حين عاد قتلة الحسين إلى "حضن الوطن" (2-2)

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

29/9/2017
السورية نت
المؤلف: 

الحسين شهيد الغدر والخذلان

ومن ثم جاء عهد الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما، بعد وفاة أخيه الحسن، وقد كان الرجل في مكة لا يصبو إلى شيء من الأمر متفرغ للعبادة، ولكن الشيعة في العراق راودوه عن نفسه، فهم لا يهدأ لهم بال إلا بتحريك الفتن، فبدؤوا يرسلون له الرسائل بالعشرات ينادونه ويمنونه بالنصر والمنعة والولاية، حتى أجابهم وعزم على النهوض نحوهم، وقبيل أن يغادر مكة استوقفه عبد الله بن عمر بن الخطاب وقال له يا بن بنت رسول الله لا يغرنك هؤلاء فسيغدرون بك كما غدروا بأبيك من قبل، وثم استوقفه عبد الله بن عباس ابن عمه قائلاً: ": أَيْنَ تُرِيدُ يا ابْنَ فَاطِمَةَ؟ فَقَالَ: الْعِرَاقَ وَشِيعَتِي. فَقَالَ: إِنِّي لَكَرِهٌ لِوَجْهِكَ هَذَا ; تَخْرُجُ إِلَى قَوْمٍ قَتَلُوا أَبَاكَ وَطَعَنُوا أَخَاك إِنَّ أَهْلَ الْعِرَاقِ قَوْمٌ غُدُرٌ فَلَا تَغْتَرَّنَّ بِهِمْ قَدْ رَأَيْتَ مَا صَنَعَ أَهْلُ الْعِرَاقِ بِأَبِيكَ وَأَخِيكَ، وَأَنْتَ تُرِيدُ أَنْ تَسِيرَ إِلَيْهِمْ، وَهُمْ عَبِيدُ الدُّنْيَا، فَيُقَاتِلُكَ مَنْ قَدْ وَعَدَكَ أَنْ يَنْصُرَكَ، وَيَخْذُلُكَ مَنْ أَنْتَ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِمَّنْ يَنْصُرُهُ، فَأُذَكِّرُكَ اللَّهَ فِي نَفْسِكَ" (البداية والنهاية)

ولكن الحسين رضي الله عنه أصر على الخروج، فأرادها ثورة على يزيد الذي تسلم الحكم وراثة بعد وفاة أبيه معاوية، فأرسل موفداً إلى شيعة أهل العراق هو مسلم بن عقيل فكان أول ما نزل في دار المختار بن أبي عبيد، ذلك الذي أوشك أن يغدر بالحسن قبل ذلك، لكنه الآن يزعم أنه من أنصار الحسين، واجتمع لمسلم بن عقيل ثمانية عشر ألف مقاتل من الشيعة كلهم يزعم أنه يبايع الحسين، وهو أمر أفرح مسلم بن عقيل وأرسل على عجل إلى الحسين رضي الله عنه يبشره ويدعوه أن يقدم، ولكن التاريخ يحدثك أن عهد هؤلاء وذمتهم كسراب الصحراء، فبعد أن علم عبيد الله بن زياد بن أبيه والي البصرة والكوفة بأمرهم لم يكلف نفسه سوى عناء أن يدعوهم إلى العودة لحضن يزيد بن معاوية وخوفهم عاقبة الخروج، فكان أن عادوا بألوفهم إلى "حضن الوطن" دون أن يرفعوا سيفاً واحداً يقول المؤرخون في ذلك:

