تأملات في الكذب "السياسي"

(خاص السورية. نت 13/ 09/ 2014)

وضع الفيلسوف ألكسندر كويريه Alexandre KOYRÉ كتاباً صغيراً وجميلاً سنة 1943 (حوالي 40 صفحة) أطلق عليه اسم Réflexions sur le mensonge. نستعرض هنا بعضاً من أفكاره لراهنتيها وانسحابها على واقعنا العربي اليوم.
ألكسندر كويريه فيلسوف فرنسي من أصل روسي. غادر روسيا سنة 1898. استقر في باريس ودرس تاريخ الفلسفة. طُبع الكتاب للمرة الأولى في نيويورك سنة 1943، ثم نُشر سنة 1993 تحت عنوان La Fonction politique du mensonge moderne. تُرجم النص إلى الإنكليزية والإيطالية. وهو بصدد الترجمة إلى اللغة العربية.

الكتاب: تأملات في الكذب السياسي

الكاتب: ألكسندر كويريه

طبع للمرة الأولى: 1943 ونشر عام: 1993 (في صدد الترجمة إلى العربية)

عدد الصفحات: 40

يحلل كويريه في كتابه تأملات في الكذب، الكذبَ عند الأنظمة الشمولية الديكتاتورية التي تقوم على مبدأ الاصطفاء والأولوية. والكتاب بالرغم من قِدمه أداة مهمة لفهم آلية عمل بعض الأحزاب السياسية لما فيه من عرض لمفهوم "مؤامرات وضح النهار" الذي يثبت فيه أن المستبد متآمرٌ وصاحب فكر باطني ومن تحليلٍ أنثروبولوجي للاستبداد: "لم يحدث في تاريخ البشرية أنْ استفحل الكذب بهذا الشكل وانتشر. كما لم يحدث أبداً أن كان الإنسان وقحاً في كذبه ومنهجياً في ذلك وثابتاً مثلما هو اليوم".
حرَّمت الأديان السماوية الكذب وشدَّدت على عقوبته، في الوقت الذي تساهلت معه الفلسفات الوضعية والأخلاق الاجتماعية وتسامحت فيه في مواضع معينة. فالكذب مقبول ما لم يقطِّع النسيج الاجتماعي ويمزقه، لكنه يبقى فعلاً استثنائياً غير محبَّب ما لم يكن هناك تهديد أو حرب. فإن قامت الحرب وأصبح العالم الخارجي عالماً معادياً مثلما تروّج لذلك الأنظمة الشمولية وأصبح العداء هو الأساس في العلاقات الخارجية؛ تحول الكذب إلى فضيلة مباحة وشرطاً للبقاء.

حرَّمت الأديان السماوية الكذب وشدَّدت على عقوبته، في الوقت الذي تساهلت معه الفلسفات الوضعية والأخلاق الاجتماعية وتسامحت فيه في مواضع معينة. فالكذب مقبول ما لم يقطِّع النسيج الاجتماعي ويمزقه، لكنه يبقى فعلاً استثنائياً غير محبَّب ما لم يكن هناك تهديد أو حرب. فإن قامت الحرب وأصبح العالم الخارجي عالماً معادياً مثلما تروّج لذلك الأنظمة الشمولية وأصبح العداء هو الأساس في العلاقات الخارجية؛ تحول الكذب إلى فضيلة مباحة وشرطاً للبقاء.

يتطرق الكتاب إلى الكذب السياسي المعاصر عند الإنسان، فالكذب هو ما يميز الإنسان عن باقي الحيوانات وليس الضحك. ويرى المؤلف أن الأنظمة السياسية المعاصرة قد أبدعت في الكذب إبداعاً لم يسبق له "مثيل وأسهمت في الدفع به إلى أعلى درجاته". فالإنسان في المجتمعات الشمولية غارق في بحار من الكذب، ينام ويستيقظ على أكاذيب تتم صناعتها وفق أحدث التقنيات ومعايير عالية الدقة. أما عن نوعية هذا الكذب المعاصر، والمقصود النوعية الفكرية، فقد تطورت باطِّرادٍ عكسي بالنسبة إلى حجمها. فالكذب اليوم يتم إنتاجه بالجُملة وهو موجهٌ للجماهير وللاستهلاك الجماعي. ومعلوم أن كل إنتاج بالجملة وكل إنتاج موجه للاستهلاك الجماعي، لا سيما الإنتاج الفكري، لا بد أن يعمل على تخفيض معاييره. وبالتالي، فبقدر تقدم التقنيات الحديثة التي تخدم بروباغندا الاستبداد المعاصر، بقدر سوء مضمونها وقُبح الأمور التي تؤكد عليها. وما هذا برأي كويريه إلا "احتقار مطلق وكامل للحقيقة، بل ولأبسط الحقائق. احتقار لا يضاهيه إلا احتقار المَلَكات العقلية لأولئك الذين توجه إليهم تلك الأكاذيب".

