الاستثناء السوري: بين الحداثة والمقاومة

(خاص السورية. نت 23/ 01/ 2015)

نشرت كارولين دوناتي سنة 2009 كتاباً تحت عنوان: ”الاستثناء السوري، بين الحداثة والمقاومة“، صدر في باريس عن دار لاديكوفارت للنشر في 255 ص. وقد أصدرت دار نجيب الريس ترجمة له بتوقيع لما العزب سنة 2012 (562 ص). والمقاومة في العنوان هنا ليست مقاومة العدو بل هي بمعنى مقاومة التحديث ومقاومة رياح التغيير والديمقراطية.
دوناتي صحفية فرنسية، خريجة معهد الصحافة والعلوم السياسية. عملت مراسلة لصحف فرنسية في بيروت (1996-2000) ثم مقدمة برنامج سياسي حول المنطقة العربية لصالح راديو الشرق (2002-2004). وقد زارت سوريا وعاشت فيها.

الاستثناء السوري، بين الحداثة والمقاومة

 

كارولين دوناتي

لاديكوفارت، باريس، 2009، 255 صفحة

قامت دوناتي بعمل تحقيقات ميدانية واسعة في طول البلاد وعرضها. واستطاعت أن تحلل تطورات ”نظام الأسد“ منذ بداياته في سبعينيات القرن الماضي، وكذلك تطور المجتمع من حوله. تحدثت عن التحديات العديدة التي واجهتها سوريا على مر السنين: الحراكات الشعبية منذ بداية حكم حافظ، الصحوة الإسلامية [على حد تعبيرها]، المسألة الكردية ومحاولات الانفصال الكردية، التداعيات الاجتماعية والسياسية للانفتاح الاقتصادي، علاوة على التغيرات الجيوسياسية في المنطقة بعد غزو العراق وخروج الجيش السوري من لبنان. تقول دوناتي: ”سوريا بلد غامض، إنها ثقب أسود في العلاقات الدولية. فيه تتجمع كل الخيوط، إنما لا ندري أين تذهب أو كيف ستخرج منه؟ ومعلوماتنا عن النظام الذي يحكم هذا البلد ضعيفة جداً مع أنه في قلب الحدث المشرقي. لا نعرف عنه سوى قدرته الاستثنائية في بقاءه على قيد الحياة والاستمرار في كل الظروف“.

"سوريا بلد غامض، إنها ثقب أسود في العلاقات الدولية. فيه تتجمع كل الخيوط، إنما لا ندري أين تذهب أو كيف ستخرج منه؟ ومعلوماتنا عن النظام الذي يحكم هذا البلد ضعيفة جداً مع أنه في قلب الحدث المشرقي. لا نعرف عنه سوى قدرته الاستثنائية في بقاءه على  قيد الحياة والاستمرار في كل الظروف". دوناتي

تعود دوناتي في كتابها إلى تاريخ سوريا الحديث منذ سقوط الإمبراطورية العثمانية حتى استيلاء البعث على السلطة مروراً بالمرحلة الديمقراطية (الخمسينيات). ثم تتطرق بالدرس والتحليل لكل التقلبات الداخلية والمتغيرات الإقليمية التي مرت بها ”سوريا الأسد“؛ فأربعة عقود من الحكم المطلق كافية لأن تجعل العالم لا يرى ولا يعرف سوريا إلا من خلال ”الأسد“ سواء الأب أو الابن؛ وقد فعلت ذلك بموضوعية وأسلوب سهل وواضح دون الوقوع في شرك تسويق نجاحات الأسد في تجاوز كل الصعاب واللعب مع كافة الأطراف كما فعل بعض ممن كتب عن الشأن السوري دون الاهتمام بالثمن المدفوع داخلياً.

