الأردن... حسابات السرايا والقرايا

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

20/3/2016
العربي الجديد

ثمّة تداعيات مباشرة وغير مباشرة على قرار الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، سحب نسبة كبيرة من القطاعات العسكرية من سورية. وعلى الرغم من خطاب بوتين الذي أكّد استمرار دعمه عسكرياً الأسد، إلاّ أنّ الزخم الذي أحدثه التدخل الروسي سابقاً، وأدى إلى قلب الموازين العسكرية توقف، ما يعطي للمعارضة وقتاً لالتقاط الأنفاس، والقدرة على استعادة المبادرة العسكرية.

كان الموقف الأردني من التدخل الروسي على قدر من التركيب والتعقيد، ومرّ بمراحل متعددة. ففي البداية، لم يشارك الأردن حليفه العربي الأكبر، السعودية، في إدانة هذا التدخل العسكري، بل كانت الدوائر المغلقة من القرار في عمان ترحب بالدور الروسي، بناءً على خمس فرضيات:
الأولى أن هنالك تخلياً أميركياً غير مباشر عن سورية، وربما عن المنطقة، ولا بد من وجود قوى عظمى تدفع الملف السوري خطوات إلى الأمام، وتملأ الفراغ في الاستراتيجية الدولية المؤثرة.
الثانية حتى لو بدا تدخل الروس لصالح النظام السوري حالياً، فإن الروس، في نهاية المطاف، سيذهبون نحو أفق سياسي، حتى لا تتحوّل سورية إلى ورطة عسكرية.
الثالثة؛ سيحد التدخل الروسي من النزعة الطائفية التي اجتاحت سورية بسبب الدور الإيراني، ودور حزب الله، ما كان يدفع إلى تفجير المنطقة طائفياً في سياق الأزمة مع السعودية.
الرابعة، أن الروس وحدهم القادرون على إزاحة الأسد، سياسياً، وإعطاء ضمانات للعلويين والأقليات في المرحلة الانتقالية السياسية، ما يشجع العلويين على الخروج من خندق الشعور بأن مصيرهم مرتبط بالأسد.
الخامسة أن الروس يشاركون الأردن ما يعتقد أنها أهمية استراتيجية وأولوية رئيسة، وتتمثل في قتال داعش جبهة النصرة.

في ظل هذه الحسابات، أعاد الأردن تموضعه بهدوء، ووصل الملك عبدالله الثاني الذي تربطه ببوتين علاقة صداقة قوية إلى تفاهمات مع الأخير حول وضع المناطق الجنوبية في سورية التي كانت تحت الرعاية الأردنية، بصورة غير رسمية، وهو ما أطلقنا عليه في الإعلام "اتفاق جنتلمان"، وكان يقضي بالالتزام بوقف إطلاق نار في الجنوب، وبالحفاظ على الوضع القائم، وبتوقف الأردن عن دعم المعارضة المسلحة المعتدلة (الجبهة الجنوبية) بالسلاح والعتاد النوعي. وفعلاً حدث ذلك بالتزامن مع الانقلاب في المقاربة الأوروبية تجاه سورية، وإغلاق الغرفة العسكرية في الأردن (اختصاراً الموك). إلاّ أنّ حسابات السرايا لم تتطابق مع حسابات القرايا، فالروس لم يوفوا بالتزاماتهم، وقام الجيش السوري مدعوماً منهم، ومن إيران، باحتلال قرية شيخ مسكين الاستراتيجية، وتعزيز وجوده في درعا البلد، وبدت هنالك أخطار كبيرة محتملة على الأمن الوطني الأردني، وشعر المسؤولون الأردنيون بمرارة شديدة، إن لم نقل بخيانة الاتفاق. ووجدوا أنفسهم أمام موقف صعب، فدرعا أصبحت تعتبر جزءاً من الأمن الوطني الأردني، لأسباب استراتيجية، والمقاربة الدولية تغيرت. وهنا غير مطروح الدخول في نزاع عسكري مع المحور الروسي، فأعاد الأردن تحديد الخط الأحمر السابق الذي كان يشمل درعا كاملةً، واختزاله في شريط حدودي بمسافة خمسة كيلومترات، حذر الروس من الاقتراب منه، وإلاّ سيضطر الأردن إلى تغيير مقاربته، والاقتراب من النموذج التركي.

"كفى الله المؤمنين القتال" مع الموقف الروسي الجديد، وتطبيق وقف إطلاق النار حالياً، لكن ذلك بالضرورة مؤقت، مع شعور الأردن بقلق شديد من تكرار سيناريو ما حدث في حلب على درعا، ما كان يعني عشرات الآلاف من اللاجئين، وحالة فوضى على الحدود، وتفكّك الجبهة الجنوبية الموالية لعمان، واحتمال إيجاد موضع قدم لداعش، وتقوية نفوذ النصرة. لكن ذلك كله على المدى القصير، ما يضع صانع القرار الأردني في حالة ترقبٍ حقيقية لما سيحدث من تغيرات في موازين القوى على الأرض، ولحالة محافظة درعا من زاويةٍ ثانية، ومواقف القوى الإقليمية ثالثاً، وخصوصاً حليف الأردن السعودي، والمواقف الدولية رابعاً.
لذلك، نقول إن الحسابات الأردنية في سورية، وتحديداً في درعا، مركبة ومعقدة، وتنقسم بين مصالح استراتيجية ثابتة ومواقف تكتيكية متحركة بصورة مستمرة. 

تعليقات