الثورة السورية بين يدي مؤتمر الرياض

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

11/5/2015
العرب القطرية

تستعد الرياض خلال الأيام المقبلة لاستضافة مؤتمر المعارضة السورية من أجل وضع خطة لسوريا ما بعد سفاحها بشار الأسد، ومن قبله سفاحها المؤسس حافظ الأسد اللذين لن يجدا لهما نظيراً في تاريخ البشرية قتلاً وتهجيراً وتدميراً، وبالتأكيد فإن دخول المملكة العربية السعودية على هذا الخط يُضفي على المؤتمر أهمية لافتة سواء كان لوزن المملكة وتجاربها السابقة في تسوية قضايا عربية وإسلامية، أو للتقارب والتنسيق السعودي- التركي- القطري الأخير فيما يخص شؤون المنطقة وتحديداً الثورة السورية، ما يُنعش الآمال العريضة على إنجاحه ليطوي بذلك السوريون صفحات مظلمة ودموية من تاريخهم نتيجة تألّه نظام عليهم لعقود، لم يخفِ شعاره «الأسد أو لا أحد»، وبالتأكيد فإن مثل هذا المؤتمر سيقطع الطريق على محاولات الوسيط الدولي ستيفان ديميستورا الرامية إلى تمييع الثورة السورية من خلال دعوة 400 شخص بصفتهم الشخصية بمن فيها الائتلاف الوطني، فديميستورا الذي أتى لإيجاد حل للسوريين وجد نفسه كسابقيه بحاجة إلى من يساعده للبقاء في منصبه بعد فضيحة فشله في تجميد القتال بحلب.

درجت كل المؤتمرات والتسويات العالمية على أن من يشارك فيها هو من لديه القوة والسطوة والكلمة على الأرض، ولذا فكلمة سرّ فشل أو تعثر كل المجالس والمؤتمرات السورية السابقة تكمن في عجزها عن تمثيل سوريا الثورة حقيقة وواقعاً، ولذا فلا القوى المحلية على الأرض قبلت واعترفت بمقررات السياسيين، ولا القوى الدولية اعترفت بالممثلين السياسيين متذرعة ومتحججة بأن لا وزن لهم على الأرض، وظلت الفجوة حاصلة بين القوى على الأرض ومن قدموا أنفسهم ممثلين عن الثورة، ولعل فيما جرى في إدلب بعد التحرير من تحذير الجماعات الجهادية والثورية الائتلاف الوطني أو الحكومة المؤقتة دخول المدينة دليلاً على ما نقول.

في مؤتمر الطائف الذي جمع الفرقاء اللبنانيين نهاية الثمانينيات كان الممثلون هم من يقاتلون على الأرض، وفي مؤتمر مكة كان الممثلون هم من يقاتلون على الأرض الأفغانية، وحين دعت قطر لمؤتمر لبناني كان التمثيل للقوى على الأرض اللبنانية أيضاً، وهو ما يتكرر في كل المؤتمرات العالمية، فمشاركة ممثلي القوى الحقيقية على الأرض ضمان نجاح المؤتمر وديمومته مع التأكيد على تفادي الخطأ اللبناني في المحاصصات الطائفية والمذهبية، فما جرى ويجري في سوريا ثورة شعبية حقيقية وليست خلافات سياسية بحاجة إلى تسويات ومساومات، وبالتالي فإن سقف الثورة الذي حدد منذ يومها الأول هو المعيار والشرط للمشاركة السياسية.

الواجب على الثوار على الأرض أن يفرزوا جسماً عسكرياً موحداً أو أقرب إلى ذلك، ولعل تجارب جيش الفتح في إدلب والقلمون وحلب، وجيش التوحيد في حمص وغيره من التجارب تُفضي إلى جيش موحد على مستوى سوريا كلها، وإلى حين أن يحصل ذلك فبإمكان القوى العسكرية الفاعلة على الأرض أن تُفرز ممثليها السياسيين أو تُعين من تراه مناسباً في المعارضة الحالية، مثل هذه التركيبة لو تشكلت فإنها ستكون أمينة على الثورة ومستقبلها، وقادرة في الوقت عينه على فرض قراراتها وتطبيقها.
لقد علمتنا الثورة اليمنية والليبية والمصرية أن تعايش الثورة مع الثورة المضادة كتعايش البنزين مع الكبريت، وأن القوى المضادة للثورة معادية لها جينياً ووراثياً، ولعل فيما يجري في هذه البلدان درساً مهماً للثورة السورية في أن القبول بأنصاف الحلول والتعايش مع القتلة والمجرمين سيجلب خراباً وشراً ودماراً أكثر مما شهدناه وخبرناه لا سمح الله.

الدولة العميقة لها امتداداتها الخطيرة مالياً وسياسياً وعلاقات دولية وأجهزة وقوى خفية، ومثل هذه الدولة العميقة لا يمكن أن تجابه بشرعية انتخابية سطحية هي في النهاية من يشرف عليها ويقررها عبر أجهزة الدولة العميقة، إذن فالرد الوحيد على الدولة العميقة يكمن بطرح الشرعية الثورية كحال كل الثورات العالمية، فلا تزال روسيا والصين وفرنسا وإيران تستمد شرعيتها من شرعية ثوراتها، ومن استمدها منهم من شرعية انتخابية لم يحصل إلا بعد عقود على مرور ثورته.

الدولة العميقة لا تتفكك إلا بتأسيس مجالس ثورية وتشكيلها لحماية الثورة وصيانتها، بحيث تكون هذه المجالس أعلى سلطة في البلد، وأعلى من السلطة المنتخبة نفسها، على أن تضم هذه المجالس ناشطي الثورة الحقيقيين الذين أطلقوا هذه الثورة المباركة، بالإضافة إلى رموز العمل العسكري على الأرض الذين ضحوا بدمائهم ودماء إخوانهم، لكن شريطة أن تلتزم مثل هذه الرموز بالابتعاد عن العمل السياسي اليومي وتتفرغ لحماية الثورة وصيانتها، لتحافظ بذلك على سمعتها ورمزيتها ووهج صورتها المضيئة الجهادية الثورية خلال سنوات الجمر الثوري،فعواصف ما بعد الانتصار قد لا تقل عن عواصف ما قبله ولنا فيما يجري ببلاد الثورات العربية درس ومثال.

 

تعليقات