 " جَاءَ مُسْلِمُ بْنُ عَقِيلٍ. فَبَادَرَ عُبَيْدُ اللَّهِ فَدَخَلَ الْقَصْرَ وَمَنْ مَعَهُ، وَأَغْلَقُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ، فَلَمَّا انْتَهَى مُسْلِمٌ إِلَى بَابِ الْقَصْرِ وَقَفَ بِجَيْشِهِ هُنَاكَ، فَأَشْرَفَ أُمَرَاءُ الْقَبَائِلِ الَّذِينَ عِنْدَ عُبَيْدِ اللَّهِ فِي الْقَصْرِ، فَأَشَارُوا إِلَى قَوْمِهِمُ الَّذِينَ مَعَ مُسْلِمٍ بِالِانْصِرَافِ وَتَهَدَّدُوهُمْ وَوَعَدُوهُمْ وَتَوَعَّدُوهُمْ، وَأَخْرَجَ عُبَيْدُ اللَّهِ بَعْضَ الْأُمَرَاءِ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَرْكَبُوا فِي الْكُوفَةِ يُخَذِّلُونَ النَّاسَ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ عَقِيلٍ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ فَجَعَلَتِ الْمَرْأَةُ تَجِيءُ إِلَى ابْنِهَا وَأَخِيهَا فَتَقُولُ: ارْجِعِ، النَّاسُ يَكْفُونَكَ. وَيَقُولُ الرَّجُلُ لَابْنِهِ وَأَخِيهِ: كَأَنَّكَ غَدًا بِجُنُودِ الشَّامِ قَدْ أَقْبَلَتْ، فَمَاذَا تَصْنَعُ مَعَهُمْ؟ فَتَخَاذَلَ النَّاسُ وَقَصَّرُوا وَتَصَرَّمُوا وَانْصَرَفُوا عَنْ مُسْلِمِ بْنِ عَقِيلٍ" (البداية والنهاية – تاريخ الطبري).

فما أمسى المساء حتى انصرف كل الشيعة الذين زعموا حبهم للحسين ولم يبق أحد منهم وبقي مسلم بن عقيل وحيداً شريداً في الأزقة حتى أدخلته امرأة إلى بيتها لتخبئه من عناصر التشبيح الذين باتوا يبحثون عنه ليقتلوه عرفان عودتهم إلى حضن وطنهم وزعيمهم، لكن ابن تلك المرأة كان عنصراً شبيحاً من هؤلاء وعلم بأمره وسلمه  لعبيد الله بن زياد الذي قتله بعد تفاصيل مأساوية مدهشة من الغدر والخيانة والخذلان الذي تعرض له مسلم بن عقيل وصفها بنفسه قبيل مقتله قائلاً: " اللَّهُمَّ احكم بيننا وبين قوم كذبونا وغرونا وخذلونا وقتلونا إني وَاللَّهِ مَا لنفسي أبكي، وَلا لها من القتل أرثي، وإن كنت لم أحب لها طرفة عين تلفا، ولكن أبكي لأهلي المقبلين إلي، أبكي لحسين وآل حُسَيْن!" (تاريخ الطبري- البداية والنهاية)

وأوصى مسلم بن عقيل قبل مقتله أحد الرجال أن يوصل رسالة للحسين يحذره وبال تصديق وعود هؤلاء الشيعة: "إن ابن عقيل بعثني إليك، وَهُوَ فِي أيدي القوم أسير لا يرى أن تمشي حَتَّى تقتل، وَهُوَ يقول: ارجع بأهل بيتك، وَلا يغرك أهل الْكُوفَة فإنهم أَصْحَاب أبيك الَّذِي كَانَ يتمنى فراقهم بالموت أو القتل، إن أهل الْكُوفَة قَدْ كذبوك وكذبوني، وليس لمكذب رأي"(تاريخ الطبري)

ولما بلغ الحسين رضي الله عنه مصرع ابن عمله مسلم بن عقيل هم بالعودة ولكن إخوة مسلم قالوا والله لا نرجع حتى ندرك ثأرنا أو نهلك فقال لهم الحسين رضي الله عنه ما طعم الحياة من بعدكم، وأصر على مواجهة الموت مع سبعين فقط من أهل بيته وخاصته في ملحمة تاريخية تنضح بالشجاعة والرفعة وإباء الضيم، ولكن حتى وهو في هذا الموقف تجد أن مدعي نصرته من شيعته تفرقوا عنه فحين بلغه مقتل مسلم بن عقيل قال لمن معه: " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَمَّا بَعْدُ، فإنه قَدْ أتانا خبر فظيع، قتل مسلم ابن عقيل وهانئ بن عروة وعبد اللَّه بن بقطر، وَقَدْ خذلتنا شيعتنا، فمن أحب مِنْكُمُ الانصراف فلينصرف، ليس عَلَيْهِ منا ذمام. فتفرق الناس عنه تفرقا، فأخذوا يمينا وشمالا حَتَّى بقي فِي أَصْحَابه الَّذِينَ جاءوا مَعَهُ" (تاريخ الطبري – البداية والنهاية)

