سياسة اوباما في سوريا أخطر من كل الحركات الراديكالية في المنطقة

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

19/10/2014
العربي 21

مع اندلاع الثورة السورية في آذار من العام 2011، كان من الواضح أنّ هناك ثلاثة نقاط محوريّة في الصراع الذي يدور بين الثوّار والنظام السوري، كنّا قد سلّطنا الضوء عليها فيما بعد في تقرير كتب نهاية عام 2012 بعنوان: "نحو الكابوس السوري؟ تقييم الحالة الحرجة داخل سوريا والسيناريوهات المستقبلية"، ويمكن إيجازاها بالآتي:

1) الوقت هو العنصر الأهم في المعادلة السورية، فكلما تمّ التخلص من الأسد بشكل أسرع كلّما كان ذلك أفضل لسوريا كدولة وكمجتمع، وللدول الإقليمية المحيطة بسوريا وللولايات المتّحدة والمجتمع الدولي. حصول أي تلكّؤ أو مماطلة في هذا المجال سيعدّ بمثابة ضوء أخضر للنظام السوري بمتابعة سياسته الإجرامية وربما تصعيدها. 

2) اذا كانت الولايات المتّحدة لا تريد التدخّل في الصراع عبر تزويد المنتفضين بما يمكّنهم من الدفاع عن أنفسهم في وجه القتل الذي يتعرضون له من قبل الأسد وحلفائه بشكل علني ومشكوف، فعلى الأقل لا تمنع الآخرين من تزويدهم بما يمكّنهم من ذلك. وان لم يكن هذا أو ذاك، فعلى الأقل تمنع الدعم الذي يتدفّق إلى النظام السوري من قبل ايران والعراق ولبنان وروسيا، فتصبح المعادلة الأسد في مواجهة الثورة.

3) إن لم يتم دعم المعارضة السورية بسرعة، فإن ما سيحصل هو مزيد من التفكك وسيفقد الناس ثقتهم بالمجالس والمجتمع الدولي وعندها لن يكون هناك رأس يضبط الوضع في داخل سوريا وستؤدي المجازر وفقدان الأمل ودخول المليشيات الطائفية التابعة لإيران على خط الثورة السورية إلى دفع المقاتلين إلى التطرف مما سيؤدي إلى ولادة حركات راديكالية وإلى خروج الصراع عن مساره وامتداده إلى خارج سوريا ايضا.

لا شك عندي بأنّ الجانب الأمريكي كان يعلم ذلك تماما، لكن لم يكن هناك خطّة لمواجهة ما يحصل في سوريا ولا حتى نيّة بوضع خطّة، وتركت الأمور عمدا لتجري في مجراها والولايات المتّحدة والغرب في موقف المشاهد يبحثون دوما عن ذرائع لتبرير موقفهم هذا. وما أكثر الذرائع حين لا تريد جهة ما القيام بواجب تمليه وثائق الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وما أقل حصانة القوانين حين تريد جهة ما اختراقها لأن مصلحتها تقتضي ذلك.

في العام 2012 سنحت فرصة تاريخية لأوباما لتغيير كل المعطيات في سوريا والمنطقة، لقد قام كل الأعضاء البارزين في مجلس الامن القومي الأمريكي (وزير الدفاع، وزيرة الخارجية، مدير المخابرات المركزيّة، رئيس هيئة الأركان) باقتراح قيام الولايات المتّحدة بتسليح المعارضة السورية، إلا أنّ أوباما رفض اقتراح مجلسه! ثم ما لبثت معطياتنا التي أدرجناها في المقدمة أن تتحقق للأسف.

وبالرغم من ذلك، فقد سنحت فرصة أخرى له في عام 2013 ليس فقط لتصحيح خطئه الاستراتيجي وإنما أيضا لرد الاعتبار للولايات المتّحدة وله شخصيا بعدما كان قد رسم خطوطه الحمراء الشهيرة والتي جرى العبث فيها في كل الاتجاهات ما جعله مهزلة قل نظيرها بالنسبة إلى رئيس دولة عظمى. لقد استخدم الأسد السلاح الكيماوي ضد الشعب السوري متحدّيا العالم، واضطر اوباما على اثرها أن يدعو إدارته ومجلس الأمن القومي وحتى عددا من السياسيين الأمريكيين من بينهم جون ماكّين. ووضع الجميع خطة لإضعاف الأسد عبر القصف الجوي، وتقوية المعارضة في المقابل بما يغيّر المعطيات على الأرض. 

