الاتفاق النووي الإيراني والمسألة السورية

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

26/7/2015
العربي الجديد
المؤلف: 

بعد اثني عشر عاماً من المفاوضات العلنية والسرية بين إيران والقوى الدولية الكبرى، وصلت الأمور إلى خواتيمها منتصف يوليو/تموز الجاري، بالإعلان عن التوصل إلى اتفاق نهائي في فيينا، حول البرنامج النووي الإيراني. وكانت مسيرة المفاوضات بدأت عام 2003، بعد افتضاح أمر النشاط النووي السري لإيران، واقتصرت حينها على القوى الأوروبية الكبرى الثلاث (فرنسا - بريطانيا وألمانيا) ثم تحولت إلى 3+3، بعد أن انضمت إليها روسيا والصين والولايات المتحدة عام 2006، ليصبح اسمها منذ ذلك الوقت 5+1 (أي القوى الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن زائد ألمانيا). 

معركة النظام حسمت 
وبتوقيع الاتفاق، تكون إيران قد حققت الهدف الرئيس من جعل برنامجها النووي القضية التفاوضية الرئيسة، وتكاد تكون الوحيدة مع دول الغرب الكبرى، خلال العقد الذي تلا غزو العراق واحتلاله، إذ لم يكن البرنامج النووي إلا وسيلة إيران لاستدراج الغرب للاعتراف بنظامها ونفوذها الإقليمي. الاعتراف بالنظام حصل من خلال الاتفاق الذي يتم بموجبه رفع كل العقوبات التي فرضها مجلس الأمن على إيران، في مقابل وفائها بتعهداتها الحد من أنشطتها النووية، والتخلي عن سعيها إلى امتلاك سلاح نووي. 

بعد أن حُسمت معركة الشرعية، وكسبت الاعتراف ببقاء نظامها واستمراره، تغدو إيران الآن أمام معركة لا تقل شراسة وخطورة، وهي المعركة حول نفوذها الإقليمي وطموحها الإمبراطوري، والذي يشمل الهلال الخصيب (العراق وسورية وصولاً إلى لبنان). أما اليمن، على أهمية موقعه الجيوسياسي، فلا يعدو كونه أداة ضغط على السعودية، أكثر من كونه مصلحة استراتيجية إيرانية، فضلاً عن أن نفوذ إيران فيه محدود، فالحوثيون، بمعزل عن تحالفهم مع الرئيس السابق علي عبد الله صالح وقوات الجيش التابعة له، لا يمثلون وزناً كبيراً في معادلات القوى اليمنية، القبلية منها أو المذهبية. 

وكما تطلب الأمر الرضوخ لشروط تفكيك الجوانب العسكرية في برنامجها النووي، للحصول على اعتراف غربي بنظامها، ومنع تعرضه لضربات عسكرية قد تطيحه، يترتب على إيران أن تحزم أمرها فيما يتعلق بمعركة نفوذها الإقليمي، وأن تقرر فيما إذا كانت ستكف عن التطلع إلى ما وراء حدودها وتنحو تجاه التحول إلى دولة طبيعية، تهتم بتنمية مجتمعها، وتحسين مستوى معيشة مواطنيها، أم أنها ستستمر في الإنفاق على تنمية دور المليشيات في دول الإقليم، وتحويلها إلى أدوات للهيمنة وأذرع لتعظيم النفوذ، وزرع الفوضى والخراب عبر المنطقة. 

