ترامب والمأزق الأميركي

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

20/8/2017
العربي الجديد

ستتشكل لدى مراقب الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، وأركان البيت الأبيض، أربع صور ذهنية صادمة، بالقياس إلى صورة أميركا الخارجية، أولاها الطابع العائلي، حيث انخرط أفراد العائلة في لعب دور سياسي كبير وواسع في البيت الأبيض وتصدّرهم المشهد السياسي والإداري فيه، آيته بروز الثنائي إيفانكا - جاريد (ابنة الرئيس وزوجها)، ودورهما الرئيس ضمن طاقم المستشارين، فقد شاع أن إيفانكا الأكثر نفوذا وتأثيرا على قرارات والدها داخل البيت الأبيض، وأن زوجها جاريد كوشنر لم يكتف بدور المستشار الأول للرئيس، على الرغم من صغر سنه وضعف خبرته السياسية، بل قفز إلى مرتبة الرجل الأول في الإدارة، من خلال تكليفه بملف العلاقات الأميركية مع حوالي خمس عشرة دولة، ملف الشرق الأوسط، وخصوصا السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، قال عنه ترامب عند تكليفه بالملف: "إذا لم ينجح في إقامة سلام في الشرق الأوسط، فإن أحدا غيره لا يمكنه القيام بذلك"، ملف العلاقات مع الصين، ملف العلاقات مع المكسيك، على الصعيد الخارجي. 

تشهد دول مركزية ومهمة في مناطق حسّاسة تعقيدات كبيرة ومواجهات ساخنة، يتابعها كوشنر ليس من دون المرور بوزارة الخارجية الأميركية فقط، بل وبتجاهلٍ لها ولتصوراتها. وكان لافتا، في هذا الخصوص، وصول وزير الخارجية المكسيكية، لويس فيديعاري، إلى واشنطن لمقابلة كوشنر، من دون أن تعلم الخارجية بذلك، ملف إصلاح الحكومة والمؤسسات في أميركا، ملف إصلاح العدالة الجنائية في أميركا/ (حوالي 2.5 مليون سجين جنائي يعانون من التأخر في المحاكمات وانتشار الجريمة في السجون)، ملف العلاقة مع الجالية المسلمة، مسؤول إصلاح ملف رعاية المحاربين القدماء، على الصعيد الداخلي، حتى بات يوصف في الإعلام الأميركي بـ "وزير لكل شيء".. 
ثانية الصور الصادمة، التداخل بين مصالح الدولة ومصالح العائلة في مجالي المال والأعمال. تجلى ذلك في استضافة ترامب زعماء من العالم في فنادق يملكها، وعقده اجتماعات معهم فيها بحضور هيئة أركان العائلة، إيفانكا وجاريد، وتعاقده مع مطاعم يملكها، لخدمة الرئاسة والمناسبات الرسمية. وثالثتها انهيار جدار السرية والخصوصية التي جسّدتها عملية تسريب أخبار البيت الأبيض، وبالنص الحرفي، حديث ترامب مع الرئيس المكسيكي، إنركيا بينيا تيتو، بشأن تمويل بناء الجدار على الحدود بين البلدين، وحديثه مع رئيس وزراء أستراليا، مالكوم تيرينبول، عن الهجرة، مثالان صادمان شكلا إحراجا كبيرا لترامب. رابعتها حالة التنافر والصراع مع العمل المؤسسي، خصوصا الأجهزة الأمنية، والعمل على تكريس دولة الرئيس وما ترتب عليها من إقالات (كبير مستشاري الرئيس ستيف بانون، مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي جيمس كومي، مدير الاتصالات في البيت الأبيض أنطوني سكاراموتشي، كبير موظفي البيت الأبيض راينس بريباس) واستقالات (وكيل وزارة الخارجية لشؤون الإدارة باتريك كنيدي، وثلاثة أمناء مساعدين تحت إشرافه كانوا يتولون مناصب في الإدارة والشؤون القنصلية والأعمال الخارجية، مستشار الأمن القومي مايكل فلين، المتحدث الصحافي باسم البيت الأبيض شون سبايسر) شهدها طاقم البيت الأبيض في فترة زمنية محدودة.

أحدثت الصور المذكورة أعلاه هزة في صورة الولايات المتحدة، الدولة الأكثر تنظيما وانضباطا في نظر العالم، وأطلقت سجالاتٍ صاخبة في وسائل الإعلام، بلغت مستوى المهاترات الفجة، قادت إلى هبوط شعبية الرئيس، حتى بين الذين انتخبوه، بلغت شعبيته على مستوى الرأي العام 35%، في مستويات متدنية لم يقترب منها سوى رئيسان سابقان في الأشهر الستة الأولى في المنصب. بقيت شعبيته مرتفعة لدى مؤيديه التقليديين، وقطاع الأعمال، على خلفية تركيزه على إيجاد فرص عمل. كل هذا قبل أن يتطور التحقيق في التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية، ويتحول إلى زلزال قوي لم يجتح الإدارة فقط، بل والولايات المتحدة، على خلفية الاتصال المباشر بين أركان حملة ترامب الانتخابية والدوائر الروسية، وتواطؤهما ضد المرشّحة الديمقراطية، هيلاري كلينتون، في ضوء الاكتشافات الفاضحة (تواصل مستشار الأمن القومي، مايكل فلين، مع السفير الروسي في واشنطن، رسائل من عملاء روس يشيرون إلى محادثات أجريت مع مدير حملة ترامب، بول مانافورت، عن التنسيق لتسريب معلوماتٍ تسيء إلى هيلاري كلينتون، عبر اختراق موقع اللجنة الوطنية للحزب الديمقراطي، تواصل ترامب الابن مع المحامية الروسية، ناتاليا فيسلنيتسكايا، القريبة من القيادة الروسية، وموافقته على عرضها تزويده بمعلوماتٍ مسيئة لمنافسة والده في الانتخابات، هيلاري كلينتون، اجتمع بها في برج ترامب في نيويورك بحضور مدير الحملة الانتخابية، بول مانافورت، وجاريد كوشنر صهر المرشح دونالد ترامب). وقادت الفضائح إلى توسيع التحقيق، ليشمل الرئيس وأفراد عائلته، وتشكيل هيئة محلفين كبرى للنظر في القضية، وإصدارها أوامر استدعاء لنجل ترامب وصهره ومدير حملته الانتخابية، للشهادة بخصوص اجتماع برج ترامب مع المحامية الروسية، قد تجبرهم أوامر الاستدعاء على الإدلاء بشهاداتهم تحت القسم. 