وأثناء سيره نحو العراق تلقاه بعض الخارجين من العراق وحذروه غدر الشيعة ولكنه رضي الله عنه أصر على المضي في ملحمته ومن الذين حذروه مجمع بن عبد الله العائذي الذي حذره قائلاً: " أما أشراف الناس فقد أعظمت رشوتهم، وملئت غرائرهم، يستمال ودهم، ويستخلص بِهِ نصيحتهم، فهم ألب واحد عَلَيْك، وأما سائر الناس بعد، فإن أفئدتهم تهوي إليك، وسيوفهم غدا مشهورة عَلَيْك" (تاريخ الطبري)

ملحمة كربلاء

أصر الحسين رضي الله عنه على المضي وتابع إلى كربلاء وهناك كانت الملحمة ولكن كانت هناك محاولة أخيرة من الحسين رضي الله عنه لحقن دمه ودم آل بيته  فعندما رأى سيوف من راسلوه قد اصطفت لقتاله ورأى قلة من معه مع كثرتهم وإصرارهم على إبادته ومن معه فعرض عليهم ثلاثة أمور أن يختاروا أحدها إما أن يسمحوا له بالعودة من حيث جاء أو أن يسمحوا له أن يذهب إلى يزيد فيصالحه أو أن يسمحوا له أن يخرج إلى ثغر من الثغور فيجاهد في سبيل الله: " اختاروا مني خصالا ثلاثا: إما أن أرجع إِلَى المكان الَّذِي أقبلت مِنْهُ، وإما أن أضع يدي فِي يد يَزِيد بن مُعَاوِيَة فيرى فِيمَا بيني وبينه رأيه، وإما أن تسيروني إِلَى أي ثغر من ثغور الْمُسْلِمِينَ شئتم، فأكون رجلا من أهله، لي مَا لَهُمْ وعلي مَا عَلَيْهِم." (تاريخ الطبري)

 وصلت رسالته إلى عبيد الله بن زياد، وهم أن يقبل عرضه فرحاً: "هَذَا كتاب رجل ناصح لأميره، مشفق عَلَى قومه، نعم قَدْ قبلت" (تاريخ الطبري)

 بيد أن أحد المارقين الخائنين وهو شمر بن ذي الجوشن لعنه الله  نهاه عن القبول بعرض الحسين وطلب من عبيد الله أن يدعوه للاستسلام بدون شروط وقال: "أتقبل هَذَا مِنْهُ وَقَدْ نزل بأرضك إِلَى جنبك! وَاللَّهِ لَئِنْ رحل من بلدك، ولم يضع يده فِي يدك، ليكونن أولى بالقوة والعزة ولتكونن أولى بالضعف والعجز، فلا تعطه هَذِهِ المنزلة فإنها من الوهن، ولكن لينزل عَلَى حكمك هُوَ وأَصْحَابه، فإن عاقبت فأنت ولي العقوبة، وإن غفرت كَانَ ذَلِكَ لك" (تاريخ الطبري)

وهو أمر رفضه الحسين رضي الله عنه بكل إباء صارخاً عبر التاريخ قائلاً "والله لا أعطيهم بيدي إعطاء الذليل هيهات منا الذلة"

وكانت الملحمة العظيمة واستبسل الحسين ومن معه وقاتل كأسد هصور وهو يرى أولاده يقتلون أمام عينيه وصرخ في شيعته الغادرين الذي سلوا سيوفهم عليه صرخة خلدها التاريخ قائلاً: "أنا ابن بنت نبيكم خاصة، أخبروني، أتطلبوني بقتيل مِنْكُمْ قتلته، أو مال لكم استهلكته، أو بقصاص من جراحة؟  فأخذوا لا يكلمونه، قَالَ: فنادى: يَا شبث بن ربعي، ويا حجار بن أبجر، ويا قيس بن الأشعث، ويا يَزِيد بن الْحَارِث، ألم تكتبوا إلي أن قَدْ أينعت الثمار، واخضر الجناب، وطمت الجمام، وإنما تقدم عَلَى جند لك مجند، فأقبل! قَالُوا لَهُ: لم نفعل، فَقَالَ: سبحان اللَّه! بلى وَاللَّهِ، لقد فعلتم، ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إذ كرهتموني فدعوني أنصرف عنكم إِلَى مأمني من الأرض، قَالَ: فَقَالَ لَهُ قيس بن الاشعث:أولا تنزل عَلَى حكم بني عمك، فإنهم لن يروك إلا مَا تحب، ولن يصل إليك منهم مكروه؟ فقال الْحُسَيْن: أنت أخو أخيك، أتريد أن يطلبك بنو هاشم بأكثر من دم مسلم بن عقيل، لا وَاللَّهِ لا أعطيهم بيدي إعطاء الذليل، وَلا أقر إقرار العبيد" (تاريخ الطبري)

