جزيرة واحدة وحّدت أنظمة فكيف بأرخبيل؟!

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

شؤون خليجية

لا تزال بعض الأنظمة مسكونة بفترة الكهف، إذ تُصر أو تحاول أن تكاذب نفسها من أن الفتية لم يخرجوا من كهفهم، والفتية هنا الشعوب العربية التي انقلبت على الكهف وأصحابه، وأعلنت ثوراتها وربيعها العربي، ولذا فما كان ينطبق على مرحلة الكهف لا ينسحب على ما بعده، فأدوات حكم الكهف الاستبدادي من إعلام تقليدي لم يعد قادراً على إدارة العملية الحُكمية المسلّطة على الشعوب...

الكل يعلم أن الشباب هم مادة الثورات العربية ونواتها الصلبة، وهذا الشباب إنما أشعل ثوراته بأدوات جديدة مختلفة تماماً عن أدوات سدنة الاستبداد، وإشعاله لثوراته لم يكن بعود ثقاب يشتعل مرة واحدة، وإنما بروح ثورية متجددة ثبت أن كل ما جلبه الاستبداد من تراكمات إعلامية وبحثية على مدى عقود لم يُفلح في ثني الشعوب عن ثوراتها.

يخطئ من ظن يوماً أن الإعلام هو السبب في انتفاضة الشعوب، ويخطئ أكثر من ظن أنه بإلحاقه مؤسسة إعلامية إلى شبكات إعلامه المترامية سيوقف تمرد الشعوب التي طلّقت الكهف بالثلاث، لنتذكر اعتراف سيد البنتاغون سابقاً رونالد رامسفيلد حين قال إن تنظيم القاعدة هزمنا على الشبكة العنكبوتية، فهل يقوى من هو دون البنتاغون أن يهزم شعوباً كاملة تمرّدت على أنظمتها وطالبت بإسقاط النظام  ولم تقصره على النظام السياسي وإنما قطعت العلاقة مع كل أشكال النظام وتجلياته التي كانت العُكازات التي اتكأ عليها رأس جليد النظام والممثل بالقبة السياسية..

يشكل الجيل الشبابي دون الخامسة والعشرين عاماً في العالم العربي 70% من سكانه، وهذه الشريحة الواسعة  وسيلتها الأساسية في التواصل الاجتماعي والإعلامي هما الفيس بوك والتويتر، فالشاب لا يقضي إلا القليل من وقته أمام الشاشة الصغيرة الذي يراها في غالبها جزءاً من النظام الذي طالب بإسقاطه، فأداة هذا الشباب  هو الهاتف الذكي الذي لا تستطيع كل الأنظمة لو اجتمعت واتفقت على حرمانه منه، وتبرز هنا أهمية الإشارة إلى أن أدوات الإعلام القديم كان بمثابة الصندوق الأسود لفهم خلطة  الإعلام لمن هو خارجه، ولغزاً محيراً وأحجّية للشباب، بحيث أن الإعلام القديم حتى التلفزيون كان لا يقوى على من هو خارجه أن يفهم لعبته وقواعده وقوانينه، فجاء الإعلام الجديد ليكسر الصندوق ويحل محله ليس من حيث المضمون فحسب، وإنما من حيث القائمون على التعاطي معه، فكان الشباب أقدر من غيرهم على التعاطي مع وسيلة جديدة تناسب وتلائم وتيرة تطور مجتمعاتهم، بل إن مستخدمي الإعلام الجديد من الشباب بدؤوا يضعون قواعد لعبة جديدة قد لا يفهمها أو لا يحسن استخدامها رجال الإعلام القديم، فلكل عصر دولة ورجال.

الخلاصة أن قواعد اشتباك الثورات العربية مع الأنظمة المستبدة لن تتغير بموت قناة أو بإغلاقها أو بالتحاقها بركب الثورات المضادة، قواعد الاشتباك ستظل كما بدأت شعوب تمردت على الاستبداد، وتتطلع إلى فضاء حر بعيداً عن العبودية التي كبّلتها لعقود، وهذه الثورات لن تُعدم الوسيلة والأداة في التواصل ولا في تبليغ موقفها ورأيها، بعد أن تسيّدت الفضاء الحر الممثل بالإعلام الجديد، وما على الاستبداد الذي ظن أن المشكلة في المرآة التي ينظر إليها أو التي تعكس صورته إلاّ أن يُعيد النظر كرّتين إلى شكله وسياساته ويتهم وجهه وسياساته..

كل مواطن عربي اليوم يتأبط قناته الخاصة به، وليس بحاجة إلى ترددات يشتريها على قمر صناعي مسيطر عليه من هنا أو هناك، فهي معارضة الكترونية حرة بحرية من انتفض، وهي عملية شبه مجانية ليست بحاجة إلى رصد المليارات من الدولارات، ما دام الثمن هو التمرد  الذي هو أُولى أبجديات الحرية، وما دام الثمن كسر القيود، وقد كُسرت، وحتى ولو نجحت ثورات مضادة هنا أو هناك للأي من الزمن فذاك عكس التاريخ وعكس التيار العام، ولنا في ثورة فرنسا عبرة حين نجحت الثورة المضادة ضدها لفترة مؤقتة بدعم ومساندة أوربية، سريعاً ما عاد الثوار الكرّة ونجحوا في هزيمة الجمع الذين ولّوا الدبر.

ربما كل ما ترتّب على هذه الثورات العربية ممكن إعادته باستثناء متغير واحد وهو أن الشعوب قد تغيّرت ولا يمكن لها أن تعود إلى كهفها بعد أن رأت النور، وبعد أن تنسمت نسائم الحرية وقارنتها بعفونة وبؤس الكهف الذي لبثت فيه دهراً..