التزوير الإيراني: داعش أم الانتخابات؟

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

03/ 05 /2014
دار الحياة
المؤلف: 

إذاً، حركة داعش في العراق وسوريّة، بما تعنيه من تخلّف وتعصّب وعنف واحتراب، مقابل انتخابات ديموقراطيّة في العراق وسوريّة، بما تنطوي عليه من تحضّر وتقبّل للرأي المغاير وتساوق مع العالم المعاصر. فما الذي يفضّله، والحال هذه، الناس والعقل والضمير، وقبل كلّ شيء، ما الذي تفضّله الولايات المتّحدة وباقي الغرب؟

هذا الخيار الزائف هو فحوى التزوير الإيرانيّ الراهن بالتعاضد والتنسيق مع نوري المالكي وبشّار الأسد. والتزوير هذا لا يكتم عمقاً ودلالة طائفيّين مفادهما وضع برنامج شيعيّ – علويّ مزعوم قوامه هذه الانتخابات، مقابل برنامج سنّي مزعوم هو الآخر، قوامه داعش وفظاعاتها.

الأهمّ أنّ التزوير المذكور يراد له إقناع الغربيّين بجديّة إيران، من خلال عامليها السوريّ والعراقيّ، في مكافحة الإرهاب وإشاعة الاستقرار، وبأنّ كلّ مقاومة لخطّتها حيال المشرق العربيّ لا تعدو كونها اسماً حركيّاً للإرهاب السنّيّ. ولئن رُسم بشّار رأس حربة في المعركة على الإرهاب، فقد رَفعت حملة المالكي الانتخابيّة عنوان «معاً نكافح الإرهاب». وبالطبع، وكما الدعايات لأنواع الصابون، يخوض الأسد «أوّل» معركة ديموقراطيّة تعرفها سوريّة في تاريخها الحديث، بينما اقتضى التواضع العراقيّ تخويض المالكي «أوّل» معركة ديموقراطيّة منذ استكمال الانسحاب الأميركيّ من بلاده.

لكنّ هذه الانتخابات، في عمومها، وصفة حرب أهليّة تدمّر ما تبقّى من دول ومن مجتمعات. فهي تدلّ إلى غياب الإرادة الشعبيّة أكثر ممّا تدلّ إلى حضورها، لا سيّما في سوريّة حيث تحول الهجرة والتهجير واستقلال المناطق عن سلطة بشّار إلى وضع أكثر من نصف الكتلة الناخبة خارج الانتخاب. أمّا العراق، حيث تنخفض نسبة الإقبال السنّيّ على الاقتراع، فتتقدّم موضوعة الإرهاب طاردةً مسائل الفساد وتراجع النموّ الاقتصاديّ وقانون تزويج القاصرات ممّا لا يمكن أيَّ انتخاب إلاّ أن يدور حولها. بل يوضع العنف المتعاظم بدلالاته الأهليّة الخطيرة، وهو ما اكتنف الانتخابات، بين هلالين.

بيد أنّ الديكور يبقى حسن الإعداد. فالانتخابات، المقصود بها إسباغ الشرعيّة على أنظمة مطلوب رحيلها، تشهد منافسة بين بشّار الأسد وعشرة مرشّحين لا أسماء لهم. أمّا في العراق، فهدفها إبقاء الحكومة، للمرّة الثالثة، في عهدة المالكي الذي حكم ثماني سنوات لم تكفِ لتحويله صَدّاماً آخر. فإذا لم ينل زعيم «الدعوة» الأغلبيّة المطلقة المطلوبة، وهو لن ينالها، جاز لنا أن نقدّر بذل طهران جهوداً محمومة على سائر حلفائها وأنصاف حلفائها إمّا من أجل تنييله هذه الأغلبيّة، أو، في أسوأ الحالات، من أجل الاحتفاظ بالمالكيّة من دون صاحبها.

وفي هذا الكرنفال كلّه ما يدلّ إلى ما أصيبت به منطقتنا من انحطاط ديموقراطيّ في مقابل الأعراس الديموقراطيّة لباقي العالم. فنحن، بعد تعثّر الثورات العربيّة، لم ننجح في الصعود من طلب الحرّيّة إلى طلب الديموقراطيّة، بل انتكس الطلب الأوّل فأضحى طلباً للفوضى التي يعاد تدويرها في خدمة التفاوض الإيرانيّ. وفي سياق كهذا يصير المضمون الفعليّ للانتخابات توفير شرعيّة مزيّفة للقمع المصحوب بتفتّت البلدين.

لكنْ إذا أمكن آيات الله بيع الانتخابات العراقيّة للغرب، وهذا حاصل بدليل التهاني الأميركيّة، فإنّ تسويق المهزلة السوريّة سيكون مستحيلاً. ومن يدري، فقد تؤدّي الفضيحة السوريّة المكشوفة إلى كشف الفضيحة العراقيّة المستورة نسبيّاً.

ويمضي، في هذه الغضون، السوريّون والعراقيّون، بسنّتهم وشيعتهم وعلويّيهم وسائر أقليّاتهم، في دفع أكلاف الموقع التفاوضيّ لآيات الله، متقلّبين ما بين انتخابات تنجب داعش وداعش تنجب انتخابات كهذه.