الحرب الأميركيّة المتدحرجة

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

1/9/2014
العربي الجديد
المؤلف: 

تندفع الولايات المتحدة، بانسيابية ملحوظة، صوب التورّط في حربٍ تشير تقديراتٌ إلى أنها قد تكون طويلة المدى، تتطابق مع الاستراتيجية التي أعلنها الرئيس، باراك أوباما، من دون أن يوضح مدى شمولية تلك الحرب، فيما يبدو أنه أوان دفع الاستحقاقات التي تراكمت على واشنطن في المنطقة.

طوال الفترة الماضية، ظلت القيادة الأميركية أسيرة تقديرٍ يقول إن داعش ليست سوى لاعب مبتدئ، تحتاج وقتاً أطول لتطوير مهاراتها وتوجهاتها، إلى درجةٍ تصبح فيه خطراً على الأمن الأميركي. هذا ما أكدته "فورين بوليسي"، وقالت إن أوباما اعترف به.

ما يعني أن أوباما تعامل مع القضية من منظور انتهازي شخصي، من خلال نيّته ترحيل الأزمة للرئيس الذي سيخلفه، مع ما يتضمنه ذلك من مخاطرة وضع أميركا في حالة أمن قومي صعبة. وكان هذا السلوك يجد تبريراته في نَسَق قيم الرئيس الأميركي الذي قام على مبدأ "فك الارتباط" الجزئي بصراعات المنطقة، وعدم التورط فيها، حتى أن استراتيجيته التدخلية الراهنة تبدو مجرد تطوير بسيط لذلك المبدأ، حيث يصيغ مبادرته الهجومية على شكل القضم المتدرّج لقدرة داعش على الحركة، عبر أسلوب وضع اللاعبين الإقليميين (الأكراد والقبائل السنية) في واجهة الاشتباك. ثمة

حقيقة عملياتية مهمة، سيكون لها أثر كبير في تشكيل طبيعة التدخل الأميركي وتحديد مساراته، وهي أن هذا التدخل تأخر كثيراً، وبالتالي، لم يعد قادراً على التحكّم باللعبة، بل ستفرض الوقائع وتطورات الحرب عليه إجراء تعديلات دائمة، في نهايتها سيجد الأميركي نفسه قد تورط في الحرب.

فليس من الضرورة أن يتطابق مسرح العمليات مع مسطرة حسابات أميركا. يقوم الهدف الأميركي الأبعد، وهو على ما يبدو أحد المحركات الأميركية الأساسية للتدخل الحالي، على إمكانية تخفيض قدرة الدولة الإسلامية على شن حرب على أميركا، وهو هدف متحرك ستحكمه التطورات والمخاطر، وتالياً، فإن مسألة تطوير الانخراط تصبح ممكنة دائماً. صحيح أن أهداف داعش محددة ببقعة جغرافية معينة، لكن، حتى هذه البقعة تنطوي على بنك من الأهداف الأميركية التي يمكن للتنظيم استهدافها، كما أن استهداف أميركا في داخلها هدف موجود لدى داعش، وسبق أن صرح به أبو بكر البغدادي، ولا شك أن واشنطن تأخذ تلك التهديدات على محمل الجد، لتجربتها مع هذا النمط من التنظيمات التي تتمتع بتشبيك دولي "أممي" عميق ومنظّم. في السياق العملاني أيضاً، ثبت أن تنظيم داعش يستخدم تكتيكات ذكية في التكيّف والتضليل، وما قد يساعده على ذلك أن القوة الأميركية مخصصة لبنك محدد من الأهداف، وهي قوة غير برية، ومن السهل تضليلها، بقصد استنزافها عبر استراتيجية توسيع الأهداف، وإعادة تموضع ميدانية دائمة، ما يجعل جهود القوة الأميركية بحجمها الحالي بلا أي معنى.

 

تندمج هذه التطورات مع وضع سياسي أميركي مركّب، ذلك أن البيئة السياسية الراهنة التي يصدر عنها صانع السياسة الأميركية، بيئة متوترة ومشحونة بصراع داخلي عنيف، تقف في خلفيته الخلافات على إدارة السياسة الخارجية الأميركية تجاه أزمات العالم، ما يرجّح احتمال زيادة حدة الاستقطاب الذي تشكل نتيجته بنية مناصرة لتطوير أهداف الحرب وتوسيع مجالها من قادة رأي وسياسيين وتنفيذيين. ثم ماذا عن المقلب السوري في الحرب على داعش، والذي يشكل القاعدة الخلفية للتنظيم، وما الصيغة التي ستعمل وفقها واشنطن لمحاربة التنظيم؟ هل تقبل التعاون مع نظام الأسد الذي سارع لالتقاط الفرصة، مدعوماً بتوصيةٍ من حليفه الروسي؟ لا شك أن إدارة أوباما تدرك قدرة نظام الأسد على توريطها في الحرب، بعدما هيأ مساحاتٍ آمنة لإرتكاب داعش جرائم بشعة بحق الأقليات في سورية، فالطرق إلى السلمية، موطن الإسماعيليين، ومحردة، حيث يسكن المسيحيون، صارت سالكة أمام داعش. هل ذلك مجرد مصادفة؟ كيف ستستطيع أميركا تبرير مواقفها حينها، لو ارتكبت داعش مجزرة في أحد المطرحين؟ يقول المنطق إن التقاطع مع المجهود العسكري لنظام الأسد احتمال غير وارد، ليس بسبب قناعة إدارة أوباما بأن النظام ساهم، بدرجةٍ كبيرةٍ، في خريطة الفوضى الحالية، ولكن، لأسباب عملانية كثيرة، أهمها أن التعاون مع الأسد سيضرب البنية العسكرية التي صنعتها أميركا وحلفاؤها في سورية، من خلال كتائب ثورية، كما أن الاشتباك مع نظام الأسد سيقع على خط الخطة الأميركية التي تقضي باعتماد القوى المعتدلة السورية مكوّناً، أو تشكيلاً، في جبهة الحرب على الإرهاب، وخصوصاً في مناطق سورية الشرقية.

وسيقع الاشتباك في مفاصل عملية المساعدات اللوجستية والاستخباراتية وتبادل المعلومات وتسهيل وصول الإمداد. هذا، بالإضافة إلى حقيقة أن أميركا لم تعد ساذجة إلى درجة استخدامها من المشروع الإيراني وأدواته في المنطقة، وهي تدرك أن أهم شروط الدول العربية للوقوف معها في الحرب تفكيك المشروع الإيراني من بغداد إلى دمشق، وإعادة صياغة العمليات السياسية بقلبه. بيئة التورط الأميركي وشروطها تنضج شيئاً فشيئاً. الرأي العام يتقبّل، وإنْ بتحفّظ، الانخراط في المجهود الحربي، وهذا يوفر جواً سياسياً مناسباً لصانع القرار الأميركي. نحن أمام حرب أميركية سوف تتدحرج أهدافها وتتطور، ولن يكون ممكناً ضبطها بحدود معينة. والواقع يقول باستحالة ذلك، وطالما أقرت واشنطن بأن هزيمة داعش سوف تتطلّب استجابة منظمة وجهداً متواصلاً على مدى زمني طويل، فهذا يعني أن أميركا ستضطر إلى توسيع اشتباكها في المنطقة، على أكثر من محور وقضية.