الصحوة الإسلامية في سورية: بروز العَلمانية البعثية وسقوطها

(خاص السورية. نت 04/ 05/ 2015)

ها هنا كتاب آخر يتناول بكثير من الدرس والتحليل الأكاديمي العلاقة الشائكة بين السلطة في سوريا والشعب من خلال دراسة العلاقة بين ثلاثة عناصر أساسية هي العَلمانية السورية والنظام السوري الديكتاتوري والصحوة الإسلامية. مؤلفة الكتاب لين الخطيب، تعمل أستاذة للعلوم السياسية في الجامعة الأمريكية في الشارقة وباحثة في الاتحاد الجامعي للدراسات العربية والشرق أوسطية التابع لجامعة ماكغيل، كندا.

Islamic Revivalism in Syria: The Rise and Fall of Ba'thist Secularism 

المؤلف: Line Khatib

الناشر: Routledge، انكلترا، 272 ص

سنة النشر: آب 2011

أعترف أن معالجة الكتاب لبعض النقاط لم ترق لي، فهو يعطي السلطة بكل رموزها –التي نعرف نحن السوريون حقيقتها حقَّ المعرفة- مصداقية ودوراً "جميلاً" لا يمت للواقع بأية صلة. وهذا يدل على جهل المؤلفة بالمجتمع العربي أو على أنها من أنصار العلمانية المعادين لكل ما هو إسلامي.

فهي تبدأ مقدمتها بقولها: "سوريا دولة علمانية لا دين رسمي لها. وهي تواجه العديد من المشاكل نفسها وتشهد العديد من النقاشات نفسها كباقي الدول العَلمانية التي تتصارع الآن مع الصحوة الإسلامية"! ثم تتابع: "تميل الدراسات حول الأيديولوجيات الدينية في سوريا إلى اعتبار قيادة البعث قد نجحت منذ معركة حماة في إخضاع الحركة الدينية وفي إسكات وقمع المعارضة الإسلامية السياسية. لكن تلك الفرضيات انهارت أمام عودة العسكرة الإسلامية للبلاد منذ 2004 (...) والتي تشكل مفتاحاً مهماً لتحليل الوضع الشائك للسياق السياسي السوري". المؤلفة أولاً تستخدم كلمة "معركة حماة" فهي ليست مجزرة إذن ولا تذكر ثمن ذلك "الإخضاع"، ثم تقرر أنه قد حدثت عسكرة للحركات الإسلامية في سوريا بدءاً من سنة 2004 ونسيت أن تقول إن ما حدث سنتها كانت حوادث متفرقة أقرب لأعمال عصابات الشوارع بعضها كان من فعل أشخاص من بيت الأسد وبعضها كان من فعل الجهاديين الذين أرسلتهم دمشق أصلاً للقتال في العراق.

من نافِلة القول إن تاريخ تلك العلاقة قد مرَّ بمراحل هي مزيج من الاستمالات للبعض تارة، والحوار مع بعض الأطراف تارة، والمواجهات الدموية تارات أخرى. وإنما المؤلفة تركز على فترة ما بعد وفاة حافظ الأسد وهي، برأيها، أكثر تعقيداً وأكثر غموضاً. فبعد أن أوضح بشار أنه سيتبع خطى أباه العلمانية "عندما تعمّد عدم التلفظ بالبسملة في خطابه الرئاسي الافتتاحي أمام مجلس الشعب"، جعل أول قرار تنفيذي له أن ألغى المرسوم الذي أصدره الأب سنة 1982 والقاضي بمنع ارتداء الحجاب في المؤسسات التابعة لوزارة التربية. ثم تورد العديد من الخطوات والأحداث التي أعربت فيها السلطة "عن رغبتها في فتح المجال العَلماني العام على الرؤية الإسلامية للمجتمع"، من إطلاق سراح المعتقلين والسماح للإخوان بالعودة إلى الوطن وعقد الملتقى الإسلامي لأول مرة في دمشق منذ 40 عاماً بعنوان "تجديد الخطاب الديني" (علماً أن المؤتمر قد انعقد تحت شعار "الاجتهاد بين التجديد والتفريط") سعياً من الحكومة لنشر الإسلام الصحيح. وهي تقصد الإسلام الذي يتناسب مع مصالحها.