ثم يتساءل المؤلف أليس وجود الكذب يستدعي مقابله وجود للحقيقة. لماذا لا يميز البشر بين ما هو حقيقي وما هو مزيف. تحليل المؤلف للأمر فيما يملكه الاستبداد من الفلاسفة والمفكرين ممن يوجهون المعاني حيث يشاء الحاكم ويزوقونها حتى تصبح على ما يشتهيه، ويروجون للناس أن ليس هناك حقيقة واحدة وأن "معيار الحقيقة ليس في قيمتها العالمية بل في موافقتها لروح الجماعة والعِرق وفي فائدتها العِرقية أو الوطنية أو الاجتماعية".
ويستغل المؤلف هذا الموقف لينتقد المثقفين "الخونة" الذين يخونون رسالتهم وأمانتهم لأن "المثقف الحقيقي مخلوق نادر يساند معايير الحقيقة والعدالة الأبدية، ويقول الحق في أصعب الظروف"؛ وفي حال تعرضت العدالة والحقيقة لتهديد حقيقي عليه أن يخرج عن صمته لا لينحاز إلى جانب الظلم والكذب، بل ليقول الحق ولو دفع حياته ثمناً لذلك وسيدفعون، لأن الديكتاتور لا يرى في الحقيقة نوراً بل سلاحاً يهدد وجوده وسيستخدم هذا السلاح ذاته "ليس ليكشف ما هو حقيقي وواقعي أي ما هو موجود للناس، بل لكي يساعده على تعديل هذا الواقع وتحويله آخذاً بيد الجماهير نحو ما ليس بكائن أو موجود"؛ إن الأنظمة الشمولية "تبدل الحاضر كما يحلو لها بل والماضي أيضاً وكأنها الآلهة بل هي أشد سطوة"، إنها: "فوق الحقيقة وفوق الكذب".

المثقفون "الخونة" الذين يخونون رسالتهم وأمانتهم لأن "المثقف الحقيقي مخلوق نادر يساند معايير الحقيقة والعدالة الأبدية، ويقول الحق في أصعب الظروف"؛ وفي حال تعرضت العدالة والحقيقة لتهديد حقيقي عليه أن يخرج عن صمته لا لينحاز إلى جانب الظلم والكذب، بل ليقول الحق ولو دفع حياته ثمناً لذلك وسيدفعون، لأن الديكتاتور لا يرى في الحقيقة نوراً بل سلاحاً يهدد وجوده وسيستخدم هذا السلاح ذاته.

كما يغوص الكتاب في تحليل لجوء الفرد إلى الكذب في الحروب والصراعات. قلنا إن الكذب مباح ما لم يسيء إلى حُسن العلاقات الاجتماعية وطالما أنه "لا يضر بأي شخص"؛ أي أن الكذب مسموح به طالما أنه "لا يمزق النسيج الاجتماعي الذي يربط المجموعة، بمعنى طالما لا يُمارس داخل المجموعة وداخل "النحن" بل خارجها: فنحن لا نغش "جماعتنا"". الكذب سلاح. وعليه "فاستخدامه حلالٌ في الصراعات. بل من الغباء عدم اللجوء إليه". ثم يحدد فيلسوفنا شرطاً لاستخدام هذا السلاح: "شرط ألا نستخدمه إلا ضد الخصم وألا نوجهه نحو أصدقائنا وحلفائنا". ولكن ماذا لو كانت "جماعتنا" في حرب مستمرة مع "الآخرين"؟ وماذا لو تحولت العداوة بيننا وبينهم إلى عداوة جوهرية تاريخية؟ "من البدهي أن الكذب (الكذب على "الآخرين" بطبيعة الحال) داخل هذه الجماعة لن يكون مجرد فعل اعتيادي مباح ولا حتى سلوكاً اجتماعياً: بل سيصبح فعلاً إجبارياً، وسيتحول إلى فضيلة". فماذا لو باتت تلك العداوة عداوة يومية تعيش في بيئة عدائية؟ ستزداد الحاجة إلى الكذب وتكبر بازدياد التوتر بين الـ"نحن" و"الآخرين" وبقدر عداوة "الآخرين" الـ"النحن"، وبقدر ما يشكله "الآخرون" من تهديد "علينا".

