الولايات المتحدة وإيران: تفاصيل الشراكة المنكرة في سوريا والعراق

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

17/12/2014
السورية نت

ما كنّا نتحدث عنه منذ سنوات من تقاطع مصالح أمريكي – إيراني في المنطقة العربية، لم يصبح حقيقة فقط اليوم، بل تعداه إلى التنسيق والتعاون الثنائي الذي يتأكد يوماً بعد يوم منذ مجيء أوباما إلى البيت الأبيض.

لنتأمل سوياً هذه السلسلة من الأحداث المفصليّة الكبرى وكيف كانت ردّة فعل البيت الأبيض اتجاهها، ثم نعود لنعلّق من جديد على الاستنتاج الواضح الذي من الممكن لأي كان أن يخرج به.

في العام 2009، شهدت إيران انتفاضة عرفت باسم الثورة الخضراء، كانت الأعنف منذ اندلاع الثورة الإيرانية نفسها، وقد تعاملت أجهزة الأمن والحرس الثوري والباسيج بوحشية غير مسبوقة مع المنتفضين، ولكن وبدلاً من أن يكون هذا الحدث المفصلي فرصة للضغط على إيران، واصل أوباما سياساته الانفتاحية التي بدأها برسالة النيروز في مارس 2009 مفسحاً المجال للسلطات الإيرانية بتفسير موقفه بالضعف والتراجع. وبالفعل نجحت السلطات الإيرانية في قمع الانتفاضة الداخلية دون مواجهة أية عواقب تذكر، وبفضل ذلك قامت فيما بعد بتصدير خبراتها إلى لبنان وسوريا لقمع الثورات في هذين البلدين.

في العام 2010، كانت معظم الدول الإقليمية ومن بينها دول مجلس التعاون الخليجي وتركيا وإلى حد ما سوريا (قبل أن تعود وتغير في آخر لحظة) تدعم إياد علاوي والقائمة العراقية (شيعي على رأس قائمة سنيّة) كمخرج لإعادة اللحمة للشعب العراقي (السنة والشيعة) والنهوض بالعراق ودوره الإقليمي. ومن المعروف أنّ دور إياد علاوي كان يعني إعادة الاعتبار لعراق قومي وطني وتقليص النفوذ الأجنبي والإيراني تحديداً إلى أدنى مستوى له. وعلى الرغم من أنّ علاوي كان قد فاز في الانتخابات، إلا أنّ صفقة أمريكية – إيرانية جعلت المالكي رئيساً للوزراء بدلاً عنه. وجميعنا ويرى اليوم النتائج المدمرة لهذه الصفقة على أرض الواقع.

في العام 2011، اندلعت الثورة السورية وفاجأت العالم بأسره. وتكمن أهميّة الثورة السورية عدا عن كونها ثورة تحرر في الداخل، إلى أن من شأن نجاحها أن يغيّر معالم النظام الإقليمي برمته ويقلب التحالفات رأساً على عقب، وتطيح بالنظام الإيراني وتوابعه في المنطقة على الأرجح، مع ما لهذا من انعكاسات استراتيجية على الصعيد الإقليمي والدولي.

بمعنى آخر، الثورة السورية هي فرصة تأتي مرة كل مائة عام، وبالنسبة إلى أطراف لطالما صدّعت رؤوسنا بالحديث عن انزعاجها من إيران كالولايات المتحدة فقد كانت الفرصة المثالية. ولكن وبدلاً من أن تقوم واشنطن بدعم هذه الثورة أو على أقل تقدير منع الطرف المعادي للثورة من تلقي الدعم الخارجي الإيراني، أجرت واشنطن لقاءات سريّة مع طهران على مستويات عدة.

في العام 2012، وهو العام الذي بلغت فيه الثورة أشدها، وكانت تسيطر على أجزاء واسعة من الأراضي السورية، تدفقت الميليشيات الشيعية التابعة لإيران والحرس الثوري إلى سوريا، وألقت إيران التي كانت في أوج ضعفها بكل ما لديها لمنع انهيار الأسد، لكن مرّة أخرى كان الرد الأمريكي بالتحضير للقاءات سريّة جرت لاحقاً في سلطنة عُمان.