إن العلاقة بين الحاكم العربي والإسلام، في سوريا وغيرها من البلدان العربية، هي كما وصفها أحدهم وصفاً كاريكاتورياً يصوِّر الإسلام "كبوّاب" يجلس منزوياً أمام باب الحاكم يستدعيه متى احتاج إلى خدماته فإذا نفَّذ المطلوب منه صرفه فعاد إلى زاويته.

وتضيف د. خطيب قائلةً إن "بشار الأسد صرح أمام المؤتمر القطري العاشر لحزب البعث في تموز 2005 أن على السوريين أن يدعموا الصحوة الإسلامية المعتدلة عوضاً عن الإشاحة بوجههم عن الموضوع، مؤكداً على أنه من الخطأ الكبير ألا نعطي للجماعات الإسلامية [المعتدلة] منبراً لتعبر عن وجهة نظرها لأن الكبت لا يؤدي إلا إلى التطرف"! الظنُّ أنه حتى لو حدث أن فكّر بشار الأسد بذلك لكنه بالتأكيد لم يصرح بهذا الكلام إطلاقاً.

الواقع أن العلاقة بين الحاكم العربي والإسلام، في سوريا وغيرها من البلدان العربية، هي كما وصفها أحدهم وصفاً كاريكاتورياً يصوِّر الإسلام "كبوّاب" يجلس منزوياً أمام باب الحاكم يستدعيه متى احتاج إلى خدماته فإذا نفَّذ المطلوب منه صرفه فعاد إلى زاويته. أليس هذا ما يحدث منذ عبد الناصر وصولاً إلى حافظ... إذ كانوا يتقربون من الإخوان المسلمين لمصلحة ما، وما أن تنتهي تلك المصلحة حتى يفتحوا عليهم أبواب جهنم. ليس هذا دفاعاً عن الإخوان، بل هو رد على تحليل الكاتبة للمجتمع العربي وكأن الدين والتدين (المسيحية والإسلام) أمر طارئ عليه وجسم غريب، علينا معالجته إذا تحرك وظهر له نشاط مهما كان نشاطاً طبيعياً؛ أو كأن الإسلام لم ولن ينتشر إلا إذا تفضل هذا النظام أو ذاك و"سمح" له بذلك! وأن الحكومات لطالما حاولت احتواء الإسلاميين و"صقلهم" حتى لا يتحولوا إلى وحوش عطشى للدماء.

فالمؤلفة نفسها تقول إن الهدف من ملاطفة حافظ الأسد وابنه من بعده للإسلام المعتدل هو "تعزيز سلطته وتأمين بقائه سالكاً في ذلك تماماً سلوك الأنظمة الشعبوية السلطوية"، وكذلك لبروز طبقة بورجوازية سنية غنية من مصلحته الاقتصادية أيضاً مداهنتها والإيحاء لها بأنها حرة في معتقدها؛ البورجوازية نفسها التي كان وصول حزب البعث الاشتراكي نفسه للسلطة سبباً في تقلصها من 6.7 إلى 1.3 من السكان وهروبها للخارج. كما لا تلبث المؤلفة أن تشير إلى ما اتخذه نظام بشار من سياسات معاكسة لأجل "الحفاظ على علمانية الدولة" (خطاب أيار 2010) من منع ارتداء النقاب في المدارس وقمع ربيع دمشق... إلخ.

إن الهدف من ملاطفة حافظ الأسد وابنه من بعده للإسلام المعتدل هو "تعزيز سلطته وتأمين بقائه سالكاً في ذلك تماماً سلوك الأنظمة الشعبوية السلطوية"، وكذلك لبروز طبقة بورجوازية سنية غنية من مصلحته الاقتصادية أيضاً مداهنتها والإيحاء لها بأنها حرة في معتقدها.

