لعبة الانتظار، السياسة الخارجية للأسدين

(خاص السورية نت 01/ 09/ 2015)

”لا يوجد هناك أية حكومة في العالم تقتل شعبها إلا إذا كان قائدها مجنوناً“. هذا ما صرح به رأس سلطة النظام السوري في ديسمبر/كانون الأول 2011 لإحدى القنوات التلفزيونية. نافياً أية مسؤولية له عن العنف الذي كان قد بدأ ينهش البلاد منذ أشهر. كما نفى أن يكون، بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، قد أمر الجيش بقصف المدنيين.

العنوان: The Wisdom of Syria's Waiting Game: Foreign Policy Under the Assads

المؤلفة: Bente Scheller

الناشر وسنة النشر: HURST، فبراير 2014

عدد الصفحات: 256 ص

ومع ذلك، فقد قُتل خلال السنتين التاليتين ما يقارب 200.000 شخص وتشرد الملايين واُعتقل مئات الآلاف أو اختفوا. والنظام لم يقدم أية خطوة، كما لم يبذل أدنى جهد في سبيل إيجاد حل للأزمة إن لم يكن احتواء غضب الناس. بل بدا على العكس أكثر تشبثاً وأكثر تعنتاً. واليوم، بعد مرور عدة سنوات، وبالنظر إلى حجم الدمار الذي تجاوز كل الحدود في المدن والقرى والبنى التحتية وأعداد الضحايا والمغيبين والمهجّرين، لا يسع المرء إلا أن يتساءل هل يقود سورية رجل مجنون حقاً؟ بهذا التساؤل بدأت "بنيت شيللر" كتابها "حكمة لعبة الانتظار السوريّة: السياسة الخارجية للأسد الأب والابن".

تتساءل المؤلفة بدايةً عن جدوى الحديث عن سياسة النظام الخارجية في وقت يوجد فيه شبه اتفاق دولي على أن أيامه باتت معدودة! أقول كان هذا الرأي سائداً حتى صيف 2013، بعدها هناك انقسام في الرأي بين منادٍ لحل بدون الأسد وبين مصرٍّ على بقائه. لكنها تعود وتشير إلى أهمية تلك السياسة الخارجية وأهمية تحليل خيوطها لفهم سبب بقاء هكذا نظام حتى اليوم وسبب "نجاحه" في قمع شعبه وتطلعاته المشروعة حتى الآن. فالأمران متصلان اتصالاً مباشراً لا انفكاك لأحدهما عن الآخر. وإلا فكيف نفهم دعم روسيا وإيران والصين المفتوح لنظامه، وكيف نفهم تجاهل بشار الأسد للمبادرات الدولية أو لضغوط بعض الدول عليه لحل الأزمة سلمياً؟ بل كيف جرؤ بشار على قصف الغوطة وفريق المراقبين الدوليين موجود في سورية على بعد كيلومترات يحقق في مجازر سابقة!

"سورية بلد ذو إمكانيات محدودة وليس له تأثير كبير على السياسة الدولية؛ لذلك فأهميته على مستوى المنطقة نابعة من مدى اهتمام اللاعبين به". إن السياسة السورية لم تتغير على مر عقود، وأن ما كان يتغير هو الموقف الدولي من سورية سلباً أو إيجاباً.

يتناول الكتاب بالدراسة العقد الأخير من حكم حافظ الأب والعقد الأول من حكم بشار الابن. وهو لا يتحدث عن الشأن الداخلي بقدر ما يتساءل عن السياسة الخارجية للأسدين. كيف يفكر عقل السلطة؟ وكيف تعامل مع اللاعبين الخارجيين؟ وكيف نظر إليه هؤلاء وتعاملوا معه؟ مع نظام بدا أنه سيسقط لأكثر من مرة (منذ سبعينيات القرن الماضي) لكنه لا يزال قائماً ومستمراً في سياسته التدميرية وفي ممارسة إرهاب الدولة على شعبه وفي المنطقة؟: "سورية بلد ذو إمكانيات محدودة وليس له تأثير كبير على السياسة الدولية؛ لذلك فأهميته على مستوى المنطقة نابعة من مدى اهتمام اللاعبين به". ترى المؤلفة أن السياسة السورية لم تتغير على مر عقود، وأن ما كان يتغير هو الموقف الدولي من سورية سلباً أو إيجاباً.

لقد وقّعت سورية على العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية (21 أبريل/نيسان 1969) ولكن هل التزمت ببنود تلك المعاهدة؟ نظرياً، يحق للحاكم أن يفعل ما يريد داخل حدود دولته، لكن هذا لا يعني أن بوسعه تجاوز الحدود "الطبيعية" في تطبيق حقه ذاك. والمتتبع لسياسة النظام السوري حقيقةً يرى أنه لم يغير سياسة "إرهاب الدولة" تجاه شعبه أو تجاه دول المنطقة بل والعالم. والعالم كله شهد تدخل الجيش السوري في لبنان لكنه مرّ تحت بند قوات الردع العربية وشهد قتل الجيش السوري للبناني والفلسطيني قبل السوري، لكن ذلك مرّ تحت بند الحرب الأهلية وبداية مسرحية المقاومة؛ ثم شهد وقوفه مع إيران ضد العراق العربية ولم يضره ذلك فعلياً في شيء، فالدعم الإيراني قد عوضه عن الدعم العربي. ثم مال مجدداً للحضن الخليجي وعطاءاته في التسعينيات لموقفه الموالي لحرب الخليج ضد العراق أيضاً.

جرت الرياح الدولية في أكثر من مرة بما يشتهي ذلك الطاغية في أوقات ساد الاعتقاد بأن سقوطه وسقوط سلطته بات وشيكاً. فحافظ كان يجيد لعبة الانتظار واتبع تكتيك الانتظار طوال عقود حكمه.