معركة النفوذ مستمرة 
بفضل التدخل العسكري الأميركي في كل من أفغانستان والعراق، وإطاحة نظامي طالبان (2001) وصدام حسين (2003)، اقتربت طهران من تحقيق حلمها الإمبراطوري في إقامة قوس نفوذ، يمتد من جبال "هندوكوش" شمال غرب باكستان وحتى شاطئ البحر المتوسط. وقد سمح هذا التحول الاستراتيجي الأكبر في تاريخ المنطقة، منذ سقوط الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، لإيران بإزالة اثنين من أشرس خصومها الإقليميين، خصوصاً العراق الذي طالما شكل العقبة الأكبر في وجه تصدير الثورة الإيرانية إلى الإقليم، والعائق الذي يمنعها من التواصل جغرافياً مع حلفائها في سورية ولبنان. لكن التمدد الإيراني، يجب أن نتذكّر دائماً، لم يحصل بموارد إيران وقدراتها الذاتية، بل بفعل عامل خارجي هو التدخل العسكري الأميركي الذي تمكنت إيران من استثماره وتحويله إلى رصيد نفوذ خاص بها، والدليل أن النفوذ الإيراني في المنطقة العربية أخذ يتعرض لتآكل شديد، بمجرد خروج الأميركيين من العراق. 

وتجب ملاحظة أن إنقاذ النفوذ الإيراني في المنطقة لم يكن ممكناً بعد سقوط الموصل في يونيو/حزيران 2014، لولا أن عاد الأميركيون للتدخل عسكرياً ضد خصم آخر لإيران، وهو تنظيم الدولة الإسلامية هذه المرة. هذا لا يعني قطعاً أن واشنطن تعمل في خدمة المصالح الإيرانية، أو أنها تؤدي دور سلاح الجو للقوات التابعة لإيران على امتداد الهلال الخصيب، بل هو تقاطع مصالح جديد، تحاول إيران، مرة أخرى، توظيفه للحفاظ على المكتسبات التي حققتها لها الماكينة العسكرية الأميركية في المرة الأولى قبل عقد، لأنه عندها يمكن أن يصح القول أيضاً إن القوات التابعة لإيران تعمل كسلاح بر، أو مقاول على الأرض للقوات الجوية الأميركية التي تستهدف القضاء على تنظيم الدولة الذي تعده الولايات المتحدة، اليوم، التهديد الأكبر لمصالحها في الشرق الأوسط. من المهم التأكيد على هذه الحقائق، لأن كل المؤشرات تدل على أن إيران التي استغرقتها معركة كسب الشرعية لنظامها أكثر من ثلاثة عقود، قد تستغرقها المعركة حول دورها الإقليمي عقودا أخرى عديدة قادمة، وهي قد لا تخسرها، لكنها بالتأكيد لن تربحها، حتى في ظل تلاقي كبير في المصالح مع واشنطن. 

كيف يؤثر الاتفاق النووي في المسألة السورية؟ 
منذ خروج الأميركان من العراق واندلاع الثورة السورية عام 2011، وإيران تخوض معركة شرسة للدفاع عن نفوذها الإقليمي الذي تتجاوز أهميته بكثير برنامجها النووي. فالسلاح النووي أداة تسعى الدول إلى امتلاكه لتحقيق غاية تعظيم النفوذ والتأثير في مجالها الحيوي. ويبدو، أن هناك تسليماً دولياً وإقليمياً بقدرة إيران على الاحتفاظ بنفوذها وتأثيرها في العراق، أو على الأقل في وسطه وجنوبه، فإن معظم التركيز يجري على سورية، حيث تدور المعركة الفاصلة التي سترسم ملامح الدور الإيراني وحدوده على امتداد الإقليم في الفترة المقبلة. 

وتبرز هنا وجهتا نظر حول تأثير توقيع اتفاق نووي بين إيران والقوى الكبرى على السياسات والمواقف الإيرانية من الصراع على سورية. ترى وجهة النظر الأولى أن إيران، وبعد أن انتزعت اعترافاً غربياً، أميركياً تحديداً، بشرعية نظامها، واطمأنت إلى أن واشنطن كفت عن محاولات زعزعته في الحد الأدنى، وإطاحته في الحد الأقصى، سوف تتبنى مقاربات أقل عدوانية في علاقاتها الخارجية، وخصوصاً في الموضوع السوري. وقد خفف هذا الاتفاق الذي أبعد عن إيران شبح التدخل العسكري ضد منشآتها النووية، إلى الحد الأدنى، من التهديدات والمخاطر التي تواجهها، كما أن تأهيل إيران وإعادة دمجها في المنظومة الدولية، بعد عقود من العزلة والنبذ والحصار، سوف يدفعها نحو سلوك أكثر "مدنية"، والجنوح نحو حلول وسطية ومقاربات سياسية، بدل المواجهات العسكرية لتحقيق أهداف السياسة الخارجية، وسيظهر هذا التحول أول ما يظهر في سورية. 

