الشام ليست سجادة إيرانية!

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

16/2/2015
العرب القطرية

لا يألو الإيراني جُهداً على مدى سنوات في نسج سجادته غرزة غرزة ليصنع منها لوحة فنية رائعة، ليلقي بها أخيراً في بازارات السجاد العجمي، فيطير بها زبائن أجانب يتمتعون بها، وفي الغالب من يتمتع بها الأغيار، فما كان لهذا الصنيع أن يتحقق لولا تصبُّب العامل الإيراني عرقاً ربما يوازي وزن سجادته، لا شك أنه عمل يُعلّم الصبر والتحمّل، بيد أنه ليس بالضرورة أن ينعكس في ساحات القتال، لاسيَّما إن كانت هذه الساحات غريبة الوجه واليد واللسان على المحتل..

أوهام الاحتلال الإيراني في الشام هي التي دفعته إلى أن يخال أن نسج خريطة الشعوب البعيدة عنه كل البعد يمكن أن يتم بنفس طريقة نسج سجاده العجمي، وكي يدرك ويعي الفرق والبون بينهما لا بد أن تسيل أنهارٌ من دمه ومعها بحور نفطه.
قد تشكل هذه المقدمة القصيرة مدخلاً لفهم ما يجري في الشام والعراق واليمن بشكل عام وفي حوران اليوم بشكل خاص، بعد أن دفع الإيراني بلواء «الفاطميين» والذي يضم ميليشيات طائفية أفغانية وعراقية ولبنانية شيعية، لاستعادة مناطق استراتيجية تمكنت الفصائل الجهادية من السيطرة عليها في الأسابيع الماضية، إذ ستفضي مواصلة هذه الاستراتيجية إلى وصل درعا والقنيطرة بالغوطة الغربية والريف الدمشقي، تقاطع ذلك مع حالة الهيستيريا التي أصابت النظام وأسياده بسقوط مئات الصواريخ التي أطلقها جيش الإسلام بزعامة زهران علوش على مقرات النظام بدمشق، أرغمت رأس النظام بشار أسد لأول مرة على النزول إلى الملاجئ.

شعر النظام ومن خلفه أسياده بأن ما بعد السيطرة على الشيخ مسكين وحميرت وغيرهما من المناطق الاستراتيجية في درعا ليس كما قبله، وبالتالي فالمجاهدون يُحكمون يوماً بعد يوم سيطرتهم على الحدود مع الكيان الصهيوني، وهو ما يُفقده الورقة الأهم التي تاجر بها أمام الغرب والشرق وقبلهما الصهاينة في ضبط حدود جعلتها الأشد استقراراً لليهود حتى من الدول التي وقّعت معاهدات سلام معها..

ردّ النظام باستراتيجيته الوحيدة التي لا يُتقن سواها، استراتيجية البراميل المتفجرة على دوما حارسة الغوطة الشرقية، لكنها لعبةٌ تعامل معها الشعب السوري وأهل دوما على مدى سنوات لم تُخلّف إلا مزيداً من الإصرار والعناد في إسقاط النظام، فمَن فشل وعجز عن إخضاع السوريين بلعبة موته على مدى أربع سنوات، لَهُو أعجز عن إخضاعهم اليوم بعد كل هذا القتل والدمار والخراب.
التحرك الإيراني السريع بقيادة الجنرال قاسم سليماني قائد فيلق القدس الإيراني، والذي لم يخض معاركه إلا مع أبناء أكناف بيت المقدس، يشير إلى معطيات مهمة حصلت ومؤشرات أهم قد تحصل في مقبل الأيام، هي ما دفعت طهران إلى التحرك وسط تواطؤ وصمت عالمي وعربي وإسرائيلي على إدارة إيرانية للمعركة بكل صفاقة بعيداً حتى عن النظام السوري، قد نجمل هذه المعطيات والمؤشرات في:

