سباق اليوم التالي لبشار الأسد

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

31/5/2015
الحياة
المؤلف: 

الهزائم الأخيرة لقوات الأسد تطرح للمرة الأولى مسألة البديل، لننسَ ما قيل سابقاً عن عملية انتقالية في سورية، بما في ذلك ما شهدته جلسات مؤتمر جنيف2، فكل ما سبق ينتمي إلى زمن التسويف والمماطلة، ولا يشبه الجهود الحثيثة المبذولة حالياً، سواء لجهة تظهير البديل أو لجهة إعاقته. الآن، ثمة قناعة أكبر من أي وقت بأن عمر نظام الأسد قد انتهى، على رغم وضعه في غرفة الإنعاش منذ أربع سنوات، والتحدث عن التركة بات أمراً ضرورياً حتى من جانب بعض آل الميت، بل ثمة اتفاق بين الحلفاء والخصوم على تأخير إجراءات الدفن ليُتاح وقت كافٍ لتدبير أمر التركة.

لا يوجد خوف جدي من سقوط مفاجئ للنظام، على الأقل لا تأتي المخاوف مباشرة من جهة تقدّم فصائل المعارضة، لأنها لا تزال بعيدة من مواقع الحسم، المخاوف الفعلية متأتية فقط من انهيار مفاجئ بفعل النكسات المتوالية، أي من انهيار القاعدة الداعمة قبل مجيء موعد الحسم، أو قبل التسوية الدولية. لذا، لا يُستبعد أن يُفرمل زخم التقدم الذي يحرزه خصوم الأسد في الأيام المقبلة، وهذا ما لجأ إليه حلفاء النظام أيضاً بتجميع قواته للدفاع عن خط دمشق - الساحل، لضمان موقع نفوذ مستتب يجري التفاوض منه. الأشهر المقبلة قد تشهد تكتيكات ميدانية تختلف عن مجريات السنوات الماضية، لارتباطها الواضح بأجندات سياسية دولية وإقليمية محددة، وابتعادها من طابع الحرب العشوائية، أو المعارك الموضعية المتفرقة التي لا يجمعها ناظم.

مشاورات المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا، في جنيف تظهر بطيئة، ومشتتة بعدد ضخم من المشاركين، ولعل هذا بالضبط ما يُراد منها، وهو إفساح المجال أمام سباق يجري بعيداً من أروقة المنظمة الدولية. المبعوث الدولي لن يُنضج تصوراته السورية قبل انتهاء المفاوضات النووية مع إيران، وفي المحصلة لن يتجاوز ما يقرره التفاهم الروسي - الأميركي أسوة بسلفَيْه في المنصب، لكنه بخلافهما وسّع مروحة المشاورات لتضم شخصيات تعلن معارضتها ولا تخفي موالاتها للنظام! وربما فضلاً عما تأخذه المعارضة عليه، من تمييع صف المعارضة بمفاوضة تلك الشخصيات، يجتذب الأخيرة لتكون ممثلة عن النظام في المرحلة الانتقالية.

اليوم التالي في سورية، إذا لم يحدث انهيار غير محسوب، لن يكون على شاكلة انتهاء الأنظمة الأخرى. النموذج الذي قد تميل إليه الإدارة الأميركية خليط مما حدث في تونس واليمن: رحيل وتنحٍّ لرأس النظام بالتزامن مع تقاسم النفوذ في مؤسساته. من وجهة نظر الإدارة، هذا ما يضمن عدم تكرار النموذج العراقي، ويضمن بقاء أجهزة أمنية قوية قادرة على مكافحة الإرهاب. وفق هذا التصوّر، المعارضة غير مأمونة الجانب، ولا مؤشر الى تكرار تجربة الصحوات في مواجهة «داعش»، أقله ليس قبل الوصول إلى ترتيبات تتعلّق بجيش النظام وأجهزته الأمنية ودورهما المستقبلي.