العام 2013، العام الكارثة، شهد استخدام الأسد للسلاح الكيماوي، كيف ردّت إدارة أوباما؟ أجرت لأول مرّة منذ عام 1979 محادثة ودّية مع الرئيس الإيراني حسن روحاني وتم التوصل في نهاية العام لاتفاق حول إطار البرنامج النووي الإيراني وصف بالتاريخي!

العام 2014، صعود تنظيم "داعش" نتيجة سياسات إيران وحلفائها في كل من سوريا والعراق، ونتيجة طبيعة الرد الأمريكي على التحديات خلال السنوات الخمس الماضية. وقد شهد هذا العام بدوره عودة التنسيق الأمريكي مع كل من النظام الإيراني بما فيه الحرس الثوري والميليشيات الشيعية الموضوعة على قائمة الإرهاب في واشنطن، والحكومة العراقية ونظام الأسد!! وقامت إيران للمرة الأولى منذ الحرب الإيرانية – العراقية بالإغارة على أهداف داخل العمق العراقي.

من المستحيل على أحد أن ينكر بعد هذه المعطيات المتسلسلة وجود شراكة بين الإدارة الأمريكية ونظام الملالي. ولا يقف هذا الاستنتاج عند حدود حلفاء واشنطن في المنطقة بمن فيهم دول مجلس التعاون الخليجي وتركيا، بل يتعداه إلى الأمريكيين أنفسهم.

في الثالث من ديسمبر الحالي، ألقى "مايكل دوران" وهو زميل أول في معهد هادسون شهادة أمام لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي حول إيران. وفي شهادته تحدّث بطريقة الذي يريد أن يقول شيئاً على لسان شخص آخر، عن وجهة نظر حلفاء أمريكا في المنطقة وإلى التنسيق والتعاون القائم بين واشنطن وطهران والتي سمّاها "الشراكة الصامتة".

وقد ذكر "دوران" أنّه وعندما انخرطت إيران بشكل فظ وعلني مع حزب الله في سوريا، جاء حلفاء الولايات المتحدة إلى واشنطن ليطلبوا من أوباما أن يقوم برد فعل اتجاه ذلك، لكن وبدلاً من اختيار الاحتواء، ذهب أوباما إلى خيار التسوية المؤقتة مع طهران. وحسب "دوران" فقد منح هذا العمل لإيران اليد العليا في سوريا، وقد كان هذا بالنسبة لحلفاء واشنطن في المنطقة عملاً خطيراً لأن سوريا بالنسبة لهم ليست مجرد حرب أهلية وإنما أرض المعركة الرئيسية لنظام إقليمي جديد، وبدلاً من ذلك كانت الخطوة الأمريكية بمثابة دفعة لصعود إيران من جديد.

نستنتج من كلام "دوران" أنّه وفي كل مرّة كانت الإدارة الأمريكية أمام خيارين يتعلقان بإيران، فإنها كانت تختار الوقوف إلى جانب إيران كما يرى حلفاؤها. وفي حين كان أوباما يؤكد دائماً أنّ انفتاحه على إيران يدفعها نحو  الاعتدال والعقلانية باتجاه أمريكا، فإن الحقائق كما يراها حلفاؤه تقول إنّ التحول الاستراتيجي حصل في الإدارة الأمريكية باتجاه طهران وليس العكس.

