بوليصة تأمين نووية

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

16/8/2107
العربي الجديد
المؤلف: 

منذ بدأ السباق بين ألمانيا النازية والولايات المتحدة على امتلاك قدرات عسكرية نووية خلال الحرب العالمية الثانية، بدا واضحاً أن هذا السلاح المدمر سوف يغيّر طبيعة الحروب، ومعها السياسة الدولية. الدليل على ذلك قدمته واشنطن، عندما استخدمت القنبلة النووية لضرب هيروشيما (6 أغسطس/ آب 1945) وناغازاكي (8 أغسطس/ آب 1945) لتفرض استسلاماً غير مشروط على طوكيو، وتنتقم من هزيمتها في الفيليبين عام 1942 على يد الأسطول الياباني الذي كان يقوده الأدميرال ياماماتو. 

خلال السنوات الأربع التالية، عاش الاتحاد السوفييتي حالة رُهابٍ من امتلاك خصمه الأميركي السلاح النووي، وقد رأى فعله في اليابان، فقرّر ستالين أنه لا بد من كسر احتكار الأميركيين التقنية العسكرية النووية، وهو ما حصل عام 1949 عندما سرّبت عائلة روزنبرغ الأميركية اليهودية (الزوجان إيثل وجوليوس) أسرار السلاح النووي إلى الاتحاد السوفييتي. فقط عندها صار ممكنا الحديث عن توازن قوى بين القطبين الأعظمين، لكن الأهم أن إمكانية الحرب بينهما صارت مستحيلةً، بسبب ظهور ما يسمى في الأدبيات العسكرية بتوازن الرعب، أو التدمير الشامل المتبادل الذي يتطلب، كي تستحيل الحرب معه، توفر ثلاثة شروط: 

الأول امتلاك الطرفين قدرات نووية ووسائل إيصالها، لأن امتلاك قنبلة نووية من دون القدرة على قصف الخصم بها تكون كمن يمتلك سهماً من دون قوس يرمي بها. لذلك تحرص الدول التي تملك سلاحاً نووياً، أو تسعى إلى امتلاكه، على تطوير برامج إيصالها، على شكل صواريخ أو طائرات أو سفن أو غواصات، حتى يغدو سلاحها رادعاً. الثاني، يجب أن يتمتع طرفا المعادلة النووية بصفة "العقلانية"، حتى تستحيل الحرب بينهما. لهذا تخشى الدول أن تقع أسلحة دمار شامل بيد كيانات "غير عقلانية"، أو انتحارية من دون الدولة التي تعد بالتعريف كائناً عقلانياً. الثالث، يجب أن يقنع كل طرف خصمه بأنه قادر على امتصاص الضربة النووية الأولى، والرد عليها بضربة نووية موجعة. لذلك نجد أن الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي بالغا خلال الحرب الباردة في بناء ترسانتهما النووية (آلاف الرؤوس)، وتوزيعها في البر والبحر والفضاء، بحيث يستحيل على الخصم تدميرها بضربة واحدة، وبما يضمن أن تبقى لديه القدرة على الرد بضربة نووية ثانية.

لم يستمر احتكار القوتين العظميين السلاح النووي طويلاً، إذ سرعان ما لحقت بهما بريطانيا (1952) وفرنسا (1960) والصين (1964)، فيما كانت إسرائيل تطوّر قدرات نووية منذ عام 1957. وفي عام 1969، قرّرت الدول المالكة السلاح النووي إنشاء ناد خاص بها، وإغلاق الباب بوجه الآخرين، فظهرت اتفاقية حظر انتشار السلاح النووي (NPT). إلا أن دولاً عديدة رفضت توقيعها، منها الهند التي أخذت تسعى إلى امتلاك سلاح نووي، منذ هزيمتها أمام الصين في حرب 1962، لتصبح قوة نووية عام 1974. لحقتها باكستان عام 1998، ثم كوريا الشمالية عام 2006. 

تحوّل السعي إلى امتلاك السلاح النووي لدى دول عديدة إلى مصدر اعتزاز وطني، لكن الأهم أنه أخذ يمثل بالنسبة لها "بوليصة تأمين" لردع أي هجوم عليها، خصوصا إذا كان مصدره قوة أكبر. هذا بالضبط ما فعلته كوريا الشمالية التي غدت إمكانية ضربها أو إطاحة نظامها أقل احتمالية منذ عام 2006. وينطبق الأمر نفسه على إيران التي مازالت تشعر، على الرغم من توقيعها الاتفاق النووي عام 2015، أن أمنها ونظامها مهدّدان بالخطر، طالما أنها لا تمتلك سلاحاً نووياً. 

المهم هنا أن كوريا الشمالية لم تخرق اتفاق عام 1994 بشأن برنامجها النووي، ولم تتسارع خطى إيران نحو امتلاك برنامج نووي عسكري إلا بعد غزو العراق عام 2003. هنا يسود اعتقاد واسع أنه لو كان لدى العراق سلاح نووي وبرنامج صاروخي لامتنعت الحرب ضده. كتبت مجلة فورين بوليسي الأسبوع الماضي: "اللعبة انتهت، ربحت كوريا الشمالية، وخسرت واشنطن"، لكن حقيقة الأمر أن واشنطن خسرت معركة الانتشار النووي عندما غزت العراق، وجعلت من السلاح النووي بوليصة تأمين فعلية لكل دولةٍ مهدّدة بأمنها. هل من يفكر عربياً بامتلاك بوليصة تأمين نووية، أم صار العرب مشمولين بالبوليصة الإسرائيلية؟

تعليقات