وتابع الحسين رضي الله عنه حربه بكل شرف وصبر بمن معه من المقاتلين الشرفاء من أهل بيته وأصحابه واستمر أعداؤه في عدوانهم وبلغ بهؤلاء الغادرين أن منعوه الماء والشرب من نهر الفرات وكان في جيش عبيد الله بن زياد رجل يسمى الحر بن يزيد فلما رأى غدر الشيعة ومن معهم من زبانية السلطان ورفضهم حتى السماح للحسين رضي الله عنه أن يذهب وشأنه خرج من الجيش وانضم لصفوف الحسين وصرخ فيهم كاشفاً حقيقتهم وخستهم ونذالتهم: " يَا أَهْلَ الْكُوفَةِ، لأمكم الهبل والعبر إذ دعوتموه حتى إذا أتاكم اسلمتموه، وزعمتم أنكم قاتلوا أنفسكم دونه، ثُمَّ عدوتم عَلَيْهِ لتقتلوه، أمسكتم بنفسه، وأخذتم بكظمه، وأحطتم بِهِ من كل جانب، فمنعتموه التوجه فِي بلاد اللَّه العريضة حَتَّى يأمن ويأمن أهل بيته، وأصبح فِي أيديكم كالأسير لا يملك لنفسه نفعا، وَلا يدفع ضرا، ومنعتموه ونساءه وأَصْحَابه عن ماء الفرات الجاري الَّذِي يشربه اليهودي والمجوسي والنصراني، وتمرغ فِيهِ خنازير السواد وكلابه، وها هم أولاء قَدْ صرعهم العطش، بئسما خلفتم مُحَمَّدا فِي ذريته! لا سقاكم اللَّه يوم الظمأ إن لم تتوبوا وتنزعوا عما أنتم عَلَيْهِ" (تاريخ الطبري)

واستحر القتل بآل الحسين رضي الله عنه واستشهدوا جميعاً بكل بسالة وشرف وعزة غير خانعين ولم يعطوا بيدهم إعطاء الذليل وكان موقفاً جللاً تتفطر له القلوب وصرخ الحسين بكل قهر داعياً على هؤلاء الخونة: "اللَّهُمَّ أمسك عَنْهُمْ قطر السماء، وامنعهم بركات الأرض، اللَّهُمَّ فإن متعتهم إِلَى حين ففرقهم فرقا، واجعلهم طرائق قددا، وَلا ترض عَنْهُمُ الولاة أبدا، فإنهم دعونا لينصرونا، فعدوا علينا فقتلونا" (تاريخ الطبري)

سقط الحسين رضي الله عنه شهيداً جميلاً مضمخاً بدمه على أرض كربلاء يوم العاشر من محرم سنة واحد وستين للهجرة في أعظم موقف يمكن أن يكون للرجولة وإباء الضيم والعزة والفخار، ونال خائنوه كل عار خلده التاريخ وإن بقوا يلطمون حتى قيام الساعة.

وبعد أن استشهد الحسين رضي الله عنه واحتز رأسه ذهب هؤلاء المارقين برأسه ونساء بيته إلى يزيد في دمشق، فلما علم يزيد بالخبر ترحم عليه ولعن عبيد الله بن زياد: " وَقَالَ: قَدْ كنت أرضى من طاعتكم بدون قتل الْحُسَيْن، لعن اللَّه ابن سمية! أما وَاللَّهِ لو أني صاحبه لعفوت عنه، فرحم اللَّه الْحُسَيْن!" (تاريخ الطبري)

يزيد وأسطورة "لن تسبى زينب مرتين"

