التوسّع الإيراني في توظيف ثغرات الاتفاق النووي

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

28/9/2015
السورية نت

في مقال سابق للكاتب تحت عنوان "خرق الاتفاق النووي الأميركي -الإيراني قبل تطبيقه!"، ذكرت أنّه "من الممكن القول واستناداً إلى الخبرة التاريخية بسلوك النظام الإيراني بأنّ الأخير يحاول أن ينشئ قواعد تفسير لبعض مواد الاتفاق لتكون بمثابة مرجع مستقبلي للتفسير حال نشوب أي نزاع....والتأسيس لقواعد اشتباك مستقبليّة".

لم يأت هذا الاستنتاج من فراغ، فتجارب نظام الملالي المتعلّقة بالسياسة الخارجية تقوم بشكل أساسي على مبدأ "الاستغلال والتوظيف". في كثير من الأحيان تفرض الاتفاقات بعض القيود على الجانبين، النظام الإيراني يعكف دوماً على تقويض مثل هذه القيود من خلال سياسة الاختبار المستمر لمدى استجابة الجانب الآخر للدفاع عنها أو التغاضي عن الخروق التي ترتكبها طهران.

يوماً بعد يوم، تثبت هذه المقولات صحتها. منذ الإعلان عن الاتفاق في 14 يوليو 2015 يمكن للمتابع الدقيق للتطورات المتعلقة بهذا الاتفاق لاسيما من خلال تصريحات وتصرفات الجانب الإيراني أن يلاحظ بأنّ الأخير كان قد بدأ بالفعل في فحص مدى استجابة الجانب الأمريكي لتحدّي إيران لبعض القيود المفروضة عليها بموجب الاتفاق. من أبرز المؤشرات التي تعطي دلالة واضحة على هذا الأمر تصريح علي لاريجاني الذي قال في مقابلة مع (ان بي ار) في 8 سبتمبر الحالي بشكل صريح وواضح إنّ "الاتفاق جيّد بما فيه الكفاية لكنّ التفسير الأمريكي له ليس مقبولاً".

المقصود من كلام لاريجاني التفسيرات الخاصة التي تقوم إيران حالياً باعتمادها كمقدّمة لأي خلاف مستقبلي قد ينشأ لاحقاً. المفارقة أنّه وفي كثير من الحالات (إن لم نقل كلها)، تبدو الإشكاليات في التفسير ناجمة إمّا عن غموض أو عن التباس في نص الاتفاق النووي نفسه، وهو الأمر الذي يعتقد البعض (ومنهم الكاتب) أنّه قد وضع في الأصل عمداً من قبل الإدارة الأمريكية كتنازلات لإقناع الإيرانيين بالموافقة على الاتفاق.

حالياً يوجد عدّة مجالات في الاتفاق يبدو من الواضح جدّاً أنّ الجانب الإيراني يركّز عليها لتحدّي أي تفسير أمريكي مستقبلي لها، ومنها:

1) الاتفاق ليس معاهدة: يركّز الجانب الإيراني مؤخراً على أنّ الاتفاق ليس معاهدة أو اتفاقيّة أو بروتوكولاً، والهدف من ذلك على ما يبدو التأكيد على فكرة أنّ التزامات إيران الواردة فيه هي التزامات طوعيّة تقوم إيران بتنفيذها بملء إرادتها. مثل هذا الادعاء مدعوم بحقيقة أنّ نص الاتفاق لا يتضمن في الصفحة الأخيرة توقيع الأطراف الأساسية عليه كما تجري العادة مع المعاهدات والاتفاقيات الدولية، كما أن نصّ الاتفاق يذكر بشكل مباشر كلاماً عن طوعية الالتزامات الإيرانية وبالخط العريض أيضاً.

2) المواقع العسكرية: لا يزال الجانب الإيراني يصرّ على أنّ الاتفاق لا يعطي الحق لأي أحد بتفتيش المواقع العسكرية الإيرانيّة، وحتى تلك المعروفة كمنشأة "بارتشين العسكرية" لن تقوم أي جهة بتفتيشها بل أعطي الحق كما أصبح معلوماً في تفتيشها للجانب الإيراني!. أما بالنسبة للمواقع الأخرى التي قد يشتبه بها مستقبلاً، فالدخول إليها ليس مضموناً أيضاً. هناك آليات تتيح لإيران تأخير عمليات التفتيش وربما عرقلتها أيضاً.

3) الأنشطة المتعلقة بالصواريخ البالستية: يقول الجانب الإيراني إنّه سيواصل نشاطاته في تطوير الصواريخ البالستية لأنّ نص الاتفاق النووي نفسه لا يتضمن أي منع أو قيود على نشاطات إيران الصاروخية، ولأنّ القيود متعلقة بقرار مجلس الأمن رقم 2231 الذي صدر في 20/7/2015 للمصادقة على الاتفاق النووي، وهذا يعني في التفسير الإيراني:

  • أنّ خرق هذا القرار ليس خرقاً لنص الاتفاق نفسه طالما أنّ الأول لم يورد هذا الأمر.
  • أنّ النص الوارد في قرار مجلس الأمن المذكور في الملحق (ب) في الفقرة رقم 3 يقول: "إيران مدعوة إلى عدم القيام بأية نشاطات متّصلة بالصواريخ الباليستيّة...إلخ"، وأنّ كلمة "مدعوة" لا تتضمن أي إلزامية قاطعة في المنع من الناحية القانونية.

4) العقوبات على الحرس الثوري: قائمة العقوبات التي تطال الحرس الثوري وقادته وتصدير السلاح الإيراني أو استيراد الأسلحة من الخارج كبيرة وطويلة، وعلى الرغم من ذلك يقول المسؤولون الإيرانيون باستمرار إنّهم غير ملتزمين بها (هناك تصريحات لنائب وزير الخارجية الإيرانية ووزير الدفاع ورئيس الوكالة الإيرانية للطاقة الذرية في نفس السياق) في تحدي صريح وواضح، لا بل إنّ قائد فيلق القدس في الحرس الثوري كان قد سافر إلى موسكو مؤخراً في تأكيد على السلوك الإيراني المتجاهل لهذه العقوبات.

ردود الأفعال الأمريكية والغربية على هذا التحدّي الإيراني المتزايد لتفسير النصوص وتجاوز العقوبات وتحدي المنع والقيود تشير إلى أنّ إيران ستمضي في توسيع قائمة هذه اللائحة لأن "الجانب الآخر" لم يبدِ كما هو واضح للجميع أي حساسية أو حتى رد فعل يجبر الطرف الإيراني من خلاله على الالتزام الدقيق والشفاف. ما سيحصل هو مزيد من التوظيف الإيراني لنص الاتفاق مع تجاهل لأي قيود حقيقية إلى حين الوصول إلى الهدف المنشود.

تعليقات