خيار وفقوس

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

29/3/2015
العربي الجديد
المؤلف: 

يتحدثون، في لغتنا العامية، عن "خيار وفقوس"، عندما يستنكرون التعامل التمييزي بين بشر يجب أن يكونوا متساوين في حقوقهم وواجباتهم. يمارس الأميركيون سياسة الخيار والفقوس التمييزية في الصراع ضد "داعش"، فيذهب الغُنم إلى قوات البيشمركه في صورة إشادة بجهودها في الحرب ضد التنظيم الإرهابي، والغُرم إلى الجيش السوري الحر الذي يتم تجاهل إنجازاته الكبيرة جداً، ولا يقارن بها أي شيء آخر، في محاربة الإرهاب التي كان قد بدأها بمفرده، أواسط العام الماضي، وطرد "داعش" خلالها من قرابة 80% من الأراضي التي كانت تحتلها بين الرقة والساحل السوري، من دون أن يتلقى أي دعم جوي من أي طرف، وأية مساندة بالسلاح والأموال، أو أن يرافقه آلاف الخبراء الأميركيين، ومئات الجنرالات الإيرانيين وعشرات آلاف الجنود ومقاتلي المليشيات، المزودين بأحدث الأسلحة، وأكثر أجهزة الاتصال والسيطرة تطوراً في العالم. اللهم لا اعتراض. لكن واشنطن بادرت، منذ اليوم الأول إلى إدخال القوات الكردية في التحالف، واعتمدتها جيشاً برياً زودته بالأسلحة والخبرات اللازمة لاستخدامها في أرض المعركة. وأعلنت القوات الكردية حليفاً لا تجوز هزيمته، لذلك، شن طيرانها غارات مكثفة على التنظيم الإرهابي ورده عن مشارف أربيل، في حين وضع جنرالاتها خططاً نفذها جيش الكرد، بعد تجميع وحداته المشتتة وإعادة هيكلتها، وأشرفوا على معاركها التي تمت جميعها تحت غطاء جوي، مكنها من مقاتلة الإرهابيين بنجاح نسبي. لم يترك سلاح الجو الأميركي والحليف موقعة من مواقع القتال، إلا وقدم فيها دعماً نارياً كاسحاً لحليفه الكردي، حتى ليصح القول إن العبء الأكبر من محاربة التنظيم تحمله طيران أميركا، الذي فتح الطرق أمام القوات الكردية ونظف الأرض من "داعش"، وجعلها تكسب معاركها بحد أدنى من القتال.

في المقابل، تبحث أميركا عن معتدلين سوريين، كي تدربهم، فلا تجد إلا أعدادا قليلة جداً منهم في المخيمات، ولا تعتبر الجيش الحر حليفاً يستحق دعماً جوياً أو برياً، ومن غير الجائز قطع الإمداد والدعم عنه، لأنه كان سباقاً إلى خوض معارك ناجحة ضد "داعش"، استمرت أشهرا عديدة، بعد أن خصه التنظيم بإرهابه، طوال عام ونيف، وقتل آلافاً من قادته ومنتسبيه ومناصريه، وطرده من معظم المناطق التي كان قد حررها شمالي سورية ووسطها، وأجبره على خوض حرب غير متكافئة على جبهتين: جبهته وجبهة النظام، واتبع، في قتاله، أساليب أدت إلى اختراق واحتلال بعض مكوناته من الداخل، وإفراغها من مقاتليها والاستيلاء على أسلحتها، بالتخويف والإفساد المادي والايديولوجي تارة، وقطع الرؤوس والذبح غالباً.

في هذه الفترة التي امتدت قرابة عام ونصف عام، لم تلاحظ أميركا وجود معركة بين الجيش الحر و"داعش"، ولم ترغب في مد يد العون إلى من كانوا يخوضونها من المعتدلين، ولم تشن غارات لدعمهم وتمنع طيران النظام من قصفهم، ولم تلق إليهم بالسلاح من الجو، كما فعلت في عين العرب التي كان التنظيم الارهابي يحتل معظمها، بل زادت في الطنبور نغماً عندما بدأت تحتسب التطرف على الثورة، وتعتبره جزءاً منها، أو تتهمها بالتقصير في قتاله وبالانحياز إليه. في نهاية المطاف، تذرع البيت الأبيض بالخوف من وقوع بعض أسلحته في يد الإرهابيين، كي يوقف دعمه "المعتدلين"، بدل أن يزيده، كي يمكنهم من استكمال معركته ضد الإرهاب وقصم ظهره كعدو مشترك قيد الجيش الحر انتشاره في شمال سورية، وكبح تمد