لما دخلت نساء الحسين على يزيد كان معهن صبي صغير اسمه علي بن الحسين وهو زين العابدين، وهو الذكر الوحيد الذي نجا من آل الحسين رضي الله عنهم، وأظهر يزيد الندامة والحزن على الحسين رضي الله عنه ودار جدال شديد بينه وبين زينب بنت علي أخت الحسين رضي الله عنه عندما حاول أحد الصفقاء أن يتجاوز حدوده ولكنها سفهت يزيداً في سلطانه وهزأته بالقول أمام حاشيته عندما أخذته العزة بالاثم وتروي لنا فاطمة أختها فتقول:

"لما أجلسنا بين يدي يَزِيد بن مُعَاوِيَة رق لنا، وأمر لنا بشيء، وألطفنا، قالت: ثُمَّ إن رجلا من أهل الشام أحمر قام إِلَى يَزِيد فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هب لي هَذِهِ- يعنيني، وكنت فتاة وضيئة- فأرعدت وفرقت، وظننت أن ذَلِكَ جائز لَهُمْ، وأخذت بثياب أختي زينب، قالت: وكانت أختي زينب أكبر مني وأعقل، وكانت تعلم أن ذَلِكَ لا يكون، فَقَالَتْ:كذبت وَاللَّهِ ولؤمت! مَا ذَلِكَ لك وله، فغضب يَزِيد، فَقَالَ: كذبت وَاللَّهِ، إن ذَلِكَ لي، ولو شئت أن أفعله لفعلت، قالت: كلا وَاللَّهِ، مَا جعل اللَّه ذَلِكَ لك إلا أن تخرج من ملتنا، وتدين بغير ديننا، قالت: فغضب يزيد واستطار، ثُمَّ قَالَ: إياي تستقبلين بهذا! إنما خرج من الدين ابوك وأخوك، فَقَالَتْ زينب: بدين اللَّه ودين أبي ودين أخي وجدي اهتديت أنت وأبوك وجدك، قَالَ: كذبت يَا عدوة اللَّه، قالت: أنت أَمِير مسلط، تشتم ظالما، وتقهر بسلطانك، قالت: فو الله لكأنه استحيا، فسكت" (تاريخ الطبري)

 

والتاريخ يحدثنا أن كل دجل تم افتراؤه عن أن زينب رضي الله عنها سبيت أو جردت من ملابسها أو أنها عوملت معاملة السبي ما هو إلا اختلاق هؤلاء الذين ما ملوا من التلون والتلطي خلف خزيهم وغدرهم، فيزيد على كل ما فيه من ذم لموبقاته التي ارتكبها لم يبدر منه تجاه نسوة آل البيت أي سوء لا بل قام بإكرامهن وتجهيزيهن وإيصالهن إلى المدينة المنورة آمنات:

"قَالَ يَزِيد بن مُعَاوِيَة: يَا نعمان بن بشير: جهزهم بِمَا يصلحهم، وابعث معهم رجلا من أهل الشام أمينا صالحا، وابعث مَعَهُ خيلا وأعوانا فيسير بهم إِلَى الْمَدِينَة، ثُمَّ أمر بالنسوة أن ينزلن فِي دار عَلَى حدة، معهن مَا يصلحهن، وأخوهن معهن عَلِيّ بن الْحُسَيْن، فِي الدار الَّتِي هن فِيهَا قَالَ: فخرجن حَتَّى دخلن دار يَزِيد فلم تبق من آل مُعَاوِيَة امرأة إلا استقبلتهن تبكي وتنوح عَلَى الْحُسَيْن، فأقاموا عَلَيْهِ المناحة ثلاثا، وَكَانَ يَزِيد لا يتغدى وَلا يتعشى إلا دعا عَلِيّ بن الْحُسَيْن إِلَيْهِ، ولما أرادوا أن يخرجوا دعا يَزِيد عَلِيّ بن الْحُسَيْن ثُمَّ قَالَ: لعن اللَّه ابن مرجانة، أما وَاللَّهِ لو أني صاحبه مَا سألني خصلة أبدا إلا أعطيتها إِيَّاهُ، ولدفعت الحتف عنه بكل مَا استطعت ولو بهلاك بعض ولدي، ولكن اللَّه قضى مَا رأيت، كاتبني وأنه كل حاجة تكون لك، قَالَ: وكساهم وأوصى بهم ذَلِكَ الرسول، قَالَ: فخرج بهم وَكَانَ يسايرهم بالليل فيكونون أمامه حَيْثُ لا يفوتون طرفه، فإذا نزلوا تنحى عَنْهُمْ وتفرق هُوَ وأَصْحَابه حولهم كهيئة الحرس لَهُمْ، وينزل مِنْهُمْ بحيث إذا أراد إنسان مِنْهُمْ وضوءً أو قضاء حاجة لم يحتشم، فلم يزل ينازلهم فِي الطريق هكذا، ويسألهم عن حوائجهم، ويلطفهم حَتَّى دخلوا الْمَدِينَة، وَقَالَ الْحَارِث بن كعب: فَقَالَتْ لي فاطمة بنت علي: قلت لأختي زينب: يَا أخية، لقد أحسن هَذَا الرجل الشامي إلينا فِي صحبتنا، فهل لك أن نصله؟ فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا معنا شَيْء نصله بِهِ إلا حلينا لها: فنعطيه حلينا، قالت: فأخذت سواري ودملجي وأخذت أختي سوارها ودملجها، فبعثنا بِذَلِكَ إِلَيْهِ، واعتذرنا إِلَيْهِ، وقلنا لَهُ: هَذَا جزاؤك بصحبتك إيانا بالحسن من الفعل، قَالَ: فَقَالَ: لو كَانَ الَّذِي صنعت إنما هُوَ للدنيا كَانَ فِي حليكن مَا يرضيني ودونه، ولكن وَاللَّهِ مَا فعلته إلا لِلَّهِ، ولقرابتكم مِنْ رَسُولِ الله" (تاريخ الطبري)