كما أن اختفاء صورة "الشيطان الأكبر"، وتحوله إلى "الأخ الأكبر"، سوف يوقظ المواطن الإيراني البسيط، الذي أنهكه النظام بمعارك، بعضها حقيقي، وأكثرها متخيل، مع خارج يضمر له الشر والعداء، على قضايا تخص معيشته وتنميته وحريته، وهي جميعاً قضايا غيبها ضجيج المعارك الكبرى مع الخارج. هذا يعني أن ضغطاً داخلياً كبيراً سوف يتولد من رحم الاتفاق النووي للانكفاء إلى الداخل وإطلاق عملية إعادة البناء. هذا الأمر سوف يعزز مواقع "الإصلاحيين" الذين يرفعون شعار "إيران أولاً"، ويدعون إلى الكف عن إنفاق أموال دافع الضرائب الإيراني على مغامرات خارجية دمرت الإقليم، من دون أن تأتي على إيران بنفع كبير. باختصار، يرى أصحاب هذا الرأي أن اطمئنان النظام الإيراني إلى بقائه يعزز من فرص تبني مقاربات أقل توتراً في السياسة الخارجية، ويضعف مواقف غلاة المتطرفين داخل مؤسسة الحكم الإيرانية، ما يعني مرونة أكبر على الساحة السورية، وتوجه نحو حل سياسي، يمكن أن يظهر على شكل مبادرة أو انفتاح على بعض مطالب المعارضة السورية، أو قبول ببيان جنيف أساساً لعملية التسوية. 

على النقيض من ذلك، ترى وجهة النظر الأخرى أن إيران، وبعد أن انتزعت اعترافاً دولياً كاملاً بشرعية نظامها من خلال الاتفاق النووي الذي سيتحول إلى وثيقة قانونية دولية، ممهورة بختم مجلس الأمن، سوف تتفرغ، الآن، لمعركة نفوذها الإقليمي، وهي سوف تتشدد أكثر في هذا الاتجاه، باعتبار أنها حققت نجاحات ملحوظة في أوقات الحصار والعزلة، فما بالك الآن وقد توفرت لها إمكانات أكبر، بعد رفع العقوبات وعودة الأموال المجمدة، واستئناف تصدير النفط، وفوق ذلك تنامي تقاطعات المصالح بينها وبين واشنطن في أكثر من قضية إقليمية، وفي مقدمتها الحرب على تنظيم الدولة. 
فضلاً عن ذلك، سوف يسعى الجناح المتشدد في الإدارة الإيرانية إلى الاستفادة من ظروف الاتفاق النووي، لتعزيز مواقعه داخل أجهزة الحكم، وفرض مقاربته، خصوصاً في السياستين الأمنية والخارجية، وهو يحاول من الآن أن ينسب الفضل لنفسه في "إرغام قوى الاستكبار العالمي" على الاعتراف "بحقوق إيران النووية"، ويزعم أنه لولا إرادة الصمود لديه، لما أمكن التوصل إلى اتفاق يحفظ النظام، ويعترف بشرعيته ويحقق استمراره. وعليه، سوف يشعر هذا الجناح بفائض قوة، وسوف ينعكس ذلك مزيداً من التشدد على امتداد الإقليم. ويرى هذا الجناح أيضاً ضرورة استغلال ما يجدها لحظة ضعف وارتباك في المعسكر الذي تقوده السعودية، نتيجة "خسارتها" معركة منع التوصل إلى اتفاق نووي مع القوى الكبرى، ويرى هذا الجناح أن حصول افتراق نسبي في المصالح بين الرياض وواشنطن سوف يزيد هذا المعسكر ضعفاً، وأن هذا ليس وقت التراجع أو المهادنة، بل المضي في معركة حسم المعركة لصالح إيران، خصوصاً في سورية. 

