حزب الله و"داعش" في خندق واحد

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

5/15/2015
الشرق الأوسط
المؤلف: 

منذ أن أطلت «داعش» على مشهد الثورة السورية، أثارت كل أشكال القراءات لمشروعها وتكوينها وأهدافها. 

منذ البداية، كان واضحًا افتراقها في الأولويات عن بقية فصائل الثورة، وتحديدًا الجيش السوري الحر الذي وصمته «داعش» بالكفر. ثم ما لبثت أن دخلت «داعش» في اشتباك عقائدي وفقهي وعسكري مع جبهة النصرة على خلفيات عدة أبرزها العلاقة بتنظيم القاعدة، بالدرجة الأولى، وتعيين «داعش» أمراء من غير جنسية الإمارة الموكلة إليهم، وهو ما اصطدم بالحساسية السورية لـ«النصرة».

ثم إن «داعش» لم تضع من سدة أولوياتها إسقاط نظام الأسد، بقدر ما حرصت على الاستحواذ والتفرد بأكبر مساحة جغرافية ممكنة، تعلن عليها الخلافة، وتنطلق منها في حروب فتح وقضم جغرافي.

ولئن كانت «النصرة» أقرب في أولوياتها إلى بقية فصائل الثورة، وتحديدًا إسقاط نظام بشار الأسد، احتلت بالنسبة للنظام وحزب الله صدارة الأعداء، بينما حُيدت «داعش» التي وجدت لنفسها مساحة تفاهمات مباشرة وغير مباشرة مع الأسد، على ما تدل تجربة «داعش» في «ولاية الرقة»، حيث حظيت بدرجة تسامح عجيبة معها طوال سنتين ونيف قبل سقوط الموصل. وهذا مسار وثقته مجلة «دير شبيغل» الألمانية بتفاصيل صادمة حول مستوى التفاهمات الميدانية بين «داعش» والأسد.

رغم ذلك، فإن الدعاية السياسية لحزب الله ركزت، بشكل مغاير للواقع، على الاشتباك الهامشي مع «داعش» على الحدود اللبنانية السورية، رغم أن أغلبية المسلحين هناك من جبهة النصرة، فالحزب الذي يدرك أن الفظاعات الداعشية توفر مادة خصبة للتعبئة في بيئته، ولإحراج الخصوم في معركة الرأي العام، انتحل صفة القتال ضد «داعش» ورعبها، بينما أغلب معاركه خيضت ضد «النصرة» والجيش السوري الحر.

وحين حلت معركة القلمون، الاستراتيجية بالنسبة لحزب الله والأسد، كون الحدود اللبنانية السورية هي آخر المعابر البرية التي يتنفس منها النظام، وجد حزب الله نفسه في خندق واحد مع «داعش»، حيث إن الاثنين يقاتلان «النصرة» والجيش الحر وبقية فصائل «جيش الفتح» المولود حديثًا!

الوقائع تفضح دعاية حزب الله، فهو بعد أن كان عرضة لهجوم استباقي شنته «النصرة» وحلفاؤها، ورفضت «داعش» الانضمام إليه، مطلع أيار/ مايو، وجد نفسه يقاتل «النصرة» يدًا بيد مع «داعش» وجيش الأسد. ولعلها من المفارقات المرعبة أن تجد «النصرة» نفسها وهي في ذروة القتال ضد حزب الله وجيش الأسد، عرضة لقطع طرق إمداداتها من قبل «داعش»، في توقيت لا يخدم إلا تقدم حزب الله في القلمون الغربي.

لا أدلة في المعركة الراهنة على تنسيق عملاني بين حزب الله و«داعش»، لكن السياق الظرفي للوقائع الميدانية يعزز الانطباع بتلاقٍ، ولو مؤقت، بين أجندتها وأجندة حزب الله. وهذا شبيه بالأدلة التي يستند إليها حزب الله في دعايته ضد «النصرة»، التي تسيطر على الحدود السورية «الهادئة» مع الجولان، وتنقل بعض مصابيها للعلاج داخل إسرائيل. 

فالدعاية السياسية للحزب تبتسر الوقائع بشكل تضليلي محترف، يخدم سعيها لضرب مصداقية أي فصيل من فصائل الثورة السورية، كما يخدم إحراج الخصوم في الداخل اللبناني. وهو ابتسار يريد القفز أيديولوجيًا فوق واقع أن إسرائيل جزء من الميدان السوري بحكم الموقع الجغرافي والحسابات الأمنية.

وقد تنقلت إسرائيل على حدودها بين مساعدة جيش الأسد لتحرير معبر البياضة وبين القبول لاحقًا بـ«النصرة» على حدودها، بعد التأكد أن أولوية التنظيم هي الأسد، أقله في المرحلة المنظورة.

وللإنصاف، فإنه بمثل ما هي «العلاقة» بين «النصرة» وإسرائيل علاقة تفاهم ضمني تمليه أولويات الطرفين، كذلك هي «العلاقة» بين حزب الله و«داعش». والحزب هو أبرز من يفهم مثل هذه العلاقات السرية والتفاهمات غير المباشرة بين أعداء. فهو تاريخيًا استفاد من شيء شبيه مع إسرائيل في حروبه ضد حركة أمل في جنوب لبنان، خلال ما يسمى حرب إقليم التفاح، حين كان يهرب الأسلحة والذخائر تحت نظر مليشيا جيش لحد، الموالية لإسرائيل، والمشرفة مواقعُها على طرق الإمداد المستخدمة من حزب الله.

وحاضرًا، عقد الحزب نوعًا من تفاهم وقف إطلاق نار مع «النصرة» على قرى قضاء بعلبك الهرمل الموازي للقلمون الغربي، تتوقف بموجبه «النصرة» عن قصف القرى اللبنانية مقابل إمدادها بالوقود والطعام واللوازم الطبية.

لا تعكس هذه الوقائع زيف مواقف الأطراف الثلاثة؛ أي حزب الله، و«داعش»، وجبهة النصرة. فهم أعداء بلا شك، وضعتهم أقدار الحروب في مواقع تتقاطع فيها مصالحهم بشكل عبثي. ما تعكسه هذه الوقائع هو استحالة الهدف المجنون الذي يتنطح له حزب الله؛ أي حماية بقاء نظام الأسد.

هذه مهمة لا يحققها أي قتال في القلمون، وأي مكتسبات عسكرية فيه. فحزب الله يحاول القفز فوق واقع ديموغرافي يعني ببساطة أن أي انتصار له في سوريا يستلزم تهجير 19 مليون سوري سني، باتوا يكنون له عداءً مكينًا خارج أفق أي مصالحة أو تسوية.

هذه نتيجة سيصل إليها الحزب بلا شك، لكن المخيف أن يغامر، قبل ذلك، بالمزيد من العنجهية والجنون، وأن يسعى لإدخال الجيش اللبناني في معركة «تطهير» عرسال وجرودها من المسلحين الوافدين إلى لبنان بسبب معارك القلمون! ما يعني معركة تهجير 30 ألف لبناني سني من الحزام الرابط بين سوريا العلوية ولبنان.

بالمناسبة، ألم يقل حسن نصر الله إنه «دخل الحرب في سوريا كي لا يأتي التكفيريون إلى لبنان»؟
حظًا سعيدًا.

تعليقات