موقعة الحرة جريمة تضاهي كربلاء

لقد استبد بنو أمية بالحكم والسلطان ولكن ما شأن أمة بكاملة يمثلها أهل السنة والجماعة بفئة استولت على الحكم وقمعت كل من خرج عليها؟ وهل قمع بنو أمية ثورة الحسين وحدها؟ فعشرات الحروب خاضها بنو أمية على من عارض حكمهم، فيزيد نفسه افتعل مجزرة في المدينة المنورة لا تقل عن مجزرة كربلاء تسمى في التاريخ موقعة الحرة واستباح جيشه المدينة ثلاثة أيام قتل فيها الكثير من الصالحين والقراء ومن المفارقات أن زين العابدين علي بن الحسين كان في المدينة عند تلك الموقعة وقد أوصى يزيد قائد جيشه مسلم بن عقبة أن يستوصي به خيراً فكان زين العابدين الوحيد الذي لم تطله يد الجبروت، يقول المؤرخ بن كثير في البداية والنهاية:

"أَبَاحَ مُسْلِمُ بْنُ عُقْبَةَ الَّذِي يَقُولُ فِيهِ السَّلَفُ: مُسْرِفُ بْنُ عُقْبَةَ قَبَّحَهُ اللَّهُ الْمَدِينَةَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ كَمَا أَمَرَهُ يَزِيدُ لَا جَزَاهُ اللَّهُ خَيْرًا، وَقَتَلَ خَلْقًا مِنْ أَشْرَافِهَا وَقُرَّائِهَا، وَانْتَهَبَ أَمْوَالًا كَثِيرَةً مِنْهَا، وَوَقَعَ شَرٌّ عَظِيمٌ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ"

