الموقف الأردني في "إعصار غزة"

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

08/ 11/ 2014
العربي الجديد

محاولات عديدة أجراها "مطبخ القرار" في عمّان، لمحاولة إصلاح الضرر والتغطية على "الخطأ الفادح"، الذي تمّ ارتكابه، ودفعت خلاله الدولة الأردنية ثمناً فادحاً في علاقتها مع الرأي العام المحلي، في الأسبوعين الأوّلين من العدوان الإسرائيلي على غزة، حين اختفى المسؤولون الأردنيون الكبار عن المشهد تماماً، وتواروا عن الأنظار، ولم يصدّروا أي موقف سياسي، أو رسالة إعلامية تصل إلى حدود "الحدّ الأدنى" من مطالب الشارع الأردني، ومشاعره تجاه ما قام به جيش الاحتلال من جرائم حرب هناك.

بقيت "الطبقات العليا" في دوائر القرار صامتة تماماً، ولم تفلح جهود وزير الإعلام في ملء الفراغ، فمضت الجرائم والمجازر واحدة تلو الأخرى، والموقف الرسمي الأردني أشبه بـ"الكوما"، مما دفع بانتقادات حادّة إلى السطح، في وسائل التواصل الاجتماعي، تجاوزت السقوف التقليدية تماماً، وبعض المقالات والتحليلات (التي تسمح بها الخطوط الحمراء الأردنية)، وصولاً إلى رسالة حادّة قاسية من المهندس، ليث شبيلات، إلى رئيس الوزراء، طرح فيها الأسئلة، التي تدور في الدوائر المغلقة، وباتت تطرح في الشارع بصورة سافرة عن سرّ هذا الغياب السياسي!

جاء الموقف الأردني متأخراً ومكثّفاً ومتصاعداً في أثناء الأيام الأخيرة من العدوان المكثّف، وقبل التهدئة الأخيرة وجولة المفاوضات، فوصف رئيس الوزراء، عبد الله النسور، العدوان بالهمجي والبربري، بعد أن رفعت الإجراءات الديبلوماسية، التي قامت بها دول في أميركا اللاتينية باستدعاء سفرائها، وما قام به سياسيون أوروبيون من حملة ضد إسرائيل، من درجة الإحراج للموقف الرسمي، الذي بدا في المنظور الشعبي العام ضعيفاً مخجلاً متواضعاً تماماً في أحسن الأحوال، إن لم يكن مثيراً للريبة في نظر شريحة اجتماعية واسعة والمعارضة السياسية.

على الرغم من ذلك التصعيد المفاجئ، الذي يعكس الشعور بالمأزق، لم ترق المحاولات الرسمية إلى "الحدّ الأدنى" من مطالب الشارع، وطموح نخبة سياسية واسعة، وهو استدعاء السفير الأردني في تل أبيب، أسوة بأميركا اللاتينية، كخطوة احتجاجية واضحة!

ردّ رئيس الوزراء، وتلميحات المسؤولين، على دعوات اتخاذ إجراءات ديبلوماسية واضحة ضد إسرائيل تمثّل في رمي الكرة في الملعب الفلسطيني، بذريعة أنّ ذلك يضرّ بمصالح الفلسطينيين وحياتهم اليومية في الضفة الغربية والـ 48، وبالمساعدات الإنسانية الأردنية لغزّة، التي ستتضرّر كثيراً في حال قطع الاتصالات مع تل أبيب!

ويصرّ المسؤولون الأردنيون على أنّ النشاط الديبلوماسي الأردني ركّز على الخطوات الجديّة الحقيقية، في وقف العدوان الإسرائيلي ديبلوماسياً، وعبر الحضور الأردني في مجلس الأمن، وهو موقف لم يكن لينجح من دون أن يمرّ عبر التفاهم مع الولايات المتحدة الأميركية والدول الغربية، ومن ذلك مشروع القرار الأردني، الذي يلزم إسرائيل بدفع كلفة إعادة إعمار غزة!