القوى الإقليمية الداعمة للمعارضة، وإن فاجأت كثراً باتفاقها وإنجازاتها، لم تواكب الإنجازات الميدانية كما يجب، وهي أيضاً تبدو كأنها في انتظار الموعد النهائي للمفاوضات النووية مع إيران لتتموضع وفق نتائجها. ما بذلته هذه القوى على صعيد التمثيل السياسي للمعارضة، لا يزال أقل مما بُذل على الصعيد العسكري، وعلى رغم أهمية الشق العسكري في الضغط من أجل التسوية المقبلة، إلا أن الإعلان الدولي المتكرر أخيراً عن عدم وجود حل عسكري إشارة لا ينبغي تجاهلها، وما لم تدخل المعارضة والقوى الداعمة لها إلى «بازار» التسوية برؤية متكاملة لليوم التالي، ستجد نفسها مضطرة الى المساومة فقط ضمن البضاعة الجاهزة التي تعرضها القوى الأخرى. لقد استُهلك وقت طويل فوق دماء السوريين لإثبات أن الأسد، الذي فشل في أن يكون بديلاً لنفسه، هو البديل الوحيد لـ «داعش». القناعة الأخيرة يمكن تلمّسها في سلسلة التراجعات الأميركية إزاء مصير الأسد، لكن الإدارة تُبقي على موقفها النهائي غامضاً، أو بالأحرى تترك هامشاً من الوقت لتقريره. ولا يخفى تمسك حلفاء الأسد ببقائه، مع تقديم تنازلات على صعيد استفراده بالسلطة، وهو طرح تبدي الإدارة اهتمامها به، على النحو الذي برز مع المشاورات التي تمت في ما سُمي «منتدى موسكو». اليوم التالي أتٍ أيضاً من وجهة نظر موسكو وطهران، وتريدان ضمان حصتهما من خلال الأسد تحديداً، لعدم توافر بديل بضعفه وولائه يضمن مصالحهما. من هذه الزاوية، هناك تقاطع بين هموم حلفاء النظام ورغبة الإدارة في عدم حدوث انهيار كبير على نمط نظام صدام، أما «عقدة الأسد» فلم تكن يوماً في عدم توافر بديل له من المعارضة، بل هي في عدم توافر بديل له من النظام نفسه.

سباق اليوم التالي هو سباق على نسبة كل طرف من التركة، وليس على سبيل المفارقة وحدها أن يُطرح بشار الأسد كواحد من الورثة، هذا التحدي يفترض بالمعارضة طرح شركاء بديلين عن الأسد يقبلون بنسبة أقل من الميراث. لنتذكرْ أن قوات المعارضة كانت في نهاية صيف 2012 على بوابات دمشق، وحُرمت حينها من الدعم الذي يمكّنها من إطاحة الأسد، وهي إلى اليوم لا تزال محرومة من الأسلحة التي تحمي بها نفسها والمدنيين الذين يتعرّضون في مناطق سيطرتها لقصف طيران الأسد.

لئلا تتأخر المعارضة عن اليوم التالي، ينبغي أن تنجز «خلطتها» من المعارضة والموالاة، وتبادر إلى طرحها استباقاً لحلول ستكون أكثر إجحافاً. إنه خيار مؤلم، غير أنه الوحيد المتاح دولياً لإفقاد رأس النظام أية صفة تمثيلية تتيح مشاركته في المرحلة الانتقالية. ثم إن الضرورات الداخلية توجب تمثيل أكبر نسبة من السوريين في المرحلة الانتقالية، على قاعدة عدم التورّط المباشر في جرائم الإبادة، ومن دون تلك المشاركة لن تُطوى صفحة كانت في جانب منها حرباً أهلية طائفية.

مع الأسف، اليوم التالي لن يأتي سريعاً وبلا مخاض إضافي عنيف، وعندما يأتي لن يكون على شاكلة ما تمنّته غالبية السوريين، ولن يعدو كونه ممراً إجبارياً بين «داعش البغدادي» و «داعش الأسدي»

تعليقات