الانتظار كلمة مفتاحية في الكتاب كما هو في عنوانه، وفيه إشارة إلى استغلال النظام السوري منذ عهد الأب لعامل الوقت كدعامة من دعامات استمراريته، وكيف أن الرياح الدولية كانت في أكثر من مرة تجري بما يشتهي ذلك الطاغية في أوقات ساد الاعتقاد بأن سقوطه وسقوط سلطته بات وشيكاً. فحافظ كان يجيد لعبة الانتظار واتبع تكتيك الانتظار طوال عقود حكمه.

مع اعتلاء الابن للسلطة، استمرت سورية في سياستها الإرهابية داخلياً وخارجياً واستمر العالم يتفرج مكتفياً بالتنديد أحياناً، اللهم إلا بُعيد اغتيال رفيق الحريري سنة 2005 وتحرك المجتمع الدولي والمجتمع اللبناني لإجبار سورية على الخروج بقواتها من لبنان. وفي الكتاب كلام عن تضييع بشار الأسد للفرصة تتلوها الفرصة لإحداث تغيير حقيقي في سياسة دولته.

الحكومة السورية من جانبها تجيد الانتظار أيضاً؛ في حال اعتبرنا أن لها كيان فاعل مستقل (وهو ليس بواقع)، فالمؤلفة نفسها تشير إلى حقيقة دور الأجهزة الأمنية في رسم السياسة الخارجية للبلاد وتنفيذها، وأنه مسألة لا تخفى على أحد، وإن كانت جميع الأطراف تتغاضى عنها.

ثم انطلقت الثورة السورية، فكان "الخارج" عنصراً حاضراً فيها: فمن جهة الناس كان الخارج أملاً في الحصول على دعم القوى الديمقراطية العالمية في إسقاط سلطة البعث؛ ومن جهة النظام كان الخارج "فزاعة" وتعليقة يبرر فيها تشبثه بالسلطة لاعباً على ورقة التطرف الإسلامي وربط الحِراك بالخارج والمؤامرة: قطر والسعودية (بناء المجسمات لأحياء دمشق وحمص في استوديوهات تلك الدول). وكان الانتظار سيد الموقف من جديد والتأخير والمماطلة جزء من حياة السوري اليومية المتطلع للحرية: "وما تأخر المجتمع الدولي في اتخاذ قرار بعد أغسطس/آب 2013 إلا دليل على تعقيد الساحة السورية وتشابك مصالح اللاعبين الدوليين".

يتحدث الكتاب عن الأفكار المسبقة التي تدخل في حيز الأسطورة عن سورية، مثل أنها رأس حربة في الصراع ضد الإمبريالية بينما الواقع أنها ما فتأت "حليفاً وشريكاً" حاضراً دائماً في حروب الغرب ضد الإرهاب بزعامة أمريكا التي كانت ترسل إلى السجون السورية "الإرهابيين" الذين لا يسمح لها دستورها باستجوابهم وتعذيبهم على أراضيها.

"ثم سادت أقوال عن اختلاف الوضع السوري عن الأفغاني والعراقي وحتى الليبي وخوف المجتمع من الوقوع في أخطاء التدخلات العسكرية السابقة"، ثم فشل كوفي أنان ولاحقاً الأخضر الابراهيمي في دفع النظام للقبول بحل سياسي. وتشير المؤلفة إلى جرأة هذا الأخير ودلالتها على مستوى العلاقات الدولية في تجاوز الخطوط الحمراء المرة تلو المرة من قصف للمدنيين بطائرات الهليكوبتر والمقاتلات الحربية وحتى الأسلحة الكيماوية، حتى رفع الناس في بلدة داعل لافتة تقول: "الموت بالكيماوي أرحم من انتظار دعمكم"، في إشارة إلى خيبة أمل السوريين من الخارج وعن ضياع تطلعاتهم على طاولات المصالح الدولية.

كما يتحدث الكتاب عن الأفكار المسبقة التي تدخل في حيز الأسطورة عن سورية، مثل أنها رأس حربة في الصراع ضد الإمبريالية بينما الواقع أنها ما فتأت "حليفاً وشريكاً" حاضراً دائماً في حروب الغرب ضد الإرهاب بزعامة أمريكا التي كانت ترسل إلى السجون السورية "الإرهابيين" الذين لا يسمح لها دستورها باستجوابهم وتعذيبهم على أراضيها. ثم أسطورة أن النظام السوري حامي للأقليات بينما "هو نظام علماني، تتحكم فيه ظاهرياً أقلية طائفية دينية". علاوة على أن قمعه للأكراد (وهم أقلية يهتم لشأنها الغرب أيضاً) مثلاً لم يتوقف طوال عقود: "فما علاقة النظام بالأقليات إلا علاقة استغلال مغرق في الأنانية".

كتاب خفيف في الصفحات ثقيل في التحليلات يأتي للتأكيد وللمرة الألف عن مسؤولية آل الأسد في خراب سورية شعباً ومجتمعاً وأرضاً وسماءً؛ وإن كان الزمن من العناصر التي طالما كانت في صالحهم إلا أننا نقول لهم بكل إيمان { هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ ۗ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا ۗ قُلِ انتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ}. [الأنعام: 158]. وإنا لمنتظرون.

أمل سارة

إضافة تعليق جديد

Filtered HTML

  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • Freelinking helps you easily create HTML links. Links take the form of [[indicator:target|Title]]. By default (no indicator): Click to view a local node.
  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <img><h2></h1><a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd><h1></h2><i><u></u>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
CAPTCHA
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
3 + 1 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.