أما بالنسبة لزين العابدين يذكر المؤرخ عن مسلم بن عقبة قوله له:"إنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَوْصَانِي بِكَ، وَإِنَّ هَؤُلَاءِ شَغَلُونِي عَنْكَ. ثُمَّ قَالَ: لَعَلَّ أَهْلَكَ فَزِعُواقَالَ: إِي وَاللَّهِ فَأَمَرَ بِدَابَّتِهِ فَأُسْرِجَتْ، ثُمَّ حَمَلَهُ عَلَيْهَا حَتَّى رَدَّهُ إِلَى مَنْزِلِهِ مُكَرَّمًا" ويسترسل المؤرخون في وصف أفعال جيش يزيد بالمدينة: "ثُمَّ اسْتَدْعَى بِعَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ - وَلَمْ يَكُنْ خَرَجَ مَعَ بَنِي أُمَيَّةَ - فَقَالَ لَهُ: إِنَّكَ إِنْ ظَهَرَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ قُلْتَ: أَنَا كُنْتُ مَعَكُمْ وَإِنْ ظَهَرَ أَهْلُ الشَّامِ قُلْتَ: أَنَا ابْنُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ثُمَّ أَمَرَ بِهِ، فَنُتِفَتْ لِحْيَتُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ قَالَ الْمَدَائِنِيُّ: وَأَبَاحَ مُسْلِمُ بْنُ عُقْبَةَ الْمَدِينَةَ ثَلَاثًا، يَقْتُلُونَ النَّاسَ، وَيَأْخُذُونَ الْأَمْوَالَ فَأَرْسَلَتْ سُعْدَى بِنْتُ عَوْفٍ الْمُرِّيَّةُ إِلَى مُسْلِمِ بْنِ عُقْبَةَ تَقُولُ: أَنَا بِنْتُ عَمِّكَ، فَمُرْ أَصْحَابَكَ أَنْ لَا يَتَعَرَّضُوا لِإِبِلٍ لَنَا بِمَكَانِ كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ لَا تَبْدَءُوا إِلَّا بِإِبِلِهَا. وَجَاءَتِ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: أَنَا مَوْلَاتُكَ، وَابْنِي فِي الْأُسَارَى. فَقَالَ: عَجِّلُوهُ لَهَا. فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ، وَقَالَ: أَعْطُوهَا رَأْسَهُ، أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ لَا تُقْتَلِي حَتَّى تَتَكَلَّمِي فِي ابْنِكِ؟ وَوَقَعُوا عَلَى النِّسَاءِ حَتَّى قِيلَ: إِنَّهُ حَبِلَتْ أَلْفُ امْرَأَةٍ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ مِنْ غَيْرِ زَوْجٍ.

قَالَ الْمَدَائِنِيُّ، عَنْ أَبِي قُرَّةَ قَالَ: قَالَ هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ: وَلَدَتْ أَلْفُ امْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ بَعْدَ الْحَرَّةِ مِنْ غَيْرِ زَوْجٍ" (البداية والنهاية)

 

صراع السلطة، الملك عقيم

والقارئ للتاريخ سيجد الكثير من هذه الأحداث بين أصحاب الملك ومن يخرجون عليهم، وهو صراع سياسي طبيعي فهذه طبيعة البشر الصراع على السلطة والجاه، حتى أنك ستجد أن الصراع على الملك يفرق بين أعز الأصحاب وهناك الكثير من قصص التاريخ، سنجد مثلا أن مصعب بن الزبير كان أحب الناس وأقربهم لعبد الملك بن مروان ولكنه قتله عندما خرج عليه، ويذكر لنا التاريخ قولاً مؤثراً لعبد الملك بن مروان في ذلك: "وَلَمَّا وُضِعَ رَأْسُ مُصْعَبٍ بَيْنَ يَدَيْ عَبْدِ الْمَلِكِ بَكَى وَقَالَ: وَاللَّهِ مَا كُنْتُ أَقْدِرُ أَنْ أَصْبِرَ عَلَيْهِ سَاعَةً وَاحِدَةً مِنْ حُبِّي لَهُ حَتَّى دَخَلَ السَّيْفُ بَيْنَنَا، وَلَكِنَّ الْمُلْكَ عَقِيمٌ! وَلَقَدْ كَانَتِ الْمَحَبَّةُ وَالْحُرْمَةُ بَيْنَنَا قَدِيمَةً، مَتَى تَلِدُ النِّسَاءُ مِثْلَ مُصْعَبٍ؟ ثُمَّ أَمَرَ بِمُوَارَاتِهِ" (البداية والنهاية)

 نعم إنها الحقيقة: الملك عقيم، وهذه طبيعة البشر حب الملك والسلطة، فليست القضية قضية قهر بني أمية لآل البيت، فبنوا أمية تذابحوا فيما بينهم على السلطة كما حصل بين أبناء يزيد بن معاوية وأبناء مروان بن الحكم  فكيف بينهم وبين غيرهم، وسنجد لاحقاً كيف فعل عبد الملك بن مروان بعبد الله بن الزبير ولم يشفع له أن تحصن في الكعبة حتى قام الحجاج بن يوسف بقصف الكعبة بالمنجنيق وهدم جزءً منها، وهكذا كان الصراع على السلطة صراعاً سياسياً لم يتحول إلى صراع ديني إلا على يد الشيعة، فلماذا لا نجد اليوم أتباعاً دينيين لعبد الله بن الزبير؟ ألم يخرج بثورة هو الآخر على بني أمية؟ أين الزبيريين اليوم؟

