الدولي، باعتماد آلية العزل والمعاقبة والعمل مع المنظمات الدولية ذات الصلة، وفي حال الاضطرار إلى تحرك عسكري، يتم تشكيل تحالف لذلك الغرض، وتقاسم الأعباء البشرية والمادية.

بنى أوباما استراتيجيته على صورة العالم الراهن، وعلى التوازنات الإقليمية والدولية القائمة، فمن ناحيةٍ، ما زالت الولايات المتحدة الدولة الأولى في القوة العسكرية والاقتصادية والعلمية والابتكارات. وهي، من ناحية ثانية، آمنة إلى حد بعيد، حيث ليست ثمة تهديدات مباشرة لأمنها ومصالحها ومواطنيها، وقد حصلت متغيرات إقليمية ودولية. وهذه الناحية الثالثة، مثل صعود دول، الصين وروسيا والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا أمثلة، ونهوض طبقات وسطى متطلبة في دول عديدة، ناهيك عما وفرته التقنية من إمكانات لمعرفة ما يدور في العالم من أحداث وتجاوزات للقانون الدولي والإنساني والاعتداء على حقوق الإنسان، متغيرات استدعت إجراء تغييرات في طرق التعاطي معها والوسائل المعتمدة لمواجهتها، وهذه، بالإضافة إلى أن الإمكانات الأميركية، على ضخامتها، لم تعد تتناسب مع التطورات الهائلة في النظام الدولي، ومع تضخم المصالح القومية الأميركية، فرضت اعتماد الدبلوماسية والتحالفات الدولية والعقوبات الاقتصادية.
وقد حدّدت وثيقة "استراتيجية الأمن القومي – 6/2/2015" أولويات السياسة الخارجيّة الأميركية، وفق الترتيب التالي:
1- دفع إعادة التوازن في آسيا والباسيفيك إلى الأمام.
2- التأكيد على العلاقات مع أوروبا وحلف الناتو.
3- السعي لتأمين الاستقرار في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
4- العلاقات داخل القارة الأميركية.

وربطت الترتيب بمعطيات راهنة، حيث أبرزت أن نصف معدلات النمو في السنوات الخمس المقبلة ستأتي من آسيا، يُساق هذا الرقم، هنا، لتأكيد الأهميّة الاستراتيجية للصين وللمنطقة المحيطة بها، وصنفت الدول المؤثرة في آسيا وفق مصالح الولايات المتحدة، فتحدثت عن إمكانات الهند، وصعود الصين، وعدوان روسيا. وكان واضحا أن كلامها عن الهند إيجابي، وقد رشحتها الوثيقة للتعاون وتعزيز الشراكة معها. وأن كلامها عن الصين ينطوي على معانٍ إيجابية وسلبية، لأنها، بنظر الإدارة، حالة مركبة تقتضي الاحتواء والموازنة والضغط والتعاون والتنافس، أما روسيا فكررت وصفها بـ "العدوانيّة"، كانت في وثيقة 2010 مدعوة للتعاون والحث على المشاركة في حل المشكلات الدولية، وهذا سيجعلها هدفا لهجوم سياسي.

وليس هذا التقويم لأهمية آسيا والتعاطي مع توازن القوى فيها جديداً، فقد دفع النمو الاقتصادي والمنافسة الرأسمالية إلى تشكيل تكتلات إقليمية لتعظيم الفرص والمكاسب، فتشكل "التجمع الاقتصادي الباسيفيكي" الذي ضم اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا ونيوزيلاندا ودول مجموعة الآسيان الست، وتصاعد الحديث عن "قرن الباسيفيكي" تعبيراً عن هذا التحول التاريخي في الاقتصاد العالمي، وقد زاد في أهمية المنطقة، وخطورتها كذلك، صعود الصين إلى مرتبة الاقتصاد الثاني عالمياً، وتوقع تقديرات كثيرة أن تصبح الأولى خلال عقود قليلة مقبلة، من جهة. ومن جهة ثانية، تحركها للعب دور سياسي يتناسب مع حجمها الاقتصادي عبر تمديد حدود مياهها الإقليمية، وبسط سيطرتها على جزر متنازع عليها في بحر الصين الجنوبي مع عدد من دول الإقليم (الفلبين، فيتنام، إندونيسيا)، ناهيك عن احتكاكها مع اليابان حول جزر متنازع عليها بينهما، يقدر أنها تحتوي على مخزون كبير من النفط والغاز، وعلى المجال الجوي، وإنشاء بنك آسيا الاستثماري. لذا، أعطي الإقليم موقعاً رئيساً في الاستراتيجية الأميركية، وفي التحرك لإعادة التوازن فيه، تنفيذا لمبدأ كان الرئيس الأميركي، جيمي كارتر، قد طرحه في أثناء ولايته، مفاده "استعادة ميزان القوى الإقليمي في أي إقليم من الأقاليم لصالح المصالح الأميركية".

احتل الشرق الأوسط المركز الثالث في الوثيقة، وحددت الإدارة ما تريده فيه "التفاوض مع إيران، لإنهاء طموحها العسكري في المجال النووي، وحلِّ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، على أساس أمن إسرائيل ودولة فلسطينيّة قابلة للحياة"، والتحرك لإدارة الفوضى السائدة فيه، في ضوء انتشار الجماعات الإرهابية، واتساع ظاهرة الإرهاب، وانكشاف ضعف الدولة فيه، عبر تأجيل التحول نحو آسيا وإقامة شراكات جديدة، من دون التخلي عن الشراكات القديمة، تساهم في هذه الإدارة.

