خمسة أسباب تفيد بأننا لم نشهد الأسوء بعد في المنطق العربية

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

25/11/2014
العرب القطرية

تمر المنطقة العربية بحالة انهيار هي الأكبر والأوسع التي تشهدها دولها على الإطلاق منذ عقود طويلة، مصحوبة بشبه استسلام للتراجع المهول في القدرات والأداء إزاء التحديات المتراكمة والمتزايدة على أكثر من صعيد.

وأمام التراجع الاقتصادي الهائل لغالبية الدول، وتفكك النسيج الاجتماعي، وتكاثر الجماعات الراديكالية المسلحة والتطرف والإرهاب الناجم عن السياسات التدميرية المنظّمة التي اتّبعتها الأنظمة وتوجتها باتباع سياسات تصفية وقتل علنية للشعوب بكافة أنواع الأسلحة ودون حسيب أو رقيب، يعتقد كثيرون أننا وصلنا إلى القاع وأنه من غير الممكن الوصول إلى حالة أسوأ مما هي عليه اليوم في العالم العربي.

لسوء الحظ، وأكره أن أكون متشائماً، لكن إذا ما استمرت المعطيات المتوافرة حالياً على حالها لاحقا فهذا يعني بأننا لم نشهد الأسوأ بعد في العالم العربي على الأرجح، ومن مؤشرات ذلك:
أولا: في تشخيص الأسباب التي أدت إلى اندلاع الثورات العربية نهاية عام 2010، احتلت ثلاثة مواضيع رأس القائمة كأسباب لاندلاع الثورات وهي: العامل الاقتصادي السيئ للغاية، غياب الحريات العامة، امتهان الكرامة الإنسانية. في البلدان التي شهدت الثورات، فإن هذه العناصر الثلاثة لا تزال قائمة، لا بل إن إعادة الثورات المضادة إلى المشهد الرئيسي فيها أدى إلى مزيد من التدهور في هذه المؤشرات الثلاثة، ويبدو أنّ تدهور لحال أدى إلى وضع مزيد من الضغوط السياسية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية على دول أخرى لم تشهد ثورات. ولا شك أن استمرار الوضع على ما هو عليه قد يفجر الأوضاع في الدول الأخرى هذه.

ثانيا: الثورات التي انطلقت نهاية عام 2010 كانت تعبيراً عن فشل الأنظمة السياسية، وكذلك عن فشل التيارات السياسية المعارضة على كافة انتماءاتها في اختراق الواقع المزري، والمشكلة أنّ هذه المعادلة لا تزال قائمة بدورها، فالأنظمة القديمة عادت بصورة أسوأ في بعض البلدان، والتيارات السياسية المعارضة القديمة لم تفرز نخباً أو توجهات جديدة، فبقيت على حالها. وهذا يعني أنّ الضغوط لا تزال قائمة سيما أنّ غالبية السكان في الوطن العربي هي من فئة الشباب، ومن المعروف أن الفشل في تلبية طموحات الشباب في أي منطقة من العالم خلال العقود الأخيرة أدى إلى انفجارات وإلى مشاكل داخل الدول التي تجاهلتهم.

ثالثا: إصرار بعض الأنظمة على بقائها بالقوة ولو أدى ذلك إلى تدمير البلاد وإفناء العباد، خلق ردّة فعل متطرّفة تمثلت في تكاثر الجماعات الراديكالية المسلّحة، وأبرز أمثلتها تنظم الدولة «داعش». هذا الوضع أنشأ ما يمكن أن نسميه الحلقة المفرغة من الإرهاب والإرهاب المضاد الناجم عن الإرهاب الأول، فأصبحت الأنظمة تغذي بشكل غير مباشر هذه الجماعات المتطرفة بسياساتها وأصبحت الأخيرة تبرر وجود الأولى بدورها وتشرّعه، والخاسر الوحيد من هذه المعادلة هم الدولة بمؤسساتها والثوار بأرواحهم، وهو أمر يستمر وقد يزداد على ما يبدو في ظل المعادلة المذكورة.

رابعا: استخدام ملف الإرهاب لتحقيق مكاسب سياسية واكتساب شرعيّة يعني أنه لا يوجد نيّة لمعالجة الأسباب الرئيسية التي أدت إلى ولادته، واستخدام القوّة حصراً للتعامل معه يعني أيضا أنّه لا أمل بالقضاء عليه، إذ من الممكن إخماده لفترة معيّنة قبل أن يعود وينفجر بشكل أكثر تطرفاً ووحشيّة استجابة لقاعدة «لكل فعل رد فعل مساو له في القوة ومعاكس له في الاتجاه»، وهذا يعني أن «داعش» قد تكون قمّة الجليد فقط! وأنه ما لم يتم التعامل مع الأسباب الحقيقية التي أدت لولادتها فإننا سنشهد على الأرجح نسخة مطورة من «داعش» كما كانت «داعش» نفسها نسخة مطورة عن «القاعدة».

خامسا: التغيرات الكبرى الناجمة عن صفقة محتملة أميركية- إيرانية الآن أو لاحقا، وزيادة النفوذ الإيراني بشكل غير مسبوق واستقواء أذرعها وميليشياتها الطائفية بشكل غير مسبوق أيضا في المنطقة سيؤدي إلى تقويض شرعية بعض الأنظمة العربية التي تقدم نفسها على أنها سد منيع لمواجهة النفوذ الإيراني، كما أنّها ستكون بمثابة من يصب الزيت على النار، إذ إنّها ستعزز من صحّة النظرية القائلة: إن هناك اتفاقا أميركيا- شيعيا على محاربة السنّة، وهو ادعاء لا يقتصر على الجماعات الراديكالية السنيّة فقط، بل إنّ هناك من يؤمن بأنّه حاصل فعلا الآن كفريديرك كاجان، مدير مشروع التهديدات الحرجة الذي يقول: إنّ الولايات المتّحدة أصبحت بشكل لا لبس فيه إلى جانب إيران وأذرعها في المنطقة، ولكنه يبرر ذلك بقوله: إنّه حصل من دون قرار فعلي ومن دون مناقشة كافية. نجاح إيران في التمدد وعدم وجود دولة محورية عربية قادرة على صد تمددها وتمدد أذرعها سيستفز المزيد من الجماعات المسلحة على ملء ما تعتقد أنّه فراغ تركته الدولة العربية نتيجة فشلها في القيام بدورها وتحمل مسؤولياتها.