رمزية النكتة السياسية في زمن البعث

(السورية 04/ 09/ 2014)

تعد مسألة وجود نكات كثيرة حول ظاهرة تقديس الأسد قبل اندلاع الثورة السورية، دليلاً على الاجماع الواسع في سورية على أن ظاهرة تعظيم الحاكم لم تكن قابلة للتصديق. حيث أخذت النكتة تعمل بشكل فعال كمقاومة لرواية النظام السوري للدرجة التي باتت تمكن الراوين والمستمعين من التغلب على العزلة والتفتيت اللذين أخذت تحرض عليهما ممارسات النظام السوري على صعيد الحياة اليومية، وخاصة أن النكتة أخذت تشرك كلاً من المنكتين والمستمعين بحقيقة التغلب على رقابتهم الذاتية، وبتجاوز المحرمات.

كتاب: السيطرة الغامضة: السياسة والخطاب والرموز في سورية المعاصرة
الكاتب: ليزا وادين
المترجم: نجيب الغضبان
الناشر: رياض الريس، 2010
عدد الصفحات: 385 

وضمن هذا السياق ترى ليزا وادين أستاذة علم الاجتماع السياسي في جامعة شيكاغو الأميركية في كتابها السيطرة الغامضة: السياسة، الخطاب والرموز في سورية المعاصر (الذي نُشر بداية باللغة الإنكليزية عام 1999، وتُرجم إلى العربية عام 2010، وقد كان في الأصل رسالة لنيل درجة دكتوراه)، أن النكات السياسية السورية غالباً ما أخذت تختصر ظاهرة تقديس الحاكم ولكن بطريقة معكوسة، بحيث أخذت  تستمد من الرمزية الرسمية للتعظيم السياسي من أجل الإطاحة بها، الأمر الذي يؤكد ويبرهن على أن  حالة الخوف اليومي ومرحلة الكمون السياسي التي شهدتها سوريا بعد مرحلة الثمانينات، لم تعن أن الشارع السوري قد أبدى استسلامه بشكل نهائي لآليات الاستبداد المادية والرمزية التي أنتجها النظام .
    
    رمزية النكتة:
وترى الباحثة الأميركية أن المفاهيم السياسية التقليدية لا تسعفنا على الأغلب في فهم الاستراتيجيات البديلة لمعارضة السلطة عبر الانعراج إلى قنوات "المقاومة الرمزية"، وخاصة أن علماء السياسة غالباً ما يميلون بشكل خاص لتركيز تحليلهم في السياسة على العلاقات الرسمية والشكلية بين الحاكم والمحكوم، وبذلك يتجاهلون مواقع الإنتاج الثقافي المناهض لرواية السلطة.

 المفاهيم السياسية التقليدية لا تسعفنا على الأغلب في فهم الاستراتيجيات البديلة لمعارضة السلطة عبر الانعراج إلى قنوات "المقاومة الرمزية"، وخاصة أن علماء السياسة غالباً ما يميلون بشكل خاص لتركيز تحليلهم في السياسة على العلاقات الرسمية والشكلية بين الحاكم والمحكوم، وبذلك يتجاهلون مواقع الإنتاج الثقافي المناهض لرواية السلطة.

ومن هنا تقدم مقاربة اجتماعية للنكتة بوصفها تعبر عن تمثلات رمزية ومخزون ثقافي مجتمعي عميق، وبالنظر إلى تاريخ النكتة الاجتماعي في سوريا بوصفه يميط اللثام عن تاريخ اجتماعي مشحون بالتراتبيات الاجتماعية والسياسية وحالة الفساد في أجهزة الدولة التي كانت تعيشها سوريا في مرحلة حافظ الأسد.

ومن الأمثلة التي تؤكد هذه المقاربة البديلة لرمزية النكتة، تشير الكاتبة إلى بعض الأمثلة التي تؤيد هذه الرمزية، منها نكتة تتحدث عن لقاء جمع الرؤساء ريغان وغورباتشوف والأسد. حيث يقول ريغان: راتبي السنوي 200000 دولار سنوياً. فقال غورباتشوف: أما أنا فراتبي 100 روبيل في السنة. قال الأسد: أنا راتبي 10000 ليرة سورية في السنة. "كيف تعيش على هذا الدخل؟" يتساءل الآخران. يجيب الأسد "أولادي يحولون لي مبلغاً كل شهر". حيث تشير هذه النكتة برأي وادين إلى الدور الذي يدعيه الأسد لنفسه كأب روحي، واعتماده على التضحيات الذاتية للشباب والفساد الشائع الذي يمكن بعض السوريين من الحصول على دخل أكبر بكثير مما تسمح به دخولهم العادية.