لقد أسس حافظ الأسد حكماً ديكتاتورياً متمحوراً حول شخصه: ”كان يمسك بكل شيء ويتحكم بكل شيء“. وكان اعتماده في ذلك على ثلاث قواعد: حزب البعث الذي لم يكن سوى غطاء إيديولوجي دون أية سلطة فعلية في صنع القرار، والجيش رغم أنه يتكون في غالبيته من السنة، ثم الطائفة العلوية التي كانت الجدار الحامي والكتيم الذي بناه حوله؛ تلك الدائرة المقربة من الرئيس التي ”تغربل الأوامر“ الصادرة على جميع الأصعدة وكافة المستويات.

"كان حافظ الأسد يمسك بكل شيء ويتحكم بكل شيء. وكان اعتماده في ذلك على ثلاث قواعد: حزب البعث الذي لم يكن سوى غطاء إيديولوجي دون أية سلطة فعلية في صنع القرار، والجيش رغم أنه يتكون في غالبيته من السنة، ثم الطائفة العلوية التي كانت الجدار الحامي والكتيم الذي بناه حوله؛ تلك الدائرة المقربة من الرئيس التي ”تغربل الأوامر“ الصادرة على جميع الأصعدة وكافة المستويات".

إحدى أهم مميزات هذا الكتاب هو أن مؤلفته الصحفية دوناتي حاولت قراءة الواقع السوري بعيداً عن الأسد ونظامه وغطائه البعثي، وأن توسع من دائرة الضوء التي غالباً ما تتناول المجتمع الدمشقي كشريك دائم وحتمي يطمح للعب دور في شؤون الشرق المعقدة؛ فتناولت بالتحليل الجريء العلاقة بين نظام أثبت مرونته وتكيفه مع الظروف الداخلية والخارجية المتماوجة وبين مجتمع سوري ذي أغلبية صامتة.

نعم، الشأن الداخلي، أي الناس أو الجماهير كما يحلو للحزب أن يسميها في خطاباته الجوفاء. ماذا عنها؟
حللت دوناتي وأظهرت من خلال تحقيقاتها كيف تسبب الانفتاح الاقتصادي الذي بدأه حافظ وشجعه بشار الأسد في إضعاف التوازن الداخلي أكثر وأكثر، وكيف أنه لم يكن سوى قناع جديد بصيغة ليبرالية هذه المرة ملمّعة للضحك على الناس، وكيف شكلت سياسات بشار الإدارية والمصرفية والزراعية الخاطئة والاستمرار في التوزيع المجحف للثروات الوطنية والمُجير كليةً للنظام وأزلامه إلى ازدياد الاستياء الشعبي لا سيما في الأرياف البعيدة وتعميق الانتماءات الطائفية ثم ظهور الحركات السنية والكردية علاوة على النعرات القبلية. وكيف استمرت السلطة في قمع تطلعات المثقفين والحركات الإسلامية والشبابية.

الانفتاح الاقتصادي، في عهد الأسدين الأب والابن، لم يكن سوى قناع جديد بصيغة ليبرالية ملمعة للضحك على الناس.

وكانت المنظمة الدولية لحقوق الإنسان قد وصفت سنة 2010 العقد الأول من حكم بشار بالكلمات التالية :”إنها عشر سنوات ضائعة في اللاشيء“؛ إذ لم يأت طبيب العيون بأي جديد على أبيه، ولم تكن سنوات حكمه بأفضل من الثلاثين سنة من حكم الأب. فتذكِّر المؤلفة بآلية وصول بشار إلى الرئاسة بعد أبيه وكيف تم تعديل الدستور بتخطيط وتواطؤ من الأجهزة الأمنية ودائرة النفوذ الضيقة الممسكة بالحكم. فما كان لبشار أن يقرر أي شيء أو أن يخرج عن خط أبيه، هذا إن افترضنا فيه النية الحسنة. إذ سرعان ما استعاد الرئيس الشاب الإمساك بزمام الأمور وبدأت من جديد سياسة الإبعاد والتسريح التعسفي ثم الاستقطاب وتشكيل حلقة محيطة من المقربين وإعادة تأكيد دور القائد الأول والمحوري في حكم البلاد. ترى دوناتي أن هذا ”التطور“ غير المتوازن ربما ساهم في نشوء بوادر تحرك شعبي لكنها لا تعتقد أن ذلك سيؤثر على النظام مبررة رأيها بأن هذا الأخير قد نجح بعد ”موت القومية العربية“ في تنشئة جيل من الشباب البعيد عن السياسة (نسبة الولادات في المجتمع السوري من أعلى المستويات عالمياً): ”لقد حصل طلاق حقيقي بين الناس وبين شعارات الحزب من قومية واشتراكية وعلمانية وإن كان لا يزال بوسع بشار أن يسحر بعض الشرائح بهذه الكلمات، وأصبح للناس أولويات أخرى تتمثل في لقمة العيش والحفاظ على مجتمعهم“.