الشيعة هم وحدهم من حولوا الصراع السياسي إلى صراع ديني مذهبي إيديولوجي وصبغوه بخرافات وهرطقات ليست بشيء وهم بجميع الأحوال من فرطوا وغدروا في بداية الأمر ، وهم ليسوا سوى فئة قليلة تحاول أن تتملص من جريمة تاريخية ارتكبتها بحق أمة بكاملها عبر دس الرأس في الرمال وذر الرماد في العيون، وهكذا ساروا على خلق الحقد والبغضاء وادعاء مظلومية هم أبعد الناس عنها، فهاهم العباسيون حصلوا على السلطة والجاه والحكم وهم من آل البيت لكنهم لم يحولوه إلى صراع ديني، رغم أنهم ارتكبوا مجازر بحق بني أمية وجعلوا المسجد الأموي اسطبلاً للخيل عندما دخلوه، لكنهم لم يتجاوزوا اللعبة السياسية، وحتى بنوا أمية بعد أن أبيدوا على يد العباسيين لم نجد اليوم طائفة من الأمويين يتباكون على ملكهم والمجازر التي ارتكبت بحقهم! لماذا لا نجد أحداً من أحفاد بني أمية يذهب إلى قبر معاوية المتواضع في باب الصغير بدمشق ويلطم ويشق الثياب ويجلد ظهره على ما فعل بنوا العباس بهم؟ والمضحك أن الشيعة وجدوا حتى في بني العباس خصوماً لهم وهم من آل البيت!

 ثم إن الشيعة بأي حال قد وصلوا إلى الحكم في زمن الفاطميين وسيطروا على بلاد واسعة من أقصى المغرب إلى المشرق فأين أثرهم وصبغتهم؟ لقد رحل ذكرهم لأنهم طارؤون على الأمة، فالأمة لا تختزل في بني أمية أو بني العباس، بل هي الأمة، فعلام ادعاء مظلوميات كاذبة واختراع أكاذيب لا تمت للتاريخ بصلة؟

الشيعة لم يلتزموا باللعبة السياسية بل لجؤوا إلى المكر والباطنية وسوء النية ولا أدل على سوء نيتهم من أنهم عندما دعوا زيد بن علي بن الحسين ليبايعوه سألوه ما تقول في أبي بكر وعمر؟ فقال لهم غفر الله لهما ما سمعت أحداً من أهل بيتي يتبرأ منهما لا أقول فيهما إلا خيراً فلم يعجبهم قوله ورفضوا أن يبايعوه فلذلك سموا الرافضة.

يدعي شيعة اليوم أنهم يحاربون الإرهاب السني المتطرف ويحملون أهل السنة جريمة لم يرتكبوها، وأهل السنة إنما يمثلون الأمة بكاملها، ونسي هؤلاء المدعون أن التاريخ يحدثنا أنهم هم أول من أسس للتطرف الفكري وأول من أسس حركة إرهابية في التاريخ الإسلامي، فكانت حركة القرامطة الإسماعيلية الشيعية إحدى أسوء الحركات دموية، حتى أنهم اقتحموا موسم الحج وقتلوا ثلاثين ألف حاج أعزل، واقتلعوا الحجر الأسود وسرقوه وقد بنوا لأنفسهم كعبة جديدة، واستمر هؤلاء على نهجهم الإرهابي حتى باتوا يعرفون باسم الفداويين والحشاشين الذين ملؤوا البلاد رعباً وخوفها بهجماتهم.

لقد ترجل أبو عبد الله الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما شهيداً  ضارباً أروع صورة في المجد والبطولة والشهامة، بينما ضرب خصومه أبشع صورة في الغدر والخيانة، وهم فعلوا فعلتهم الخسيسة ثم حاولوا أن يتستروا بأن يلقوا التهم على غيرهم، فهم قتلوا الحسين رضي الله عنه واتهموا أمة بكاملها بقتله، فأهل السنة لا يزالون حتى قيام الساعة يسمون أبناءهم حسناً وحسيناً وزينب ورقية حباً بآل البيت وتيمنناً بهم،بينما لا يزال قوم ينشرون الحقد والكره ويحاولون التستر على جريمتهم بحق الحسين، وما يغني عنهم لطمهم وعويلهم في تغيير حقيقة التاريخ.

تعليقات