انتفاضة في القدس مجددا

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

24/7/2017
العرب اللندنية
المؤلف: 

لا أحد يستطيع التكهّن بتطورات الوضع في مدينة القدس، والأراضي الفلسطينية المحتلة، نتيجة المواجهات الدائرة هذه الأيام، رداً على قيام إسرائيل بمحاولة تكريس سلطتها على المدينة المقدسة وانتهاكها لحرمة المجلس الأقصى.

ومثلاً، ففي العام 2006 اندلعت انتفاضة النفق، نتيجة قيام إسرائيل، في أول عهد لبنيامين نتنياهو في رئاسة الحكومة، بحفر نفق تحت المسجد الأقصى، وقد نجم عن تلك المواجهات مصرع 65 فلسطينيا مقابل 17 إسرائيلياً، وهي هبة شاركت فيها قوات الأمن الفلسطينية، وكانت أول مواجهة فلسطينية – إسرائيلية بعد اتفاق أوسلو وإقامة السلطة (في العام 1993).

وفي العام 2000 تسبب انتهاك أرئيل شارون لحرمة المسجد الأقصى بحماية قوات الاحتلال في اندلاع الانتفاضة الثانية (2000 – 2004)، التي نجم عنها مصرع حوالي 5000 من الفلسطينيين مقابل 1040 من الإسرائيليين.

وفي التاريخ الفلسطيني كان حصل مثل ذلك في العام 1929، في ما عرف بثورة “البراق”، إذ شهدت القدس وباقي المدن الفلسطينية مواجهات دامية بين الفلسطينيين والمستوطنين الصهاينة المتطرفين، الذين اعتبروا أن “حائط البراق” (الجزء الجنوبي من الجدار الغربي للقدس)، الذي يسمونه “حائط المبكى”، ملكهم وأنه جزء من “هيكل سليمان”، وقد نجم عن تلك المواجهات مصرع 116 من الفلسطينيين مقابل 133 يهودياً.

وقد تدخلت سلطات الانتداب البريطاني لصالح المستوطنين وقتها. وكانت حصلت مجزرة في باحات المسجد الأقصى لدى محاولة مجموعة من المستوطنين اقتحام المسجد الأقصى (أكتوبر من العام 1990)، لوضع حجر الأساس لبناء الهيكل الثالث، بحماية قوات الجيش الإسرائيلي، حيث تصدى لهم الفلسطينيون، ما أدى إلى مصرع 21 منهم.

هكذا فمنذ احتلال إسرائيل بقية الأراضي الفلسطينية (1967) ظلّت مدينة القدس تتمتّع بمكانة متميّزة في إدراكات واهتمامات الفلسطينيين، وحركتهم الوطنية، باعتبارها رمزاً تاريخياً ودينياً ووطنيا في آن واحد، وقد تم التعبير عن ذلك في مجمل الوثائق الرسمية الصادرة عن منظمة التحرير والفصائل والهيئات الفلسطينية الجمعية، وضمنها “إعلان الاستقلال”، الذي أعلن فيه المجلس الوطني الفلسطيني “قيام دولة فلسطين… وعاصمتها القدس الشريف”. (الدورة 19 في الجزائر، نوفمبر 1988)

بديهي أن التعامل مع هذه القضية ظل يتطور، من مختلف النواحي، بحسب تطورات القضية الفلسطينية، كما ظلّ يتعقد مع تعقّدها، سواء تعلق الأمر بقضايا الصراع، أي مقاومة سياسات الاحتلال والاستيطان ومصادرة الأراضي ومحاولات التهويد والتهجير، أو تعلق بعملية التسوية والخيارات المتاحة.

وقد يفيد التذكير هنا بأن الحركة الوطنية الفلسطينية عندما كانت تطرح برنامج التحرير لم تكن ثمة قضية خاصة للقدس، أو لأي قضية أخرى، إذ كان مفهوم التحرير يتضمن استعادة القدس (شرقية وغربية)، وعودة اللاجئين. والمعنى أن قضية القدس تميّزت بعد التحول من برنامج التحرير إلى برنامج التسوية، أو حل الدولتين، وعلى أساس إنهاء احتلال إسرائيل للضفة الغربية وغزة، واعتبار القدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية القادمة.