شكل أداء الرئيس الأميركي، عبر ارتجاله المواقف والتعليقات على حسابه على "تويتر"، وحضوره اجتماعاتٍ من دون تحضير مسبق، وأركان البيت الأبيض، بصراعاتهم على السلطة والنفوذ، ثقبا أسود، ذهب بصورة الولايات المتحدة، القوة العظمى الوحيدة في العالم، وحوّلها إلى مادّة للتندّر والسخرية، ما دفع الكونغرس وأركان الإدارة الموصوفين بأنهم "طاقم الراشدين"، المكوّن من وزير الدفاع الجنرال جيم ماتيس، ووزير الخارجية ريكس تيلرسون، ووزير الأمن الوطني الجنرال جون كيلي، ومستشار الأمن القومي الجنرال هربرت رايموند ماكماستر، ومدير وكالة الاستخبارات المركزية مايك بومبيو، والسفيرة الأميركية لدى الأمم المتحدة، نيكي هايلي، إلى التحرّك لضبط الوضع داخل البيت الأبيض، من خلال إعادة النظر في تركيبة الطاقم الإداري والاستشاري، ودور أفراد عائلة الرئيس، بل وضبط تصرّفات الرئيس وترشيد ردود أفعاله وتعليقاته على الأحداث، من خلال منعه من إقالة وزير العدل والمستشار الخاص، روبرت مولر، المكلف بالتحقيق في مزاعم تدخل روسيا في الانتخابات الرئاسية، بعد أن دخل الأرض المحرمة بتعيين 16 محاميا من كبار المدعين المختصين بغسيل الأموال والجرائم المالية في أميركا، ونيته التحقيق في إمبراطورية ترامب كوشنر العقارية، وتشابكاتها ومصادر تمويلها. 
وكان ترامب قد حذّر، في مقابلة مع صحيفة نيويورك تايمز، في يوليو/تموز الماضي، من التوسع في التحقيق في تعاملاته المالية خارج الروابط المباشرة مع روسيا، واعتبره "انتهاكاً" و"خطاً أحمر" محتملاً، لا يجب أن يعبره مولر. وقال "إنه لن يسعى إلى إقالة المستشار الخاص في هذه الحالة، لأنه لا يعتقد أن ذلك سيحدث" (توقع مالكولم نانس، وهو ضابط سابق في المخابرات الأميركية ومؤلف كتاب عن دور موسكو في الانتخابات الأميركية لعام 2016 "خطة اختراق أميركا") أن يبحث تحقيق مولر في كل ركنٍ من جوانب التعاملات التجارية الماضية لكل من ترامب وكوشنر. وأضاف "قد تكون العدالة بطيئة، لكن جميع هؤلاء سيقعون تحت طائلتها: فلين، كوشنر، ترامب، مانافورت وأي شخص تم تعيينه في البيت الأبيض خلال هذه الفترة. حياتهم كلها ستخضع للتدقيق. لن يخرج أحد من دون تمحيص. لهذا السبب، يشعر ترامب بالذعر، حيث نظم قادة الكونغرس عقد جلسات قصيرة، دقائق، خلال العطلة الصيفية، من شأنها قطع الطريق على إصدار الرئيس الأميركي قرارات إقالة وزير العدل أو المحقق مولر، ودفع طاقم الراشدين ترامب إلى الخروج في إجازةٍ إلى نيوجيرسي، بذريعة إجراء صيانة دورية لمبنى البيت الأبيض، ريثما يعيدون النظر في تركيبة البيت الأبيض الاستشارية والإدارية. بدأ العملية كبير موظفي البيت الأبيض الجديد، الجنرال جون كيلي، بوقف التسيب في البيت الأبيض، ومنع دخول أي كان، حتى أفراد العائلة، على الرئيس، إلا عن طريق مكتبه، وتسرب حديث عن توجه إلى إبعاد إيفانكا وكوشنر إلى نيويورك، حيث مكان إقامتهما وعملهما قبل فوز ترامب بالرئاسة. 

لقد أطلق ترامب وأركان البيت الأبيض رصاصة الرحمة على نظام التوازنات والضوابط الأميركي، ما كشف وجود مشكلة أكثر جوهريةً من إدارة مرتبكة وركيكة. فالولايات المتحدة فقدت الكثير من ألقها وحيويتها ومرونتها في العقود الأخيرة في ضوء لعبها دور شرطي العالم بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وتضحيتها بالقيم والمبادئ من أجل الحفاظ على المصالح، وانعكاس انخراطها في مواجهة مشكلات العالم سلبا على وضعها الداخلي، ما أجّج النزعة الوطنية والحمائية، وعودة نزعة العزلة، وانتشار كراهية الأجانب، وتحميل المهاجرين مسؤولية تدنّي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، وضخ الدم في شرايين النزوع العرقي والإثني، وبعث إيديولوجيا تفوق العرق الأبيض الذي جاء بترامب إلى الرئاسة.

تعليقات