سورية: هل نقول وداعاً لتجربة «المناطق المحررة» ؟

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

22/ 06/ 2014
الحياة
المؤلف: 

مع انشغال العالم بتقدم «داعش» في العراق، انســحــبت مـــجــمـوعــات مسلحة أساسية في جبهة مدينة كسب السورية، واستعادتها قوات النظام بلا قتال فعلي. الكتائب المسلحة التي تشكل «جبهة النصرة» ثقلها الأكبر، كانت سيطرت على المدينة قبل أقل من ثلاثة أشهر في ما سمّي «معركة الأنفال»، وفشلت قوات النظام في المحاولات العنيفة الأولى لاسترجاعها، قبل أن يتحول خط التماس بين الطرفين إلى جبهة خامدة تشهد يومياً اشتباكات محدودة، في بقعة جغرافية ضيقة لا تتجاوز محيط جبل «تشالما».

انسحاب «النصرة» من كسب أتى إثر زيارة الرئيس الإيراني حسن روحاني لتركيا، وقد يكون تسليم المدينة إحدى النتائج غير المعلنة للزيارة، إذ من المعلوم أن الاحتفاظ بها لم يكن ممكناً أصلاً لولا وجود فيتو تركي يقيّد حركة قوات النظام في تلك المنطقة الحدودية، مثلما لم يكن «تحريرها» ليتم لولا الموافقة والحماية اللوجستية التركية. على هذه الخلفية مرّ حدث تسليم المدينة بلا تباكٍ في أوساط ناشطي المعارضة، وبلا احتفالات وبهرجة في صفوف الموالين للنظام، ولا تُعرف بعدُ أبعاد إعادة المنفذ الحدودي الوحيد المتبقي بين النظام وتركيا، بخاصة إثر وضع أنقرة «جبهة النصرة» على قائمة المجموعات الإرهابية.

قبل الانسحاب من كسب، وفق ما قد يكون تفاهماً إيرانياً- تركياً، كان السوريون شهدوا خروج المقاتلين من حمص القديمة، في صفقة رعتها وأشرفت عليها إيران أيضاً، بعدما تولى «حزب الله» اقتحام القصير ويبرود، أي بعد إغلاق المنافذ الحدودية المتاخمة لحمص والمنطقة الوسطى عموماً. الآن تشن قوات النظام معركة السيطرة على ريف حمص الشمالي الذي بات معزولاً ومحاصراً تماماً، والنتيجة محسومة على الأرجح بسبب سياسة الأرض المحروقة التي يعتمدها النظام. بالتزامن مع ذلك، توجه قوات النظام طاقتها التدميرية شمالاً في حلب وجنوباً في درعا، حيث لم تبقَ مناطق تحت السيطرة القوية للمعارضة سوى في هاتين الجبهتين.

محاولات النظام الحثيثة استرجاع السيطرة شمالاً وجنوباً لا تتوافق مع ما يُشاع أخيراً عن سيناريوات لتقسيم المنطقة، ولا تتوافق أيضاً مع الافتراضات المتسرعة التي أُطلقت سابقاً عن قبوله بتقسيم سورية. النظام يسعى الى استرجاع كل المناطق الخارجة عن سيطرته، وهو يعلم أكثر من غيره أن فورة «داعش» الأخيرة لن تؤدي إلى تغيّرات جيوسياسية عميقة في المنطقة ككل، بل يرجح أنه يجهز نفسه لاستثمار تلك الفورة باستعادة مزيد من المناطق السورية بلا ممانعة دولية.

