سوريا تُفقد حزب الله شرعيته وشعبيته

صورة ماثيو ليفت

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

06/ 06/ 2014
جريدة العرب اللندنية
المؤلف: 

 مع تجاوز الانتفاضة السورية عامها الثالث، لا يزال نظام الأسد الحاكم في سوريا، والذي فاز مؤخرا في الانتخابات الرئاسية بنتائج محسومة سلفا لصالحه، يعتمد بصورة كبيرة على “حزب الله” عسكريا وسياسيا، لضمان استمراريته في محيط غالبيته ترفضه محليا وإقليميا ودوليا.

يدافع “حزب الله” بضراوة عن نظام الأسد سياسيا، وانتقل للمجاهرة بذلك علنا، بعد اكتشاف أمره الذي كان يحرص على سريته من خلال إرساله آلاف المقاتلين للقتال مع قوات الأسد ضد قوات المعارضة السورية.

الأمر الذي بقي طي الكتمان لفترة زمنية قصيرة، تكشف، بعد أن حرص قادة حزب الله على تكذيب التقارير التي أكدت مشاركة عدد كبير من عناصر الحزب في معارك القصير، ليتراجعوا و يعترف الأمين العام للحزب حسن نصر الله علنا بذلك، وقد أسقطت تلك المناورات السياسية للحزب قناع الفضيلة من على وجهه وهو الذي كان يفاخر دوما بأن أسلحة المقاومة التي ينسبها الحزب إليه هي موجهة نحو إسرائيل، و لكن ما ثبت هو العكس.

حليف النظام السوري

رصد تقرير لمجموعة الأزمات الدولية تداعيات تدخل حزب الله لإنقاذ نظام منهار سياسيا في دمشق، وانعكاسات ذلك في تصعيد أجواء التوتر السياسي في منطقة الشرق الأوسط انطلاقا من لبنان الذي يعيش حالة عدم استقرار، ساهمت في إذكائها ممارسات الحزب والتي أدت إلى جعله طرفا غير مرغوب فيه على الساحة السياسية اللبنانية والشعبية.

وجاء في التقرير أن الحزب استثمر كل طاقاته في الدفاع عن الرئيس السوري بشار الأسد، وأظهر أنه يدعم النظام السوري بكل الوسائل الضرورية، رغم الشكوك في قدرة هذا الأخير على تحقيق نصر حاسم. وبصرف النظر عن مخاطرة حزب الله بمكانته الأخلاقية مع انغماسه بعمق أكبر في الحرب الأهلية في سوريا، والتي يبدو أنها ستستمر لسنوات، فإن حزب الله يجد نفسه منشغلا على نحو متزايد عن محور تركيزه الأصلي المتمثل في محاربة إسرائيل ومُخاطرا بإحداث إعادة تشكيل عميقة لهويته.

كانت الأهداف العسكرية الأصلية لحزب الله في سوريا واضحة، وتتمثل في إنقاذ نظام يرى فيه حليفا محوريا وإبعاد الجهاديين السنة عن حدوده وأحيائه. لقد كانت مساهمته بالغة الأهمية، فقد تمكنت قواته من إعادة الزخم المتلاشي للنظام ومكّنته من تحقيق التقدم النسبي الذي يتمتع به اليوم. لقد عززت محاربته للمعارضة السورية، التي يُشخّصها بتعابير طائفية حادة، من قاعدة دعمه. غير أن التكاليف بعيدة المدى ـ بالنسبة إلى حزب الله والمنطقة ـ والمتمثلة في الانخراط في حرب طائفية صفرية، تعني أن الثمن الذي سيدفعه مقابل ذلك قد يكون جسيما بقدر أهمية المكاسب قصيرة الأمد التي يحققها.

رحّب الحزب بانتفاضات “الربيع العربي” الموجّه ضد أعدائه وخصومه، ومع انتقال الموجة إلى دمشق، انقلبت الموازين في قراءات الحزب السياسية ليضع حدا عند سوريا، ومع تراخي قبضة بشار الأسد، بات يرى بقاءه مرتبطا ببقاء حليفه، باعتبار أن سقوط الأسد سيحرمه من حليف محوري ومن ممر مهمّ للتزوّد بالأسلحة من إيران.

ومع تحوّل الانتفاضة السورية إلى حرب إقليمية بالوكالة، بات قادة الحزب متأكدين أن سقوط النظام سيؤدي إلى تغيير في التوازن الإقليمي والذي سيصب في غير مصلحته، مع ظهور تنظيمات مرتبطة بالقاعدة وأخرى داخل صفوف مجموعات مسلحة متشددة على غرار قوات الجيش السوري الحر العسكرية التي تمثل المعارضة السورية المعتدلة، فإن الحزب الشيعي، كجمهوره، بات يرى في الحرب الأهلية في سوريا حربا وجودية، وباتت جميع المؤشرات تؤكد أنه لو لا تدخل الحزب عسكريا لإنقاذ النظام في دمشق، لانهار هذا النظام منذ وقت طويل.

القتال في سوريا
ظهرت مزاعم بمشاركة حزب الله العسكرية في سوريا في أواسط عام 2012، بعد تحقيق مجموعات المعارضة المسلحة مكاسب مهمّة جنوب وشرق سوريا، وإحاطتها بدمشق، بشكل جعل النظام في خطر محدق، وسيطرتها على مناطق حدودية رئيسية مكّنتها من التواصل مع الجيوب السنية على الجانب اللبناني. بعد شهور من ذلك، لعب الحزب، في مايو 2013 وبشكل علني، دورا قياديا في إخراج الجماعات المسلحة من بلدة القصير الحدودية، وعزز سقوط البلدة من قبل قوة النظام وشجّع الحزب على توسيع معركته إلى جبال القلمون وما وراءها.

