انخفاض أسعار النفط: من يستهدف من؟

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

العربي 21

عندما يتعلق الأمر بانخفاض او ارتفاع أسعار النفط بشكل سريع ومفاجئ، غالبا ما يعزى ذلك الى مجموعة من الأسباب دفعة واحدة، ويبدأ الخبراء بالإدلاء بدلوهم في الموضوع لنكتشف حينها أنّهم زادوا الوضع غموضا بتفسيراتهم المتعددة بدلا من إيضاحه.

منذ شهر  يوليو 2014 والاسعار تواصل هبوطها بشكل سريع، اذ فقد برميل النفط حوالي 28% من قيمته خلال ثلاثة أشهر فقط اي منذ يوليو وحتى نهاية أكتوبر، وواصل هبوطه بعد ذلك الى 45% ليصبح بذلك سعر برميل النفط حوالي 63 دولارا وهو أدنى مستوى يصل اليه منذ حوالي 5 سنوات.

وامام هذه المعطيات، من الطبيعي ان تطرح تساؤلات من قبيل ما هي الأسباب ومن المستفيد ومن الأكثر تضررا وهل هو امر سيء أم جيد؟ ولمن؟ في الاجابة على هذه التساؤلات طرحت العديد من التفسيرات والتحليلات التي لاحظنا أنّها متضاربة ومتناقضة، ما يعني انّ العملية غير واضحة على أقل تقدير.
.
هناك نظريتان شائعتان في باب لماذا هوت الاسعار بشكل سريع ولماذا تواصل هبوطها. النظرية الأولى تقول أنّ هناك من يستخدم النفط كسلاح إنما ليس بايقاف انتاجه هذه المرة بل باغراق السوق به، وبهذا المعنى فان انخفاض الاسعار ناجم عن قرار سياسي تم اتخاذه بناءا على تخطيط ودراية وقرار مسبق.

النظرية الثانية تقول أنّ أسعار النفط كانت مرتفعة وتدور حول 100 دولار للبرميل، وهذا ادى الى قيام العديد من الشركات لاسيما في الولايات المتحدة الامريكية وكندا باستخدام تقنيات حديثة لاستخراج نفط من اعماق الأرض او تحويل النفط الصخري لأنه أصبح مجديا من الناحية الاقتصادية. وقد أدت هذه العملية الى ضخ حوالي 4 مليون برميل اضافي من النفط الى الأسواق.

ومع عودة بعض المصدّرين للتصدير من جديد بكميات أكبر كليبيا والعراق وتراجع الطلب على النفط من الاقتصادات الكبرى لاسيما في آسيا الصين واليابان ومعهما ألمانيا  أصبح هناك تخمة في الأسواق وتراجع على الطلب وقد ادى هذا الى انخفاض سريع في الأسعار ، وفي مثل هذه الحالة يصبح لدى الدول الكبرى المنتجة للنفط خياران، اما ان تقلّص انتاجها من النفط لترتفع الأسعار من جديد (ولكن في هذه الحالة هي تخاطر بخسارة حصتها من السوق، وقد لا يلتزم آخرون بالتخفيض بل يزيدوا الانتاج لأخذ هذه الحصة فتبقى الاسعار منخفضة وتخسر الجهة التي خفّضت الانتاج) وإما أن تحافظ على كمية انتاجها للحفاظ على حصتها في السوق مقابل تحمّلها لخسائر ناجمة عن الانخفاض في السعر الى ان تتعدل قوى العرض والطلب.

أما الذين يرون انّ الانخفاض في الأسعار ناجم عن استخدام النفط كسلاح، فتتعدد أيضا مقولاتهم حول الجهة التي تستخدمه وضد من يسنخدم في الحقيقة. وفي هذا الاطار، هناك ثلاث نظريات منتشرة على نطاق واسع، كلّها تركّز على المملكةالعربية السعودية.

الأولى تقول انّ السعودية زادت من انتاج النفط بشكل كبير ودفعت دول الخليج العربي للالتزام ايضا بالزيادة وانّ المستهدف من هذه العملية هو ايران.

أصحاب هذه النظرية يعتبرون أنّ هذه الخطوة قائمة على استراتيجية تهدف الى الضغط على ايران سيما وأنّ السعودية وباقي دول المجلس قادرة على تحمّل الخسائر الناجمة عن انخفاض الأسعار نتيجة مراكمتها للفوائض خلال السنوات الماضية، بينما لن تستطيع طهران الصمود لوقت طويل خاصة انها تحتاج الى ان تكون الاسعار فوق 100 دولار لتحقيق موازنتها، وان عدم قدرتها على تحقيق ذلك سيدفعا للبحث عن موارد اخرى كقطع الدعم او رفع الضرائب وهي خطوة غير شعبية قد تؤدي الى ردات فعل سلبية في الداخل الايراني.