لم يأت طبيب العيون بأي جديد على أبيه، ولم تكن سنوات حكمه بأفضل من الثلاثين سنة من حكم الأب. وسرعان ما استعاد الرئيس الشاب الإمساك بزمام الأمور وبدأت من جديد سياسة الإبعاد والتسريح التعسفي ثم الاستقطاب وتشكيل حلقة محيطة من المقربين وإعادة تأكيد دور القائد الأول والمحوري في حكم البلاد.

نجحت دوناتي في كتابها في توثيق سوريا على كافة الأصعدة. فلم تترك أمراً إلا وتطرقت إليه تاريخياً وجغرافياً وسياسياً ومناطقياً واجتماعياً. وتكلمت عن دهاء حافظ الأسد ونجاح الابن في تسويق سياساته خارجياً تسويقاً جيداً، وعن تقاطع خطوط العلاقات الدولية الإقليمية التي ما فتأت تخدم الاثنين. كما تحدثت عن خوف السوريين من السيناريو العراقي وكيف صدقوا وراهنوا على إصلاحات الرئيس الشاب الذي ”لم يتكلم أبداً عن الديمقراطية في خطاباته، بل عن إصلاحات“ تأتي من فوق؛ أي من الدائرة الضيقة المحيطة به من أبناء طائفته أو السائرين في فلكها. كما تطرقت دوناتي لأمر مهم ومثير للاشمئزاز هو استمرار نظام بشار في استخدام العلمانية واجهة كبيرة لإخفاء عدم شرعية سلطته المستندة إلى الأقلية العلوية؛ وإن كانت هناك بعض المساواة بين الأديان في دوائر الدولة، وكيف أنه لا يزال ينجح في إطراب الغرب بكذبته هذه وتمرير كل ما عداها من جرائم.

استمر نظام بشار في استخدام العلمانية واجهة كبيرة لإخفاء عدم شرعية سلطته المستندة إلى الأقلية العلوية؛ وكيف أنه لا يزال ينجح في إطراب الغرب بكذبته هذه وتمرير كل ما عداها من جرائم.

كان هذا الكلام والتحليلات والاستنتاجات سنة 2009. والكتاب وإن لم يقلها صراحة فإننا نقرأ بين السطور أن البلاد كانت تمور وأن العباد كانت في ضيق شديد وأن نظاماً مثل نظام الأسد الحاكم لا يمكن له –منطقياً- أن يستمر وإن استطاع بطرق شتى البقاء لعقود أربعة. فاليوم نحن نقول إن الحراك الشعبي كان أمراً منطقياً والثورة على نظام الأسد قد جاءت نتيجة طبيعية لتراكمات تلك السنين من حكم قائم على الدجل والكذب والتقية وعلى سياسة العقاب الجماعي وإرهاب الدولة وشعارات ما أنزل الله بها من سلطان ”الأسد إلى الأبد“!

 

إضافة تعليق جديد

Filtered HTML

  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • Freelinking helps you easily create HTML links. Links take the form of [[indicator:target|Title]]. By default (no indicator): Click to view a local node.
  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <img><h2></h1><a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd><h1></h2><i><u></u>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
CAPTCHA
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
12 + 5 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.