بقي الوادي ورحل الضيف الثقيل

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

شؤون خليجية

ضيف ثقيل غير مرغوب به، حلّ على إدلب لسنوات، فتحول إلى عدو حقيقي لمن استضافوه، ينشر الموت والخراب والدمار في بيوتهم، وحوّل حياتهم، وحياة جيرانهم إلى جحيم على مدى سنوات، لم يدع بيتاً دون شهيد أو جريح أو مفقود أو مشرد، الكل فُجع بحلوله.

ظن الضيف الثقيل الذي دجج نفسه بالسلاح حتى أسنانه أن حصونه مانعته من الله وجنوده، فأتاه الله  من حيث لم يحتسب، إنه وادي الضيف ومعسكر الحامدية يبلغ طولهما 13 كم وعرضهما 3 كيلومترات، ويضم كل ما تفتقت عنه العقلية الإجرامية الأسدية من دبابات وصواريخ وعربات وووقود لتسيير عجلة القتل والدمار في المنطقة كلها، تمكن المقاتلون من تحرير الوادي مع معسكر الحامدية وبينهما عشرات الحواجز الأمنية التي كان اسمها كفيلاً بإرعاب المنطقة كلها، وخسر النظام مئات القتلى والأسرى وغنم المجاهدون أكثر من 30 دبابة معظمها من الجيل الجديد 72، ومعها عشرات العربات العسكرية والمدفعية والأسلحة الثقيلة والخفيفة والذخائر وكميات كبيرة من الوقود، فقد لعب القدر الإلهي الضباب دوراً هاماُ في المعركة إذ غيّب الطيران طوال عمليات الاقتحام، فلا عدو للطيران أكثر من الضباب ..

خسارة النظام للموقعين العسكريين قلّصت المساحة التي يُسيطر عليها النظام إلى الثلث فقط، بينما تراجعت حظوظه المعنوية إلى الحضيض في إمكانية صموده أمام المقاتلين، فقد منح التحرير دفعة معنوية للمقاتلين في كل مكان، جعل أهالي دوما في الغوطة يخرجون بمسيرات ضخمة تبارك لإدلب انتصارها وتدعو المقاتلين في الغوطة إلى الاحتذاء بها في التوحد والعمل المشترك.

اللافت أن جبهة النصرة التي قادت الهجوم على وادي الضيف حرصت على إظهار صواريخ تاو الأميركية وهي تصطاد دبابات النظام السوري، وهي الصواريخ التي استولت عليها الجبهة مع عدد من الدبابات المستخدمة في الهجوم من جبهة ثوار سوريا بزعامة جمال معروف التي سيطرت على معاقله الشهر الماضي، أما أحرار الشام التي نفّذت الهجوم على معسكر الحامدية فقد تمكنت من مداواة جراحها بسرعة بعد العملية التي قتلت أكثر من أربعين من قيادات صفها الأول والثاني، ومع هذا فاجأت الجميع في  معالجة جراحها ورصّ صفوفها وتحقيق هذا الفتح الكبير.

رسائل وادي الضيف كانت متعددة الاتجاهات فالرسالة الأولى للنظام السوري الذي ظن من خلال العقيد سهيل النمر أن يفتح ريف إدلب على ريف حماة بعد سيطرته على مورك، فجاءت السيطرة على الوادي والمعسكر لتفصلهما تماماً وتهدد حماه وتفصل الساحل السوري عن الداخل، وتجعل من إعادة سيطرة النظام على معرة النعمان الواقعة على الطريق الرئيسي الواصل بين حلب ودمشق أبعد من الحلم عنه وبالتالي سيعزز ذلك من وجود المجاهدين على الطريق الرئيسي، وسيتم قطع التعزيزات عن  مدينة إدلب، مما سيوفر أيضاً الأمن النسبي للمشردين من  مدينة معرة النعمان وغيرها من الريف الإدلبي للعودة إلى مناطقهم بعد أن زال خطر ماحق عنهم..

أما الرسالة الثانية فقد كانت للوسيط الدولي دي ميستورا الذي كان يُروج لخطة إيرانية المنشأ كتبها له الصحافي الإيراني الأصل روزن المقرب من النظام السوري، وتقضي بتجميد الوضع بحلب ليتفرغ النظام السوري للتركيز على  جبهات أخرى، غير أن ما جرى في وادي الضيف وتحلل أكثر من 800 مقاتل من مهمة المرابطة على أسواره سيدفعهم لتعزيز جبهات أخرى، بغض النظر فيما إذا كانت وجهتهم  جبهة القرميد الثكنة العسكرية المهمة المحيطة بمدينة إدلب أو صوب حماة ومطارها الذي ينشر براميله المتفجرة يومياً على الشمال السوري، وبالتالي فهذه الهزيمة الاستراتيجية للنظام ضربت خطة الوسيط الدولي، لا سيما وهي تتقاطع مع انتصارات مهمة في درعا ومحيط دمشق، يعززه صمود اسطوري في حلب وريفها الذي أجهض خطة قاسم سليماني العسكرية  بمحاصرة حلب وضرب الثورة بالريف.

الرسالة الثالثة كانت للمناطق العلوية وهي ترى سقوط هذا العدد الكبير من أبنائها قتلى أو أسرى في الوادي ومعسكر الحامدية بينما فر كبار الضباط بمروحية خاصة بهم من معسكر الحامدية مخلفين وراءهم الجنود العلويين للقتل والأسر، وهو من شأنه أن يزيد من حالة الاحتقان والغضب في صفوفها ضد هذا النظام، وهو ما يذكر بما حل بالمئات من رفاقهم في مطار الطبقة والفرقة 17 بالرقة وما أطلقه الحدث حينها من غضب وسط الأقلية العلوية في الساحل، ليأتي مقتل وأسر المئات من الجنود في وادي الضيف ومعسكر الحامدية ليزيد من حالة الاحتقان المتصاعدة أصلاً، ويجعل مهمة النظام اليائسة في حشد الشباب للجبهات مهمة مستحيلة حيث يفضلون الهروب بالبوارخ إلى الخارج.

داعمو النظام من القوى الغربية وإيران وغيرهم يدركون تماماً المآزق التي يواجهها النظام، لاسيما وأن داعميه في روسيا وإيران يعانون من أزمات دولية واقتصادية في ظل عزلة دولية بسبب موقف روسيا في أوكرانيا أو بسبب انهيار أسعار النفط والعجز الكبير في موازنة كل من روسيا وإيران، وهو ما يجعل مسألة الاستثمار في النظام ودعمه مالياً وعسكرياً وحتى سياسياً غير ذي جدوى،  فالصراخ على قدر الألم..