دواعش.. لكن بالبدلة الإيطالية والكرافت الفرنسي؟!

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

9/2/2015
العرب القطرية

كثيراً ما تُخفي المظاهر تناقضاتها، وليس بالضرورة أن يُنبئ المَظهر عن المَخبر، وكما قال أحمد شوقي من قبل:
لا تأخذن من الأمور بظاهر.... إن المظاهر تخدع الرائينا
أنظمة الاستبداد العربية التي حكمت شعوبها بالحديد والنار بدعم غربي غير مسبوق لعقود سعت إلى تجميل المخبر القبيح ببدلات إيطالية وكرافتات وعطور فرنسية لكن ذلك ربما لم يخدع طبقات وشرائح معينة انتفضت وتمردت مبكراً ضد هذه الأنظمة المتعفنة، لكنها انتفاضات افتقرت إلى سيل شعبي يقف معها.. إلى أن جاءت لحظة الحقيقة وهي لحظة الربيع العربي، فالسيل الشعبي الذي تكوّن بعد الربيع العربي كان مجراه قد غيّرته وعبثت به الأنظمة المستبدة استعداداً لهذا اليوم، فما كان على السيل الشعبي إلا أن يجرف كل شيء أمامه، تماماً كحال مجاري السيول التي يعبث بها الإنسان عُمراناً وبناءً متحدياً مجراها التاريخي، فتكون النتيجة جرفها لكل من يعترض طريقها وسبيلها. أستذكر هذا حين كُنت أُغطي فيضانات باكستان في وادي سوات الجميل قبل سنوات كانت السيول تجرف أمامها كل أبنية تعدّت على حق سيرها التاريخي والطبيعي، قال لي يومها معمّر سواتي: «قبل أسابيع كان الأهالي يتقاتلون على أراض بجانب مجرى السيل هذا، لم يعلموا أن خصمهم أقوى منهم جميعاً وهو السيل فجرفها وفض نزاعهم على طريقته».

تقول العرب: إن السيول تأخذ حقها بعد عشرات السنين، أما في باكستان فيقولون إن السيل يعود إلى بيوضه ولو بعد حين، عاد يومها السيل إلى بيوضه، وجرف كل من تعدّى على حقه، اليوم تجرف سيول الشعوب العربية أنظمة الاستبداد المتعفنة، التي تعدّت على حقها فابتلعت الدولة والمجتمع وكل ما يمت إلى الإنسان بصلة، ولذا كان الثمن فادحاً، فلم تخفِ هذه الأنظمة ذلك، حين أعلن دستور البعث السوري أن الحزب قائد للدولة والمجتمع، ولعل في كتاب طبائع الاستبداد للمفكر الحلبي العريق عبدالرحمن الكواكبي غُنية للمستزيد.

هذه المقدمة قد تكون فلسفية ماورائية، لكن لا غنى عنها وعن الفلسفة لفهم ما جرى الذي كان رحم ما يجري اليوم، أنظمة تدعشنت قبل أن تتدعشن مجموعات، إنما خرجت من رحم أنظمة متدعشنة جينياً، وإلا فمن أين تتعلم الضحية في جوّ مكبوت مغلق مسدود النوافذ لعقود، لن تتعلم إلا من جلادها، حصل ذلك في الشام والعراق وقد يتكرر في أي دولة عربية أو غير عربية مستبدة، أنظمة كرّست مفهوماً سياسياً لم يُعهد من قبل أن بقاءها مرتبط بقضايا أزلية «الأسد أو لا أحد» تحرير فلسطين، الحرية والكرامة والاشتراكية، وكلها عناوين أبدية لا يمكن أن يكون لتحقيقها سقف زمني، سبقت هذه الأنظمة المتدعشنة داعش بعقود وسبقت شعارها البائس «باقية وتتمدد» فكان البقاء والتمدد على حساب الثوار ممن انتفضوا وليس على حساب أنظمة رأت في داعش وجهاً آخر للعملة، بقاؤهما مرهون ببعضهما، لقد كانت هذه الأنظمة تهتف منذ عقود أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة، وفعلياً وعملياً على الأرض تمارس شعار «باقية وتتمدد»، ألم يرفع البعث السوري القميء «إلى الأبد يا حافظ الأسد»، فلم العتب إذن على الدواعش، الفرق بين دواعش الضحية، ودواعش الجلاد هو في البدلة الإيطالية والكرافت الفرنسي، حتى أن الضحية بزّت جلادها في رطنة اللغات الأجنبية، وبمونتاجات أفلام هوليوودية لجرائمها الشنيعة.

يتفنن دواعش الكرافت في سبل إفناء أجساد شعوب كان قدرها أن يحكموها، هل سمع أحد أن نظاماً في سابع أرض قصف من يُفترض أن يكون شعبه، ببراميل متفجرة، أو بصواريخ سكود وبالطيران وبالكيماوي، وشرّد نصفه ودمر أكثر من نصف البلد، خدمة لأجندات أجنبية، لقد غدا مبرر وجوده في السلطة إنما هو في مواصلة وظيفته الأولى والأخيرة تدمير ما تبقى من الشام، وفي اللحظة التي يتوقف فيها عن ذلك تنتهي وظيفته عند أسياده. أنظمة لم ترفع سلاحها يوماً إلا في وجه شعبها، دبابات، طائرات، صواريخ كان عرضها في الميادين أيام ذكرى الاستقلال عن الاحتلالات الأجنبية وليتها لم ترحل كما هتف البعض من هذه الشعوب، هذه العروض كانت تُستقبل فرحاً من قبل شعوب خُدعت يوماً أنها ستكون لمقابلة العدو الصهيوني، فكانت هي أذناب الصهاينة بتقييم القاضي والجلاد والمحامي الذي هو النظام، وعليه فلا بد من بتر الأذناب قبل الرؤوس، فهذه الأنظمة لم تعتد إلا التعامل مع الأذناب، ما دام كل إناء بما فيه ينضح.

آلاف الشباب والشابات أُحرقوا في ميدان رابعة، عشرات الشباب قضوا بشكل وحشي في اليمن حين كان طاغية اليمن المخلوع علي عبدالله الصالح يُمعن قتلاً وذبحاً بشباب ساحة التغيير، كنت يومها شاهداً على مجزرة خنق بعبوات غاز مسيل للدموع لكنه منتهي الصلاحية سلمتهم إياه أميركا لمقاتلة القاعدة، لكنها أنظمة انتهت عندها صلاحيات كل شيء بما فيها أسلحتها المخزنة، إلا صلاحية نفسها التي لا تزال تظن أنها تحكم شعوب كهف خزنتهم فيه دهراً، أدركت كل هذه الأنظمة أن لا عاصم لها من أمر الشعوب اليوم لكنها كعادة الاستبداد تُكابر وتعاند، لأنها تُدرك حجم الإجرام الذي أحدثته بحق شعوبها فتتوقع أن يكون جزاء تخليها عن السلطة مساوياً له.?