لا شك أن هناك اختلافاً كبيراً في مواقف النخب الإيرانية الحاكمة، كما في أي نظام آخر، من المسائل المتصلة بالسياسة الخارجية، كما في غيرها، وهذا الاختلاف مرشح لأن يتحول إلى انقسام عميق خلال الفترة المقبلة، عندما يطفو مزيد من التناقضات على السطح، مع دخول النظام في حالة "استرخاء" سياسي وأمني، بعد الاطمئنان إلى بقائه، لكن جعل مصير المنطقة عموماً، والصراع في سورية خصوصاً، وكأنه شأن يتقرر حصراً في طهران، واعتماداً على موازين القوى بين أجنحة النظام الإيراني المختلفة، ووفق المزاج (Mood) الذي ستدخل فيه إيران في المرحلة المقبلة، كما تجادل وجهتا النظر سالفتا الذكر، هي مقاربة غير دقيقة وغير واقعية. إذ تتجاهل هذه المقاربة وجود قوى أخرى، ذات أهمية كبرى في معادلات الصراع في المنطقة، وسيكون لها تأثير في نتائج الصراع، يعادل وزنها (تركيا والسعودية خصوصاً)، وهي لن تملك، لأسباب متصلة ببنية النظام الإقليمي وتداخل المصالح فيه بنوع من التفرد الإيراني في قرار الصراع على سورية. هذا يقود إلى القول إن موازين القوى على الأرض في سورية وعموم المنطقة هي من سيحدد مزاج النخب الإيرانية الحاكمة وموازين القوى بينها، وليس العكس. هذا ما حصل في معركة البرنامج النووي، عندما أسهمت العقوبات وما ترتب عليها من آثار في إضعاف الجناح المتشدد داخل النظام والدفع باتجاه مقاربة أكثر واقعية في المفاوضات، أدت، في نهاية المطاف، إلى تقديم تنازلات لم تكن واردة في ظروف مختلفة، خصوصاً ما يتعلق منها بالقبول بالتفتيش الدولي على المنشآت العسكرية الإيرانية المتصلة بالبرنامج النووي. 

باختصار، المقاربتان السابقتان تدفعان إلى الاستسلام لفكرة أن مصير المنطقة، بعد الاتفاق النووي، قد غدا بيد النخب الحاكمة في طهران، تقرره وفق رؤاها، وحسب علاقات القوة بينها، في حين أن الواقع يقول إن الدور الإيراني في المنطقة سوف يتقرر على الأرض، وليس في أي مكان آخر، ووفق التوازنات الإقليمية وسياسات الأطراف الدولية الكبرى أيضاً. وإذا كان للسياسة الإيرانية أن تتغير في سورية وعموم المنطقة فهي ستتغير فقط، انطلاقاً من هذه الحقيقة، وعلى يد مقاومة محلية، قد تكون صغيرة لجهة الحجم، إنما فعالة لجهة التأثير في معادلات القوة والصراع، علماً أنه سيكون مفيداً، إذا أمكن، تحويل الصراع بين نخب الحكم الإيرانية إلى جزء من المعركة الدائرة على مستقبل الإقليم ومصيره. والأفضل أن يتم تحويل الشعب الإيراني، الطامح هو الآخر إلى الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية، إلى جزء من المعركة التي تخوضها شعوب المنطقة ضد القمع والفساد والاستبداد الذي ليس له دين أو مذهب أو قومية.

 

تعليقات