1- على الصعيد الداخلي للنظام، تشير المعلومات إلى أن خلافاً دب بين عصابات أسد وحزب الله بفقدان الأخير لثقته حتى بالحلقة الضيقة للنظام، خصوصاً بعد هروب ضابط بالحرس الجمهوري في جبهة جوبر والتحاقه بالمجاهدين، والذي كان حنفية معلوماتهم عن الحلقة الأضيق للنظام، وهو ما تسبب في وقوع خسائر مهمة لحزب الله، دفعت الإيراني للتدخل وقيادة المعركة بنفسه..
أما في ساحة المعركة، فتقول معلومات الثوار على الأرض إن أكثر من ثمانين بالمئة من المشاركين في معركة حوران هم من غير السوريين، فضلاً عن قيادة المعركة من قبل الإيرانيين، إذ يبدو أنهم كانوا يتحضرون لذلك منذ الغارة الصهيونية على القافلة الإيرانية والحزبلاتية، فقد خلت يومها القافلة من أي عنصر سوري، مما يعني أن ثمة مشكلة بين النظام والإيرانيين..

2- على الصعيد الإقليمي ثمة مخاوف إيرانية حقيقية من التقارب بين السعودية وتركيا، والتوجهات الجديدة للملك السعودي الجديد سلمان بن عبدالعزيز قد تدفع باتجاه تنسيق وتعاون مع الأردن للقيام بعمل عسكري في سوريا، خصوصاً وأن الأردن بعد إعدام طياره على يد تنظيم الدولة غدا أكثر اهتماماً بالوضع السوري، ولذا فقد لجأ الإيرانيون إلى عملية استباقية من أجل فرض أنفسهم على الحدود مع إسرائيل والأردن على أنهم الجهة الوحيدة الضامنة لأمن الصهاينة.

3- الواقع الدولي واضح أنه راغب بالاستنزاف الحاصل لكل الأطراف، ولذا فقد دعم وجود طهران على الحدود السورية مع إسرائيل، وضمن هذا السياق قد تُفهم تصريحات قادة الجيش الصهيوني من أن الحركات الجهادية السورية أخطر من حماس وحزب الله وغيرهما، وهي إشارة واضحة على الرضا عما تفعله إيران في حوران..

التمدد الرهيب الذي تقوم به إيران من العراق إلى اليمن مروراً بلبنان والشام لا تقوى عليه إيران لا بشرياً ولا مالياً.. ونشوة الانتصار السريع التي انتشت بها القيادة الإيرانية ينبغي ألا تُسكرها عن فهم الواقع وتعقيداته، فالشعوب في هذه الدول تعيش حالة ثورة حقيقية ضد المحتلين الداخليين والخارجيين، فكل المحتلين الأجانب عبر التاريخ لم ينهزموا تكتيكياً، ومن يراجع حروب أميركا في فيتنام وحروب السوفييت في أفغانستان وكذلك حروب أميركا في العراق وأفغانستان، يدرك أنهم لم ينهزموا في المعارك اليومية ولا في التكتيك، لكنهم انهزموا في الاستراتيجيات وأرغموا على الهزيمة ولو بعد حين..

حالة العداء السني مع إيران المستغلة لجزر شيعية في دول عربية وإسلامية، لن تُفلح في فرض واقع إيراني يحلم به ملاليها، الحلم أفصح عنه كبار قادتها السياسيين والعسكريين باستعادة إمبراطورية ساسانية من أفغانستان إلى شواطئ المتوسط، حلم مستحيل تحقيقه في ظل ثورة ووعي سني غير مسبوق بمخططاتها، فالكل يرى حصاد التدخلات الإيرانية في العراق والشام واليمن، حروبا ودمارا وخرابا وقتلا عاماً تتقازم أمامه كل جرائم الصهاينة على مدى عقود..
هذه الجزر الشيعية قدرها التاريخي أن تعيش وسط محيط سني منذ مئات السنين، تعايشاً سلمياً مشهوداً، لم تُكدره إلا تدخلات إيرانية لاستغلالها في بازار سياساتها، فالمحتل سيرحل وحينها لن تقوى هذه الجزر على تغيير الجغرافيا، فستُضطر لتقليع شوكها بيديها، بينما يعود التاجر الإيراني لنسج سجادة تفاوضه مع الآخر تاركاً للجزر نسج سجادتها في تعايش وبقاء مع محيط سني استعدته وقاتلته، عودة قد تكون مكلفة جداً.