قسِّم الكتاب إلى ثلاثة فصول: يتناول الفصل الأول تاريخياً حزب البعث كنموذج سوري للعلمانية والإخوان المسلمين والحاضنة الاجتماعية للإسلام السياسي. الفصل الثاني يتناول فترة حكم حافظ الأسد والمواجهة مع الإخوان؛ ثم تنازل الأسد عن بعض المكتسبات العَلمانية والاشتراكية لأجل استمالة الإسلام المعتدل وقطع الطريق على التطرف. والفصلان غنيان بالمعلومات عن تاريخ سوريا الحديث وعن الصراعات السياسية المعاصرة فيها. الفصل الثالث خُصص لولاية بشار الأسد وسياسته العلمانية ولعودة الإسلام المتطرف، وفيه عرض مهم للمجتمع السوري المعاصر خلال العقدين الأخيرين، كما يقدم وجهة نظر بحثية جديدة عن كيف تمكن الإسلام المتطرف من إعادة تشكيل المجتمع السوري على حساب تآكل نظام البعث.

تناول الكتاب السلطة بشكل تجريدي طوباوي وكأنه قد كان في البعث أي خير لصالح البلد اجتماعياً أو سياسياً، أو كأن الطغمة الأسدية قد عملت حقاً واجبها القانوني -حتى لا نقول الديني- في خدمة مصالح الناس مثلما تنص مواد الدستور. ثم ذلك الإصرار على "عَلمانية" الحزب وكأن تلك الصفة كافية لأن نصدق تلك الخرقة البالية التي تخفي السلطة وراءها وجهها الطائفي.

يركز الكتاب على سؤال جوهري واحد: لماذا وكيف انبثقت المجموعات الإسلامية، والإسلامية المتطرفة من جديد كقوة اجتماعية اقتصادية وسياسية في سوريا بعد 22 سنة من الركود النسبي؟ يرفده عدد من الأسئلة الفرعية: "من هي اليوم المجموعات الإسلامية المعتدلة والمتشددة؟ كيف ساهمت الحكومة في عودتها من جديد؟ هل تستخدم سوريا المجموعات الإسلامية لتبسط نفوذها في المنطقة لا سيما في العراق ولبنان؟ وكيف يؤثر ذلك على الساحة السورية الداخلية؟ كيف تطورت المجموعات الإسلامية كقوى صغيرة داخل السياق السوري السياسي الديكتاتوري والعلماني؟ ما هو مدى نجاحها في تجنيد الشباب؟ وكيف تتعامل الدولة السورية مع تلك الصحوة في ضوء المجتمع السوري متعدد الطوائف من ناحية وعلمانيتها –الديكتاتورية مع ذلك- السياسية الثقافية من الناحية الثانية؟ كيف ساعد ذلك في تدعيم قوة النظام الحاكم وتمكينه أكثر؟".

فجوهر الكتاب إذن محاولة لشرح كيف تحولت الدولة من الترويج للعَلمانية إلى كبتها واستمالة الطبقة الدينية واسترضائها ثم إلى تشجيع الصحوة الإسلامية على مقاس الدولة وكما تخدم مصالحها بطبيعة الحال. مما يعني إلقاء الضوء على طبيعة تطور محاولات النظام الحاكم لأجل خلق توازن بين مصالحه الخاصة وشؤونه الداخلية المتعلقة بالإرهاب وبين بروز عدة جماعات إسلامية في سوريا وتنامي تأثيرها على المجتمع لا سيما في عهد بشار.

تناول الكتاب، كما قلت، السلطة بشكل تجريدي طوباوي وكأنه قد كان في البعث أي خير لصالح البلد اجتماعياً أو سياسياً، أو كأن الطغمة الأسدية قد عملت حقاً واجبها القانوني -حتى لا نقول الديني- في خدمة مصالح الناس مثلما تنص مواد الدستور. ثم ذلك الإصرار على "عَلمانية" الحزب وكأن تلك الصفة كافية لأن نصدق تلك الخرقة البالية التي تخفي السلطة وراءها وجهها الطائفي.

إضافة تعليق جديد

Filtered HTML

  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • Freelinking helps you easily create HTML links. Links take the form of [[indicator:target|Title]]. By default (no indicator): Click to view a local node.
  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <img><h2></h1><a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd><h1></h2><i><u></u>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
CAPTCHA
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
3 + 4 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.