أما المقولة الثانية فمفادها أنّ الولايات المتحدة بالتعاون مع السعودية قررتا معاقبة روسيا على موقفها من أوكرانيا و سوريا وانّ الهدف من ذلك جعلها تدفع ثمن موقفها اقتصاديا، اذ انّ موسكو تعتمد في موازنتها على حوالي 45% من عائدات النفط كما انّها حسبت موازنتها للعام 2015 على اساس 100 دولار للبرميل، واذا ما اخذنا ذلك بعين الاعتبار مصحوبا بتراجع كبير في سعر صرف الروبل وبامكانية ان لا يشهد الاقتصاد الروسي اي نمو في العام 2015 فان ذلك يعني انه سيكون على روسيا استنزاف احتياطاتها من العملة الصعبة أو تخفيض الانفاق، ما قد يعني المزيد من التراجع الاقتصادي.

بالاضافة الى ذلك، هناك مقولة ثالثة وهي انّ السعودية تحاول ان تضغط على الولايات المتّحدة وانّ الهدف من اغراق الأسواق جعل عملية استخراج النفط الصخري واستخراج النفط من أماكن عميقة غير مجدية اقتصادياً وبالتالي دفع الشركات الأمريكية والكندية الى ايقاف انتاجها أو الى الإفلاس والعودة للاعتماد على المملكة، وهي فرضية تتقاطع مع من يقول انّ منظمة أوبك تحاول من خلال تقنية الاغراق استعادة دورها في السوق الدولية من خلال تعطيل الانتاج القادم من مصادر حديثة.

المثير للاهتمام في هذه النظرية انّ هناك من بدأ يقول انّ صناعة انتاج النفط الصخري ستبقى قائمة حتى مع انخفاض سعر النفط على اعتبار انه سيستحيل ابقاء الاغراق قائما والأسعار منخفضة لمدة طويلة بالنسبة للدول المنتجة التي تقوم بذلك، وبالتالي فان صناعة انتاج النفط الصخري ستعاني من خسائر في الأرباح فقط وليس في الأصول.

وبغض النظر عن كل ما قيل، شخصيا لا اعتقد أنّ ما يحصل هو خطوة محكمة من قبل السعودية لاستهداف ايران وذلك لعدّة أسباب أهمّها انّه في حال افترضنا ان الاغراق هو أداة سعودية للتأثير على ايران فاني لا استطيع ان ارى الخطة الكبرى التي يتم توظيف هذه الأداة فيها. 

بمعنى آخر، أين هي الاستراتيجية السعودية ضد ايران؟ وكيف سيخدم ذلك هذه الاستراتيجية ان وجدت؟ هل الضغط السعودي الذي يتزامن مع المراحل النهائية للمفاوضات النووية هو لقبول ايران بالاتفاق النووي مع واشنطن؟ اذا كان هذا هو الوضع، فمن يقول انّ الاتفاق سيكون في صالح المملكة او دول الخليج؟ هل الضغط بالاغراق هو لدفع ايران للتراجع في اليمن والعراق وسوريا ولبنان؟ اذا كان كذلك فكيف سيتم هذا الأمر؟ ولماذا لم يتم استخدامه من قبل عندما كانت الفرصة سانحة جدا لتحطيم ايران اقتصاديا اي في العام 2012.

المفارقة انّ صحيفة وول ستريت جورنال ، كانت قد نشرت تقريرا قبل أيام حول الرابحين والخاسرين جراء تراجع أسعار النفط قدّرت فيه خسائر وأرباح عدد كبير من الدول المنتجة والمستهلكة. ووفقا للتقرير، فان المملكة العربية السعودية تأتي على رأس قائمة أكبر الخاسرين بمبلغ يقدّر بحوالي 118 مليار دولار، بينما تأتي روسيا بالمرتبة التالية بخسائر تقدّر بحوالي 100 مليار دولار، أمّا ايران وهي الجهة التي من المفترض انها مستهدفة، فان حجم خسائرها وفقا للتقرير تقدّر بحوالي 18 مليار دولار فقط! في مقابل أرباح للولايات المتّحدة تقدّر قيمتها بحوالي 90 مليار دولار. 

اعتقد انّ الأمر يعود على الأرجح للتفسير المتعلق بالنظرية الثانية، وأنّ الباقي هو مجرّد أضرار جانبية يحكمها معيار اي اللاعبين أكثر قدرة على تحمّل الخسائر، وهي معادلة اقتصادية يريد البعض ان يفسرها سياسيا كما يحلو له خاصة انّ الموضوع يحتمل تلاعبا من هذا النوع.