تجاوز السلطوية في سوريا رمزياً:

برأي الكاتبة تمثل نكات الحدود نوعاً شائعاً آخر، غالباً ما يشمل هذا النوع من النكات محادثات بين جندي سوري وجندي إسرائيلي، بحيث أخذ هذا النوع من النكات يناقض بشكل مباشر البلاغة المادية والثنائية في الخطاب الرسمي، كما أنها أخذت تسجل الإدراك بالتفوق العسكري الإسرائيلي. كما باتت تزود تفسيراً ممتعاً لقدرة السوريين على التأقلم ولجعل الحياة مطاقة بعكس انعدام المزايا. فاقتراح النكتة لأساليب غير قانونية لحماية ما يريده الفرد أمر فيه مغزى لكيفية رؤية السوريين لعالمهم ولبراعتهم فيه. "ضابط في الجيش يحاول الحصول على إجازة. فيذهب إلى قائده الذي يوافق على إعطائه عشرين يوماً شرطه أن يحضر السائل دبابة إسرائيلية. ويستجيب الضابط، فيحصل على العطلة الموعودة. وبعد فترة يطلب المجند إجازة أخرى، فيطلب منه الضابط الشرط نفسه، فيستجيب المجند. يتساءل الضابط مستغرباً: "كيف تفعل ذلك؟" يجيب المجند: "الأمر بسيط، فلقد اتفقت مع شخص إسرائيلي – أعطيه دبابتين سوريتين، وفي المقابل يعني دبابة إسرائيلية".

وكذلك تعد الديمقراطية المفبركة – برأي الكاتبة-أحد المواضيع التي تجد تعبيراً في النكات السورية، حيث تشير بعضها إلى الاستفتاءات المفبركة التي يحاكي بها النظام الديمقراطية. فالشعار المتكرر الذي يردد دائماً "نعم للأسد" يشير إلى هذه الاستفتاءات، مع أن الشعار مفتوح ويقترح الدعم والطاعة بشكل عام. "اضطر رجل إلى زيارة الحمام، بينما كان في السوق. فدخل إلى الحمام العام في سوق الحميدية. يدق على الباب، فيجيب الشخص في الداخل: "نعم". يدق على الباب ثانية، فيجيب الشخص في الداخل: "نعم"، فيقول الرجل: "أتعتقد أننا موجودون في قاعة الانتخابات؟".

تعد الديمقراطية المفبركة أحد المواضيع التي تجد تعبيراً في النكات السورية، حيث تشير بعضها إلى الاستفتاءات المفبركة التي يحاكي بها النظام الديمقراطية. فالشعار المتكرر الذي يردد دائماً "نعم للأسد" يشير إلى هذه الاستفتاءات، مع أن الشعار مفتوح ويقترح الدعم والطاعة بشكل عام.

أما النكات التي تركز على المنصب المقدس للأسد فيمكن أن تجمع تحت عنوان "نكات الكاريزما"، وهو ما توضحه على سبيل المثال إحدى النكت التي تتحدث عن العلاقة المجازية بين الأسد والقائد الكردي صلاح الدين في القرن الثاني عشر، بحيث تسخر من جهل المسؤولين في النظام التعليمي البعثي.
"يسأل أستاذ التاريخ تلامذته: "من قتل صلاح الدين؟" يرتعب التلاميذ، ثم يبكون قائلين: "نقسم أننا لم نفعلها، يا أستاذ". يستغرب الأستاذ من جوابهم، ويطلب المدير، يحضر المدير، ويسأل: "ما الأمر؟" يروي الأستاذ ما حدث، فيبكي الطلبة ثانية. يتساءل المدير: "وهل تشك في أحد منهم؟".

النكتة وكتابة تاريخ سوريا المعاصر:
تدعونا الكاتبة بعد قراءة رمزية النكت السياسية في سوريا، إلى كتابة سردية بديلة لحالة المقاومة الرمزية التي اعتمدها المجتمع حيال التسلط السياسي للنظام الأسدي، عوضاً عن القراءات السريعة التي غالباً ما قرأت المجتمع من منظور سياسي ضيق، عوضاً عن قراءة دينامياته الصامتة.
خاصة وأن الناس الذين يقدمون نكات سياسية للجمهور، هم غالباً ما يقاومون بدرجة كبيرة المعاني الرسمية والرواية الرسمية التي سعى النظام إلى دعمها خلال العقود الماضية، لكن دون أن تعمل هذه "المقاومة الرمزية" فقط على إعادة التفاوض، والاستحواذ على المعاني البلاغية فحسب، بل تقويض الآثار الانضباطية التي تلازم الخطاب وممارساته المرافقة. فكما يكدس النظام الفضاء العام بعروضه الرمزية للسلطة والعظمة، فإن النكات التي تسخر من النظام كانت بمثابة الطرق التي من خلالها خلق الناس بدرجة أو بأخرى مفاهيم بديلة للسياسة.

فكما يكدس النظام الفضاء العام بعروضه الرمزية للسلطة والعظمة، فإن النكات التي تسخر من النظام كانت بمثابة الطرق التي من خلالها خلق الناس بدرجة أو بأخرى مفاهيم بديلة للسياسة.

 الأمر الذي يمكننا -برأي الكاتبة-من تقييم الطرق التي من خلالها يمكن للتجاوزات أن تقوض بعضاً من جوانب سلطة النظام، ويساعدنا من ناحية أخرى على الوصول إلى فهم مختلف دقيق للطرق التي عملت من خلالها السلطة.  ذلك أن أنظمة السيطرة غير كاملة، والأشكال اليومية للمقاومة بقيت تقترح الطرق الجزئية وغير الكاملة لمواجهة تسلط النظام داخل عوالم رمزية جديدة.

 

إضافة تعليق جديد

Filtered HTML

  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • Freelinking helps you easily create HTML links. Links take the form of [[indicator:target|Title]]. By default (no indicator): Click to view a local node.
  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <img><h2></h1><a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd><h1></h2><i><u></u>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
CAPTCHA
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
5 + 5 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.