ويقول "دوران" إنّه ومنذ الاتفاق النووي مع إيران في العام 2013، كان هنالك خمسة توجهات في السياسة الخارجية الأمريكية تعمّق الاعتقاد السائد لدى حلفاء واشنطن في منطقة الشرق الأوسط بوجود شراكة صامتة بين واشنطن وطهران، وهي:

  • أولاً: يرى حلفاء واشنطن في المنطقة أنّ هناك تعاوناً متزايداً بين الولايات المتحدة وإيران على المستوى الدبلوماسي وعلى مستوى العمليات العسكرية. إنكار "جون كيري" لهذا الأمر واستخدام مصطلح "سحب فتيل النزاع" للتعبير عن الوضع في العلاقات الأمريكية الإيرانية الحالية، لم يغير من قناعة أحد ولا من تصوراتهم حيال هذا الأمر.
  • ثانياً: لم يغير  المستوى المتزايد من التعاون مع إيران من سلوكها الذي عرفت به تاريخياً في المنطقة، بل على العكس زاد من التهديدات التي تحملها إيران لحلفاء واشنطن .
  • ثالثاً: الولايات المتّحدة رفضت مراراً وتكراراً دعم المعارضة السورية، وعندما كانت تفعل لم تكن تلتزم عملياً، وقد فهم حلفاء واشنطن من هذا أن الإدارة الأمريكية باتت تعتبر سوريا منطقة نفوذ وتأثير إيراني لا تريد المساس به.
  • رابعاً: الولايات المتحدة تتخذ خطاباً عدائياً اتجاه حلفائها في المنقطة.
  • خامساً وأخيراً: سلوك الإدارة الأمريكية في المفاوضات النووية أكّد تصورات حلفاء واشنطن في المنطقة، بل ويعتبرون أن هناك ضعفاً ووهناً أمريكياً، وأنّ الإدارة الأمريكية هي من تبحث على ما يبدو على ما يحفظ ماء وجهها في الاتفاق وليست إيران!

إذاً، وبعد ما ذكرته أعلاه معطوفاً على ما جاء في شهادة "دوران"، يبدو أنّ كل هذه المحطّات لم تكن كافية لبعض حلفاء أمريكا في المنطقة للقيام برد فعل يمكن من خلاله التأثير على التوجه الأمريكي، ويكون بمثابة صفعة للإدارة الأمريكية توقظها من الوهم الذي تخوض فيه. البعض قد يجادل أنّه ليس بالإمكان القيام بشيء، فحلفاء واشنطن الأقوى لم يفعلوا شيئاً. صحيح أنّ إسرائيل لم تستطع أن تثني واشنطن عن مواصلة تقربها من إيران، لكنّ إسرائيل تعرف أنّ أمنها سيتم صونه وضمانه بأي اتفاق يصل إليه الطرفان، بالإضافة إلى أنّ تل أبيب قامت بتحديد أولوياتها الخاصة في عدد من الملفات بعيداً عن الأجندة الأمريكية كالاستيطان في فلسطين وخطوطها الحمراء في سوريا، وهي تمتلك دوماً (نظرياً على الأقل) خيار مهاجمة إيران دفاعاً عن مصالحها وبالتالي إفشال أي اتفاق أمريكي- إيراني لا ترغب به.

أما تركيا، فقد اختلفت ولا زالت تختلف بشكل علني مع واشنطن في عدد من الملفات الإقليمية وعلى رأسها سوريا، وهي وإن لم تستطع بعد دفع واشنطن لمراجعة حساباتها، إلا أنها تلعب دوراً مزعجاً للإدارة الأمريكية، ولا تزال تتمسك بمطالبها وتمارس كل ما في وسعها لتحقيق هذه المطالب، وهي في النهاية تمتلك خيارات أوسع في التأقلم مع الأوضاع في حال لم تنجح في مسعاها، سواء فيما يتعلق بالعلاقة الأمريكية – الإيرانية، أو العلاقة الأمريكية – الإسرائيلية، وهو ترف لا تمتلكه بعض الدول العربية الإقليمية الكبرى.

هناك تحول استراتيجية يجري في المنطقة، والهلال الشيعي الذي لطالما أنكره كثيرون في السنوات الماضية واتهموا من يتحدث عنه بالطائفية أصبح حقيقة يتحدث عنها الإيرانيون أنفسهم، والشراكة الأمريكية الإيرانية تبدو أكثر وضوحاً يوماً بعد يوم، نعم سيتغير وجه المنطقة، ولكن للأسوأ، خصوصاً إذا لم يكن هناك رد فعل مشترك لوقف هذه الشراكة.