اليمن ليست سوريا.. عمّ تبحث المملكة؟

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

9/4/2015
السورية نت

كان للانتصار الذي حققته ما تُعرف بالثورة الإسلامية الإيرانية (١٩٧٩) دورٌ بارز في تشجيع جماعات الإسلام الحركي الشيعي التي أنيطت بها مهمة تصدير تلك "الثورة" وقيادة جبهة "المقاومة" (مقاومة الحكومات)، كما في لبنان واليمن (جماعة "أنصار الله" الحوثي في اليمن ١٩٩٢، المقاومة الإسلامية في لبنان "حزب الله" ١٩٨٢). وكان لأحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول وما تبعها من الغزو الغربي لأفغانستان (٢٠٠١) والعراق (٢٠٠٣) بالغ الأثر في تبيان تطرّف تلك الجماعات وتقويتها، وتأطيرها أيديولوجياً، فرفع حسين الحوثي شعار "الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل" بعد هذه الأحداث مباشرةً، وقويت شوكة تنظيم "حزب الله" للمرة الثانية بعد مرة أولى أفرزها الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان في عام ٢٠٠٠، وتمتنت مرتكزاته على الصعيدين الشعبي والرسمي العربي، رغم اتهامه باغتيال رفيق الحريري ٢٠٠٥، مع حرب تموز ٢٠٠٦.

بعد أقل من عقد على ذلك التاريخ؛ فشلت ميليشيا حزب الله في هزيمة ثوار سوريا، وتراجعت شعبيتها إلى حدّ الصفر في الأوساط العربية بعدما ارتكبته من مجازر بحق السوريين، ونتيجةً لانكشاف خلفيتها الطائفية غير المنسجمة مع ديموغرافية المنطقة وهويتها الحضارية. لذلك استدعت إيران جنديها "قاسم سليماني" لقيادة العمليات من المقدمة في سوريا بدلاً من الأسد وحزب الله.

في تلك الأثناء، كانت جحافل الحوثي قد استولت على العاصمة اليمنية صنعاء وفرضت سيطرتها على حكم اليمن، بعد أن خاضت ٦ حروب مؤلمة مع نظام علي عبد الله صالح، الذي عاد ليتحالف معها بعد سنوات قليلة بهدف الانتقام من الثورة اليمنية والانقلاب على المبادرة الخليجية التي أفرزت ترتيبات المرحلة السياسية لما بعد نظامه. والحوثيون، بهجومهم هذا، نجحوا في نظر طهران، مقارنةً بـما حققه حزب الله، فقدمت لهم كل الدعم اللازم، غير واضعة في حسبانها أن حلفاً إقليمياً عسكرياً قد يقوم في المنطقة لمواجهة غزوها هذا، خصوصاً وأن العلاقات بين السعودية ومصر من جهة وتركيا وقطر من جهة أخرى لا تزال متوترة بفعل إرهاصات الانقلاب العسكري المصري.

في الحقيقة لم تكن أمام الحوثيين أي فرصة للاستيلاء على بضعة أمتار خارج محافظة صعدة لولا الدعم الكبير الذي قدمه موالو علي عبد الله صالح لهم، إضافة للتغطية السياسية والدعم العسكري الإيراني، علاوة عن الالتفات الكامل لدول الخليج العربي إلى ملف الإخوان المسلمين في شده وجذبه، سواء في داخل مصر أم في داخل اليمن، وكذا انشغال الخليج بملف (داعش).

ولكن يبدو أن تنصيب الملك سلمان بن عبد العزيز، لم يغيّر فحسب من أولويات السياسة الخارجية السعودية، بل وأفرز تحوّلاً جذرياً في الإقليم، فكان منه أن انتقل إلى إعادة ترميم تحالفات السعودية مع قطر وتركيا وباكستان، تاركاً لمصر الخيرة من أمرها بين الانخراط الكامل أو الحياد الاستراتيجي.

كان استيلاء جماعة الحوثي على الحديقة الخلفية للمملكة بمثابة صفعة قاسية، ولكنها مثّلت فرصة جوهرية لدولة قوية مثل السعودية لخوض حربٍ شرعية ستحقق لها:

١- إعادة تعريف الجهاد السني الوطني المعتدل الذي لا يعادي الغرب وإنما يعادي الإرهاب بكافة أشكاله.