وجاءت المرافعة الرسمية الأردنية الاستدراكية في الدفاع عن موقف الحكومة متأخرة كثيراً، بعدما تشكّلت قناعات شعبية محلية، ووصلت حالة الاحتقان والغضب الداخلي إلى مستوى عالٍ، إذ شهدت البلاد مسيرات احتجاجية على العدوان متعددة، لكن الجديد فيها تمثّل بالحراك الشعبي الكبير، الذي لم تشهده مخيمات اللاجئين منذ سنوات، واستعادة جماعة الإخوان المسلمين قدرتها على الحشد والتعبئة الشعبية، بعد أن برزت شكوك حول ذلك في الأشهر الأخيرة.

فضلاً عن التأخير غير المبرّر والمثير للشكوك في ردّ الفعل الرسمي، فإنّ تبريرات رئيس الوزراء و"جردة الحساب" التي قدّمها في تداعيات استدعاء السفير، أغفلت أمراً مهماً وجوهرياً، وخسارة كبيرة، تتمثّل في مدى الضرر، الذي أحدثته "ردود الفعل" الضعيفة والصمت المطبق خلال ذروة العدوان على صورة الدولة، ليس فقط في الخارج، بل حتى في الداخل في أعين المواطنين الأردنيين، وفي العلاقة مع الرأي العام، مما يعزّز شرخ الثقة المتنامي والفجوة الكبيرة بين الحكومات والشارع، وهي الفجوة التي تكشفها استطلاعات مركز الدراسات الاستراتيجية الدورية.

صحيحٌ أنّ المسؤولين يدركون أنّ هنالك فجوة تتجذّر وتتوسع بين الرأي العام والحكومات، إلاّ أنّهم لا يأخذون ذلك على محمل الجدّ، ويشعرون بأنّ هذه التفاعلات الشعبية مؤقتة آنية، سرعان ما تتلاشى وتنتهي، بعد انتهاء العدوان وتداعياته، لكنّهم لا يدركون ما هو حجم ما تحدثه من خدوش دائمة وفاعلة في مصداقية الدولة، وصورتها، أمام الرأي العام، وهذا يأخذ تداعيات وانعكاسات أوسع مدى وأكثر تأثيراً، والأهم من هذا وذاك أنّها متراكمة مع مرور الوقت، وقد وصلت فعلاً، في الأردن، إلى مستوىً عالٍ من الخطورة، يتمثّل في طرح سؤال الشرعية وتجاوز سقوف النقد أي مستوى من المستويات التقليدية، مما يظهر جلياً في مواقع التواصل الاجتماعي!

ليس الحراك الافتراضي وهمياً، كما يتوهّم المسؤولون، ففي النهاية، هو مرآة عاكسة لنبض الشارع في مجتمع تتضاعف فيه وترتفع نسبة من يستخدمون الإنترنت وهذه المواقع التواصلية، وشهد طفرة كبيرة في ذلك مع حقبة الربيع العربي. فضلاً عن ذلك، هو مساحة مهمة للحوار والتواصل وتطوير الأفكار ووسائل الاحتجاج، ولا يفصل بين ذلك والتحول نحو الحراك الجماهيري إلا خيط رفيع جداً، كما حدث في مرّات عدّة، وخصوصاً في 24 مارس/آذار 2011، عندما تأسست حركة احتجاجية كبيرة ومهمة عبر صفحة على موقع فيسبوك.

خلاصة القول، جاء الموقف الرسمي الأردني متأخراً ومتواضعاً وموارباً تجاه الأوضاع في غزة، مع محاولة تقييض المساعدات الإنسانية بالتصعيد الديبلوماسي، أو بعبارة أخرى "تسييس" هذه المساعدات.

أمّا المتغير الفاعل الحقيقي، الذي يفسّر هذا الموقف، فيتمثّل في أنّه جاء محكوماً بـ"الالتزام الحرفي" بموقف معسكر الاعتدال العربي، من دون إدراك خصوصية الحالة الأردنية، وفي جوهرها أنّ الشارع ينظر إلى القضية الفلسطينية بوصفها "شأناً داخلياً" بامتياز، فكان الهاجس الرئيسي للنظام الرسمي العربي هو عدم تسجيل انتصار سياسي ورمزي لحركة "حماس"، التي يُنظر إليها بوصفها خصماً، بعد الانقلاب العسكري المصري، وقرار دول خليجية بوضعها ضمن الحركات الإرهابية.