في هذا الإطار فقد شمل التعاطي الفلسطيني مع قضية القدس ثلاث مسائل:

الأولى تتعلق باعتبار القدس مدينة مقدسة يقع فيها المسجد الأقصى، أولى القبلتين وثالث الحرمين، وكمدينة مقدسة لكل الأديان السماوية.

والثانية، تتعلق بالبعد الوطني – السياسي، إذ يتكثف الصراع في هذه المدينة، التي تعتبرها إسرائيل عاصمة لها، سيما مع محاولاتها تغيير طابعها الديمغرافي، وتغيير معالمها، وتعزيز استيطان اليهود فيها.

والثالثة، في الجانب الحقوقي المتعلق بكشف سياسات إسرائيل ومقاومتها، بخصوص مساعيها الدؤوبة للتضييق على فلسطينيي القدس، لتهجيرهم منها، والسيطرة على بيوتهم وأراضيهم، وتبنيها سياسة هدم المنازل.

وكانت أعلى تجليات الكفاح الفلسطيني من أجل القدس تجلّت في الانتفاضة الأولى (1987- 1993)، إذ أضحت بمثابة عاصمة فعلية للفلسطينيين ومركزا قياديا لانتفاضتهم، سيما مع وجود القيادة الرسمية في الخارج (وقتها)، ومع بروز شخصيات مقدسية ذات مصداقية كان على رأسها المرحوم فيصل الحسيني.

وقد برز في تلك الفترة مركزان لعبا دورا كبيراً في الانتفاضة، الأول، هو المسجد الأقصى، إذ باتت صلاة الجمعة، التي كان يحتشد فيها مئات ألوف الفلسطينيين، بمثابة واحدة من أهم مظاهر الانتفاضة ورفض الفلسطينيين للاحتلال، والتحريض على المقاومة. والثاني “بيت الشرق”، الذي كان بمثابة مركز توجيه للانتفاضة، وكمعبر عن الفلسطينيين في الأرض المحتلة، إذ بات مقرا يزوره وزراء أجانب وسفراء وقناصل ومراسلو وسائل إعلامية.

بيد أن ما يؤخذ على القيادة الفلسطينية التي ظلت تولي القدس مكانة خاصة ومركزية، في أطروحاتها المتعلقة بالتحرير أو بالتسوية، خاصة مع اعتبارها عاصمة لدولة فلسطين القادمة، رضوخها في اتفاق أوسلو (1993)، تأجيل البتّ بمصير هذه المدينة (مثل قضية اللاجئين والحدود والمستوطنات). وفي الواقع فإن هذا التأجيل، مقابل اعتراف إسرائيل بمجرد سلطة فلسطينية، هي في حدود الحكم الذاتي، كان في صالح إسرائيل، بحسب ما بيّنت التجربة، إذ استغلته لتكريس وجودها وهيمنتها على حياة الفلسطينيين وأراضيهم وفي تعزيز الاستيطان وتهويد القدس.

في ما يتعلق بالهبة الشعبية الراهنة لنصرة القدس، ثمة مشكلتان أساسيتان، أولاهما، أن القيادة الفلسطينية في محاولتها التجاوب مع الهبة الشعبية، بوقفها كل الاتصالات مع إسرائيل، لم تهيء نفسها ولا شعبها لهكذا تحدي طوال الفترة الماضية، وهي مطالبة بمراجعة تجربتها وخياراتها، وإعادة تأهيل أوضاعها وأوضاع الكيانات الوطنية لمواجهة التحديات الإسرائيلية.

وثانيهما أن هذه الهبة بحاجة إلى عمق عربي وآخر دولي، والمشكلة أن الأوضاع في المشرق العربي ليست على ما يرام، ما يعني أن إسرائيل تشعر بأنها أضحت مطلقة اليد في البطش بالفلسطينيين، الأمر الذي يفترض التحكم بوتائر هذه الهبة وعدم تركها للعفوية والمزاجية والاستغلال الإسرائيلي. مع ذلك فإن هذه الهبة هي جزء من مسار طويل ومعقد من الصراع بين إسرائيل، كمشروع استعماري استيطاني وعنصري وديني، وبين الفلسطينيين الذين يدافعون عن حقوقهم كشعب.

تعليقات