خروج روسيا الذكي من سورية

صورة ألكسندر كريس

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

29/3/2016
National Interest

(ترجمة السورية نت)

إعلان فلاديمير بوتين المفاجئ بسحب معظم القوات الروسية المتمركزة في سورية سيؤدي إلى الكثير من التكهنات حول دوافعه الحقيقية للقيام بذلك. هل حقق الجيش الروسي أهدافه الاستراتيجية فعلاً، كما زعم إعلانه؟ بالتأكيد ساعدت الغارات الجوية الروسية والمساعدات المادية على استقرار نظام الأسد وتركته وهو على وشك توجيه ضربة حاسمة إلى جماعات الثوار في حلب. ومع ذلك، هناك عدد من التفسيرات البديلة لقرار بوتين بالانسحاب. فتكاليف التدخل كانت عالية، وتتزايد الاضطرابات الداخلية بسبب تدني أسعار الطاقة والقضايا الدولية الأخرى التي تتطلب اهتمام بوتين، مثل العقوبات المستمرة بسبب التدخل الروسي في أوكرانيا.

إلا أن التشكيك في دوافع بوتين لسحب القوات الروسية يحجب نقطة أكثر إثارة للاهتمام حول محور روسيا الاستراتيجي بعيداً عن الشرق الأوسط. كيف يمكن لروسيا إزالة نفسها بدهاء من وسط الصراع على النقيض من التدخلات الأمريكية الأخيرة في الشرق الأوسط، كما هو الحال في العراق، حيث ثبت في نهاية المطاف أن الانسحاب منها مستحيل؟ هناك عدد من العوامل التي مكنت بوتين من التدخل في سورية والإفلات من العقاب، وكذلك وضع حد للتدخل الانفرادي الروسي.

سيقدر المراقبون الأمريكيون والغربيون على الإشارة بشكل جيد إلى الأسباب التي تجعل بوتين قادراً على إعلان النصر في سورية، لكنهم سيوضحون أيضاً سبب عدم قدرة الولايات المتحدة وحلفائها على القيام بذلك. كان تدخل بوتين حاسماً، غير مرتبط نسبياً بالرأي العام، ومحدد بأهداف محدودة وليس لديه أية أحمال من المثالية الإنسانية التي تحول دون الخروج السهل. في المقابل، لم تستجب الدول الغربية لأعمال العنف في سورية إلا بالخطوات المترددة العرجاء تبعاً لمشاعر الرأي العام القوي المعادي للتدخل المباشر والأفكار المتضاربة حول الطريقة الأفضل للحفاظ على أرواح المدنيين على المدى الطويل والقصير على حد سواء.

ترتبط العديد من الأسباب التي تجعل بوتين قادراً على التدخل والانسحاب بسرعة من سورية إلى طبيعة حكومته الاستبدادية، وهذا يعني أن هذه الأسباب لا يمكن تبنيها من قبل الولايات المتحدة وحلفائها وغير مرغوب فيها بالضرورة في حد ذاتها. ومع ذلك، ومن خلال السماح لروسيا بتخليص نفسها بسرعة من مسؤولياتها العسكرية في سورية، فمن السهل أن نفهم لما قد يكون صناع القرار الأمريكيون يغارون سراً من القوة التي يستخدمها نظرائهم الروس ببراعة. وبينما كان الرئيس أوباما وآخرون في الولايات المتحدة مشتبكين في صراع عام لا يطاق حول ما إذا كان عليهم التدخل والطريقة التي يجب أن يتدخلوا بها، دخلت روسيا وخرجت من الصراع وكل ذلك في غضون خمسة أشهر، وهي كغمضة عين بالنسبة إلى وتيرة تقدم الكونغرس البالغ التعقيد في العاصمة واشنطن. وعلاوة على ذلك، في حين كان هناك معارضة شعبية للتدخل العسكري الروسي في سورية في بداية الأمر، تجاهل بوتين بسهولة هذه المعارضة وحتى أنه استطاع تحويل الدعم العام لصالح التدخل.

وكانت روسيا قادرة أيضاً على تبني والحفاظ على أهداف محددة من خلال التدخل العسكري على حد سواء: وهي استقرار نظام الأسد، وإعطاءه هو وروسيا مواقع أقوى للتفاوض في أي وقف لإطلاق النار. ومن الصعب إن لم يكن مستحيلاً بالنسبة للولايات المتحدة الالتزام بأهداف محدودة – كما يتبين من غزو العراق وأفغانستان – نظراً للدور المسيحي الذي ترى روسيا أنها مقبلة عليه وتفوق الولايات المتحدة، مما يحد من التكاليف النسبية للتدخلات طويلة الأمد. حتى في الحالات القليلة التي منعت الولايات المتحدة نفسها فيها من الشروع في عملية بناء دولة مسلحة مشؤومة، كما هو الحال في ليبيا في عام 2011، فما زال صناع القرار يتحسرون على ضياع فرصة التغيير التحولي ويلومون حلفاء الولايات المتحدة لفشلهم في المساعدة على توفير ذلك.

أخيراً، جزء من الدافع لبناء الدولة المسلحة – وخاصة بالنسبة للدول الليبيرالية والديمقراطية – هو الرغبة المبررة لتوسيع المعايير الإنسانية وحماية الحريات الفردية من الأنظمة المفترسة وغيرها من الجهات الفاعلة الخبيثة. وهذه الرغبة يمكن أن تكون بمثابة قوة دافعة للعمل (وشكلت جزءاً من منطق تدخلات الولايات المتحدة في أفغانستان والعراق)، ولكنها أيضاً قد تعرقل الخروج السريع، لأن الفوضى الحاصلة في أعقاب التدخل العسكري دائماً ما تكون أقل أمناً من الوضع السابق للتدخل. دول مثل روسيا، التي لا تهتم بكسر الدول، لا تشعر بأنها ملتزمة أخلاقياً بشراء (حرفياً أو مجازياً) الأمن للمدنيين بعد وقف العمليات العسكرية.

بما أن القدرة على فك الاشتباك العسكري من صراعات كصراع سورية ترتكز جزئياً على الأقل على الطبيعة الاستبدادية للحكومة المتدخلة، فستكون الولايات المتحدة غير قادرة على القيام بخطوة مماثلة من دون التخلي عن مبادئها الليبيرالية. وبناء على هذا، فإن التجربة الروسية في سورية توضح مرة أخرى أن هدف الولايات المتحدة الاستراتيجي الرئيسي ينبغي أن يكون تجنب مثل هذه التدخلات العسكرية في المقام الأول، لأن طابعها الليبيرالي يمنعها من الخروج السريع والسهل. وعلاوة على ذلك، فما زال هناك متسع من الوقت ليثبت انسحاب بوتين من سورية أنه أكثر صعوبة مما هو مفترض حالياً، محولاً "نصره" المزعوم إلى شكل أكثر وضوحاً من أشكال الهزيمة.

يوضح التدخل الروسي بالتأكيد قدرات إظهار القوة من مسافات بعيدة، ولكن المكاسب الهامشية في برستيج الهيبة الروسية تطغى عليها التكاليف الواضحة في المعدات والقوى العاملة وغيرها من النفقات، واحتمال حدوث مساءلة قانونية دولية مستقبلية. وكما تعرف الولايات المتحدة بشكل جيد للغاية، فإن إعلان النصر أمر، وتحقيق ذلك على الواقع وبشكل كامل هو أمر مختلف تماماً.

تعليقات