من المؤكد أن الجماعة التي كانت تخشى على نفسها من "الآخر" ستجد نفسها أمام خيارين إما التلاشي أو التطبيق الأمثل والمتطرف لتقنية التقية ولسلاح الكذب، فتتلاشى الجماعة عن عيون الآخرين وتهرب من خصومها وتكف عن أن تكون هدفاً للتهديدات بلجوئها إلى ليل الأسرار. هنا لم يعد الكذب فضيلة، بل هو شرط للاستمرارية ونمط معيشي جوهري ذو أولوية.

فماذا لو كانت العداوة مطلقة وشاملة؟ من المؤكد أن الجماعة التي كانت تخشى على نفسها من "الآخر" والتي كان المؤلف يتابع تحولاتها ستجد نفسها "أمام خيارين إما التلاشي أو التطبيق الأمثل والمتطرف لتقنية التقية ولسلاح الكذب، فتتلاشى الجماعة عن عيون الآخرين وتهرب من خصومها وتكف عن أن تكون هدفاً للتهديدات بلجوئها إلى ليل الأسرار". هنا لم يعد الكذب فضيلة، بل هو شرط للاستمرارية ونمط معيشي جوهري ذو أولوية. ومن البدهي أن تتطور داخل هذه الجماعة "السرية" بعض الصفات الطبيعية كالتعاضد والصداقة فتتورم وتصبح ولاءً مطلقاً وطاعةً صمّاء وتعلقاً مهووساً.

ونقرأ أيضاً: "فكل ما نقوله ليس صحيحاً. وكل كلام، على الأقل الكلام المقال علانية، هو كلام كذب. فقط الأشياء التي لا نقولها، أو على الأقل التي لا نكشفها إلا "لجماعتنا"، صحيحة أو ربما تكون كذلك".
كذلك هي خطابات الحاكم العربي الجماهيرية منذ خمسين سنة؟ مؤكد أن "جماعة" كل حاكم، من المحيط إلى الخليج، لم تكن تعتقد كلمة مما يقوله الزعيم علانية، إذ هناك كلام آخر وأهداف أخرى لا يعرفها ولا يطلع عليه إلا "النحن" و"النخبة" من المقربين والمتقدمين في الحزب أو الجماعة: "الحقيقة دائماً باطنية ومخفية. وليس للعوام أو السُوَقة أو الجَهلة أن يصلوا إليها أبداً". الزعيم لا يتوجه بخطابه إلى أتباعه بل إلى "الآخرين"؛ "الآخرون الذي من الواجب أن نخدعهم ونتقيهم".

وهل فعل نظام الأسد أكثر من مدح مشاعر "بعض" السوريين ونمى كراهيات البعض، واستغل مخاوف البعض الآخر؟ إنها مؤامرات وضح النهار؛ "فما الأنظمة الشمولية سوى جماعات متآمرة ليس إلا، انبثقت عن الكراهية والخوف والجشع، تغذيها الرغبة في الثأر والهيمنة والاغتصاب".

هذا النمط من الحكم يستوجب وجود إطار أنثروبولوجي. فالأنثروبولوجيا النازية تعطي الأولويةَ للعمل دون أن تنتقص من العقل عموماً: فهي إنما تنتقص وتحتقر أشكال العقل العليا الخاص بـ"الإنسان السوبرمان"، وليس "العقل المنطقي والحسابي". فهذه الأنثروبولوجيا تنفي وحدة الإنسان وتؤمن بوجود فروقات طبيعية بين البشر. فقط النخبة تفكر، بينما لا تعرف الجماهير سوى أن تعتقد وأن تطيع "شرط أن نقول الأمر بكثير من التكرار والتأكيد. وشرط أن نمدح مشاعرها وكراهياتها ومخاوفها". وهل فعل نظام الأسد أكثر من مدح مشاعر "بعض" السوريين ونمى كراهيات البعض، واستغل مخاوف البعض الآخر؟ إنها مؤامرات وضح النهار؛ "فما الأنظمة الشمولية سوى جماعات متآمرة ليس إلا، انبثقت عن الكراهية والخوف والجشع، تغذيها الرغبة في الثأر والهيمنة والاغتصاب".

 

إضافة تعليق جديد

Filtered HTML

  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • Freelinking helps you easily create HTML links. Links take the form of [[indicator:target|Title]]. By default (no indicator): Click to view a local node.
  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <img><h2></h1><a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd><h1></h2><i><u></u>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
CAPTCHA
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
8 + 1 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.