٢-  إعادة إثبات أهمية الدور الخليجي عموماً والسعودي خصوصاً في تحقيق التوازن الإقليمي في مواجهة إيران.

٣- إعادة ثقة الشعوب العربية والمسلمة بدول الخليج وقطع الطريق أمام إيران لتحريك عملائها وإحداث خلخلة في الأنظمة الخليجية.

٤- إضعاف تأثير نبرة الخطاب الجهادي العالمي على الشباب المسلم، وخلق البديل الشرعي أمامه.

٥-  حسر النفوذ الإيراني في اليمن وتدمير الخطر الذي يمثله الانقلاب الحوثي.

 

ولا شك أن لدى التحالف الذي شكلته مجموعة من ١٠ دول، هي عديد دول الخليج العربي، عدا عمان، بالإضافة إلى باكستان ومصر والأردن والمغرب والسودان، تنسيقاً عالي المستوى مع بعض الدول الغربية، ذلك أن الحوثيين و"صالح" انقلبوا على ترتيب قانوني دولي ورئيس جرى التفاهم الدولي عليه قبل وهلة، وهذا ما لم يتحقق للمعارضة السورية التي هي أقرب ما تكون اليوم لحركة تحرر وطنية لم تفز بالاعتراف القانوني الدولي حتى اللحظة.

اعتادت دول الخليج العربية القتال بالمال مع الاستعانة بالدعم الأمريكي، ولكنها اليوم تقاتل بالمال والرجال في معركة مصيرية بعد أعوام من الجمود، وهذا ما أحيا لدى دول المنطقة ولدى الشعوب العربية، الأملَ بأن تتبع هذه الخطوة خطوات في سوريا والعراق لمواجهة الزحف الإيراني بكافة أشكاله، وقطع الطريق على "الجمهورية الإسلامية" أمام التفاهم مع الغرب على قيادة الحرب البرية ضد تنظيم الدولة الإسلامية "داعش".

وهنا يعقد السوريون والكثير من المحللين العرب، الأملَ على تركيا في أن تتخذ موقفاً مشابهاً في سوريا، ذلك بأن تفرض حظراً جوياً فوق الشمال السوري. والحقيقة أن العدالة والتنمية لن يخاطر بالدخول منفرداً في قيادة تحرّكٍ ما، خصوصاً وأن انتصارات الشمال والجنوب السوري الأخيرة ستدفع إلى الاعتقاد بأن تحرك الأتراك لن يكون على النموذج الخليجي ما لم تتوضح ردة الفعل الإيرانية على أحداث اليمن، وما لم تستشف درجة القبول الأمريكي لمثل هذا التحرك من الشمال، يُضاف إلى كل ذلك اقتراب تركيا من موعد استحقاق انتخابات برلمانية، لا يُراد تعكير صفوها أو تغيير أذواق ناخبيها، خصوصاً وأن أعمالاً إرهابية، نفذها متطرفون، يتبعون التيار الموازي على الأرجح، كانت قد استهدفت مقرات حكومية في أوائل شهر نيسان/ إبريل ٢٠١٥.

يمتلك الخليج العربي مخزوناً هائلاً من الأسلحة، وقوة إعلامية كبيرة، ويحظى بدعم دبلوماسي غربي وأمريكي كامل، بالإضافة لتمتعه بالمشروعية المتأتية من القوى الإسلامية السنية في المنطقة، على مستوى الشعوب والجماعات، وهو اليوم يجمع أهم دول المنطقة، على اختلافاتها، في حلفٍ واحد لمواجهة المد الإيراني، وهو إذ يبدو كذلك، فإنه ليس من المستبعد أن تتناغم ضربات قوى التحالف العربي بعملية "عاصفة الحزم" ضد انقلاب الحوثيين في اليمن، مع وقائع عسكرية فارقة على مستوى مدن كبرى كـ (حلب) أو حماة في سوريا في المدى القصير بعد إدلب، كرسالة واضحة للإدارة الإيرانية، ولمراكز صنع القرار في الغرب، بأن لغة حوار جديدة وتحالفات إقليمية متينة ستتقنها دول المشرق لسنوات قادمة، وفق اللغة التي تتكلمها.