هنا، يمكن أن نقول إن التوجسات والمخاوف الخليجية التي أثارتها المفاوضات الأميركية الإيرانية، والتوجه الأميركي إلى التحول إلى الشرق، للرد على أخطار وتهديدات لمصالحها في آسيا، وليدة سياساتها التي تجاهلت التغيرات المحلية والإقليمية والدولية، وبقيت عند موقفها القديم، من دون اعتبار لما يتم من تحولات وتطورات صاعقة على كل المستويات السياسية والاقتصادية والعسكرية، فقد تجمد موقفها عند الاتفاق الذي تم بين الرئيس الأميركي روزفلت والملك السعودي عبد العزيز على ظهر المدمرة كوينسي يوم 14/2/1945، القائم على مقايضة النفط بالحماية، مع إضافات جانبية، مثل إقامة قواعد عسكرية في هذه الدول، لزوم الحماية، وعقد صفقات تسليح ضخمة لإرضاء الحلفاء، لكي يستمروا في لعب دور الحامي. وقد جاءت استجاباتها للتغيرات والمواقف غير المناسبة عاطفية، أكثر منها عملية، أساسها الشكوى والتبرّم من تخلي الولايات المتحدة عن حلفائها، وتجاهلها مصالحهم الحيوية. كانت المصلحة الوطنية تستدعي موقفا وعملا مختلفين، يرتكزان على تطوير القدرات الذاتية، نُذكّر، هنا، بما حصل لقوة درع الجزيرة التي شُكلت ثم جُمدت، حُلت عمليا وإن بقيت على الورق، وتبني خيار استراتيجي عربي، وإقامة بنية عسكرية وأمنية عربية، لا الهروب من الاستحقاقات القومية، والانعزال عن المجال العربي، والسعي خلف مصير خاص ومنفصل، يعتمد الاحتماء بغطاء خارجي، له حساباته وتصوراته ومصالحه التي قد لا تتفق مع المصالح الوطنية على الدوام. كان عليها أن تقرأ التطورات بذهن منطقي وعملي، وتقارن مواقفها وتجربتها بما يحدث في العالم، على صعيد تغير المواقف والاستراتيجيات، بحيث تضمن أمنها ومصالحها الوطنية، بتعزيز الإمكانات الذاتية أولاً، وبالعمق العربي والإسلامي ثانياً، فأمامها تجارب ألمانيا واليابان اللتين عقدتا اتفاقات أمنية مع الولايات المتحدة في ظروف هزيمة عسكرية ماحقة، لكنهما لم تتركا فرصة لتطوير قدراتهما العسكرية من جهة، والعمل للخروج من تحت اتفاق مذل يحرمهما من امتلاك قدرات عسكرية من جهة أخرى، حتى بلغتا مرحلة، طالبتا فيها بمقعد دائم العضوية في مجلس الأمن الدولي.

تحركت دول الاتحاد الأوروبي، والتي ترتبط بمعاهدة دفاعية مع الولايات المتحدة في إطار حلف الناتو، لتقليص اعتمادها على القوة الأميركية بالدعوة إلى إنشاء قوة أوروبية موحدة. كان المطلوب من دول الخليج الكف عن توسل الخارج، لتوفير الحماية، باعتماد قاعدة "السياسة فن تغيير توازن القوى"، مع الأخذ بالاعتبار طبيعة التحالف مع الولايات المتحدة وحدوده وآفاقه، وارتباطه بمحددات المصالح الأميركية، أولا وأخيرا، فهي تعرف، من تجربة التحالف الطويلة، كيف عملت الإدارات الأميركية على ربط مستوى التحالف بحماية إسرائيل والحفاظ على تفوقها، وكيف منعتها من دعم المعارضة السورية، لمساعدتها على إسقاط النظام السوري التابع لإيران، على الرغم مما فعله في البلاد والعباد من قتل وتدمير، فذلك يعد جزءاً من رد على التغوّل الإيراني في العراق ولبنان واليمن، وعلى الدور الذي تلعبه المليشيات الشيعية، بتحريض ودعم إيرانيين، في هذه الدول، من تمزيق للنسيج الوطني، وتوتير للعلاقات بين أبناء المذاهب، وهي قادرة على استثمار اللحظة السياسية التي تمثلها إدارة الرئيس الأميركي، باراك أوباما، القائمة على "أن استقراراً طويل الأمد في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يتطلب أكثر من استخدام وجود القوات العسكرية الأميركية، كما يتطلب شركاء قادرين على الدفاع عن أنفسهم. ولهذا السبب، علينا أن نستثمر في قدرات إسرائيل والأردن وشركائنا في الخليج، لقطع دابر أي عدوان عليهم"، وفق ما جاء في وثيقة "استراتيجية الأمن القومي 2015".

على دول الخليج، والدول العربية الأخرى، استثمار اللحظة السياسية، وتأسيس بنى أمنية وعسكرية، والمضي في تشكيل القوة العربية الموحدة، لإحداث توازن مع الخصوم القائمين والمحتملين، وعدم الاكتفاء بعقد صفقات تسلح، ولو جاءت أكثر شمولية، وتدريبات روتينية، على أن تدرك أن تحصين وضعها يستدعي الاعتراف بقصور سياساتها الداخلية، ومعالجة ما فيها من نقاط ضعف، سمحت لإيران وغيرها باستثمارها لاختراق المجال الوطني، واللعب باستقرار البلاد وأمنها، والعمل على استتباع قطاعات مذهبية واجتماعية فيه، سياسيا وعسكريا وأمنيا. فخلق دول حديثة تساوي بين جميع مواطنيها في الحقوق والواجبات، بحيث تكرس ثقافة أساسها الولاء للوطن، ضرورة لمواجهة التحديات واحتواء الأخطار القائمة والمحتملة.

تعليقات