مسعى النظام يتوافق أيضاً مع الإستراتيجية الأميركية في سورية، فالإدارة الأميركية كانت منذ البداية ضد اعتماد النموذج الليبي الذي انطلق من تحرير بنغازي وصولاً إلى العاصمة، والمناطق التي خرجت عن سيطرة النظام في سورية تؤرّق الإدارة بسبب ما تتعرض له من قصف جوي متواصل، بينما لا تتراجع الإدارة عن حظر إمداد قوات المعارضة بمضادات للطيران، وليست على استعداد لرفع الحظر في المدى المنظور. لذا قد يكون التخلص من «المناطق المحررة» مصلحة للإدارة الأميركية، وقد يكون هذا هو فحوى انتقاداتها لتكتيك كتائب المعارضة القائم على الاحتفاظ بالأرض. وفق ما تسرب أخيراً من الأوساط الأميركية، ستشرع الإدارة في تدريب جيش سوري جديد، بمعدل 600 مقاتل شهرياً لمدة سنة ونصف سنة، ولن يكون لائتلاف المعارضة أو هيئة أركان «الجيش الحر» أي إشراف على البرنامج، وسيعتمد الجيش الجديد تكتيك حرب العصابات مع عدم الاحتفاظ بالأرض؛ الغاية تنحصر في استنزاف قوات النظام عسى أن يتمكن الأسلوب الجديد من إقناعه بالحل السياسي.

لن تكون الانتقادات الموجهة الى أداء الإدارة الأميركية مهمة هنا بمقدار قدرتها على فرض رؤيتها الجديدة على الحلفاء الإقليميين. فالإدارة منحازة «كانت ولا تزال» إلى اعتماد الحل اليمني عبر جنيف، ولم يقنعها فشل الأخير في تغيير إستراتيجيتها. الإعلان أخيراً عن زيادتها دعم المعارضة، مع إنشاء جيش جديد بعقيدة قتالية مختلفة، هو نوع من المزج الاضطراري بين قليل من الخيار الليبي وكثير من الخيار اليمني. ولا تخفي الإدارة استبعادها لكل ما أُنجز خلال نحو سنتين ونصف سنة من المعارك في الميدان، ولا تخفي أن تدخلها الموعود سيكون بطيئاً، وأن إعداد البديل الذي تراه مناسباً سيستغرق سنة ونصف سنة ليبدأ بعدها سعيه الى زحزحة موازين القوى على الأرض.

منذ أشهر كان الحديث يدور عن حوالى مئة ألف مقاتل ضد النظام، هذا الجيش قد ينتهي قريباً كتشكيلات وأفراد، فقضم قوات النظام وحلفائها مزيداً من المناطق سيدفع الناجين إلى إلقاء السلاح والهرب، والمصالحات المحلية التي تقودها إيران هنا وهناك ستحيّد بعض المناطق عن المعركة. لا تملك غالبية المقاتلين خيارات جدية، فهي مستبعدة من البرنامج الأميركي، وواقعة بين ضغط قوات النظام وضغوط الجماعات المتطرفة مثل «داعش» و «النصرة». الكثير من المناطق المحاصرة صار جاهزاً إما للسقوط السريع وإما لإبرام مصالحة، بسبب نقص الذخيرة والعتاد، ولا توجد بوادر لنجدة هذه المناطق من الخارج، مثلما لا يظهر النظام مستعجلاً لاعتماد أي خيار حاسم تجاهها. الأكيد أنه، بمعونة وتخطيط من حلفائه، بات يركز جهده على المناطق الإستراتيجية جغرافياً، أو على تلك التي لا يزال للمعارضة فيها ثقل عسكري وخطوط إمداد لم تنقطع، آملاً بأن استعادته كل الأراضي ليست سوى مسألة وقت، مع تلميح مسؤوليه إلى نهاية السنة كموعد تقريبي.

على رغم ما سبق، ليس محتماً أن ينجح النظام، لأن نجاحه رهن بنجاح الإدارة الأميركية في فرض رؤيتها على اللاعبين الإقليميين، ومن ثم قطع الإمدادات تماماً عن الفصائل التي لا تنال رضا الإدارة. لكن الخيار الآخر سيكون مكلفاً من حيث ترك «المناطق المحررة» تتآكل بفعل القصف المستمر، وجعلها عِبرة لأولئك المغامرين الذين يقاتلون خارج إرادة القوى العظمى. سيُقال إن المعارضة أخطأت في حساباتها إذ تبنت مبدأ التحرير، أما وقوع «المناطق المحررة» على فالق التباينات الإقليمية والدولية والثمن الباهظ لذلك، فلن يعدو كونه خلافاً عابراً بين حلفاء.