دفع التدخل العسكري الكامل حزب الله إلى منطقة مجهولة المعالم، من منظوره فلم يكن لديه خيار آخر، ولكنه من جهة أخرى نشر بذور الطائفية لتأخذ المواجهات صبغة طائفية، وهو ما جاء في دراسة تحليلية صادرة عن معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، وتقول الدراسة التي حملت عنوان “مأزق حزب الله في سوريا” إن الحزب الذي طالما أظهر نفسه نصيرا للمقهورين في وجه الظلم ومقللا من شأن هويته الطائفية المناصرة لإيران، فإن دعمه لنظام يسيطر عليه العلويون ضد المقاومة السورية التي أغلبها من السنة قد عرّض الصورة التي رسمها لنفسه على المدى الطويل للتشويه.

ما جاء في الدراسة الصادرة عن مجموعة الأزمات الدولية يطابق ما ذكره الباحث ماثيو ليفت في دراسته لمعهد واشنطن، والتي ذكرت أن انخراط حزب الله في سوريا يشكل تهديدا للحزب، كما أنه إشكالي بالنسبة إلى لبنان والعالم العربي. فقد عمّق هذا التدخل الانقسام الطائفي الإقليمي، وغذى التطرف، وأدى إلى تلاشي شرعيته بين شرائح من المجتمع كانت تدعمه في السابق. من خلال تصوير معركته على أنها هجوم استباقي على التكفيريين، فإن حزب الله صبغ جميع شرائح المعارضة، وفي الواقع جميع السنة، بفرشاة التطرف السوداء. لقد بالغ في توصيف مذهبية المعارضة السورية كما خصومه المحليين، وبالتالي فاقم من هذه المذهبية.

وتشير الدراسة إلى أن حزب الله، الذي كان يحظى باحترام واسع لدى جميع شرائح الطيف السياسي والطائفي، بات يُشار إليه على نحو متكرر الآن بـ “حزب الشيطان”، بعد أن تضاءلت الحاضنة الشعبية التي كان يعتبرها الحزب بمثابة عمق استراتيجي، وكذلك السمعة التي بناها باستغلاله لنهج المقاومة الذي طالما استثمره الحزب في تلميع صورته.

في هذا الصدد يقول ماثيو ليفت مدير برنامج ستاين لمكافحة الإرهاب في معهد واشنطن إن حزب الله لم يجد حجة ضعيفة يبرر بها الاحتفاظ بسلاحه بصفته كيانا يقوم بـ “مقاومة مشروعة”، ولم يتبق للحزب الكثير لتبرير وجوده كميليشيا مستقلة تعمل خارج سيطرة الحكومة اللبنانية. وباستمرار “حزب الله” في القتال إلى جانب إيران ونظام الأسد ضد الثوار السنة، تأكد اعتباره على أنه قوة طائفية تعمل على تقويض المصالح الأمنية والسياسية للدولة اللبنانية.

ولطالما طالبت أطراف سياسية في لبنان بسحب عناصر الحزب من سوريا، محذرة من مغبة ذلك على بلادهم، فيما أعلنت السلطات اللبنانية مرارا تمسكها بسياسة “النأي بالنفس″ عما يحدث في سوريا.
ويعتبر سلاح حزب الله اللبناني من أبرز النقاط الخلافية في الساحة السياسة اللبنانية بين حركة 14 آذار وحركة 8 آذار، حيث يعتبر حزب الله أن سلاحه هو لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي ولن يتم التخلي عنه مهما كانت الظروف، كما قال أمينه العام حسن نصر الله إن “سلاح المقاومة خط أحمر” وإنه سيتم “قطع اليد التي تمد على سلاح المقاومة”, فيما ترى حركة 14 آذار أن سلاح حزب الله يشكل تهديدا للبلاد وضربا للديمقراطية، بالإضافة إلى السماح لحزب الله بالهيمنة على الدولة، كما حدث في عام 2007 عند اقتحام حزب الله لبيروت.

انعكاسات سلبية على لبنان

وسط تلك المعطيات، يجد لبنان الذي يعتمد رفاهه على العلاقات بين الكتل السياسية والمجموعات الطائفية فيه، نفسه في وضع حرج سياسيا واقتصاديا وأمنيا، ورغم أنه تم احتواء الصدامات المذهبية التي مرّت بها البلاد عام 2013 ومطلع عام 2014 تحت مظلة ما يعرف بـ “الخطة الأمنية”، إلاّ أن هذه الهدنة مؤقتة على الأرجح في بلد طالما اشتكى من الشلل السياسي، حسب ما تذهب إليه الدراسة.

رغم ذلك يرى المراقبون أن هناك جانبا آخر من هذه التطورات يصب في غرق حزب الله على ما يبدو في حرب لا نهاية لها في سوريا، وقتاله لعدو متطرف وعنيد، وانشغاله عن تركيزه التقليدي على إسرائيل، وهو ما سيؤثر على المدى البعيد في قوته العسكرية التي تكون قد أُنهكت، في ظل المتغيرات السياسية في الساحة الدولية المركزة حاليا على تطويق أكبر حلفاء سوريا أي روسيا وإيران.

وتخلص الدراسة إلى أنه طالما ظل الصراع في سوريا، فإن حزب الله سيبقى عالقا في نطاق ذلك الصراع، وهو ما سيُحدث فيه تحوّلا لا يقلّ عن التحوّل الذي أحدثه انخراطه في الصراع برمّته وانعكاساته السلبية على الشرق الأوسط.