وما إن بدأت الأخبار تشير إلى تحوّل في موقف الولايات المتّحدة من الأزمة السورية، حتى فاجأ أوباما الجميع بمن فيهم أولئك الذين اجتمع بهم سابقا. فبعد أيام قليلة فقط من الاجتماع، قرر أوباما تغيير رأيه ورمي الكرة في ملعب الكونغرس علّ ذلك يخلّصه من عبء اتخاذ القرار الحاسم، وسرعان ما وافق على صفقة فاجأ فيها حتى حلفاء الولايات المتّحدة.

يقول جون ماكّين واصفا الوضع: "لم يؤد ذلك إلى انتهاك كل التزام اخلاقي لنا بمنع وقوع الفظائع الجماعيّة ومعاقبة مستخدمي الأسلحة الكيماوية فقط، بل أدى ايضا إلى إعطاء الأسد الضوء الأخضر لتسريع الحرب الطائفية ضد المعارضة السورية المعتدلة، وعلاوة على ذلك فقد أدى تقاعس الرئيس إلى تدمير مصداقية الولايات المتّحدة لدى حلفائها العرب وإلى هز الثقة بامريكا لدى حلفائها حول العالم".

ها هو اوباما اليوم يعود إلى الملف السوري متأخرا جدا، وبعد فوات الأوان على الأرجح. لكنّ ذلك لا يهم على أي حال، فأوباما لم يعد من أجل اسقاط الأسد على ما يبدو. يقولون إنّ الهدف هو تدمير داعش التي كانت سياساته الخرقاء سببا من أسباب وجودها اليوم، ولكنّه كالعادة يعود ومعه قراراته الخاطئة، فما يجري اليوم في شكله الحالي لا يعدو كونه تحضيرا لولادة من هو أكثر تطرفا من داعش مستقبلا.
فهو لا يزال يصرّ على مسار سياسي في سوريا سبق وأن جرّبه بنفسه في جينيف 1 و2 وعائد خائبا، مدمّرا معه انجازات المعارضة على الأرض.  

أكثر من ذلك، فهو لا يفعل ما يمكن من خلاله دفع الأسد للتفاوض من موقع ضعيف، وانما يقوم بحملة عسكرية تستثنيه وتؤدي في النهاية إلى تقويته، فكيف من الممكن ان نتوقع من الأسد ان يتنازل ويخرج من المعادلة؟!

الولايات المتّحدة، الدولة العظمى التي تقول إنها داعمة للمعارضة السورية لم تتبرع طوال فترة الثورة السورية سوى بمبلغ 1.7 مليار دولار بما فيه المساعدات الإنسانية للاجئين السوريين، وهو رقم هزيل جدا يعكس موقف واشنطن من الثورة السورية حقيقة، خاصة إذا ما قارنا هذا الرقم بما قدمته دول أخرى متواضعة اقتصاديا مقارنة بواشنطن كتركيا التي قدمت حوالي 4 مليار دولار للاجئين، وإيران التي قدمت من الناحية المالية فقط دعما للنظام السوري يقدر بحوالي 10 مليار دولار. والغريب أنّ واشنطن غير مستعدة لتقديم دعم مالي أكبر للمعارضة السورية ومع ذلك نراها مستعدة للدخول في حرب اليوم تكلفها حوالي 1.5 مليار دولار شهريا!

أمّا ما يسمى مساعدات عسكرية أمريكية للمعارضة السورية فقد كانت عبارة عن أحذية وخوذ، وبعض الأسلحة التي تعد على الأصابع لبعض المجموعات المختارة والتي كانت جزءً من حملة دعاية وحملة علاقات عامة أكثر منه خطة على تسليح المعارضة السورية للدفاع عن نفسها فضلا عن قلب الموازين مع الأسد. وحتى موضوع الـ(500) مليون دولار التي تم تخصيصها للمعارضة منذ أشهر، لم يصرف منها شيء حتى الآن.

الولايات المتّحدة هي السبب الأساسي والرئيسي في إبقاء الكفة تميل لصالح النظام السوري من خلال سلاح الجو والبراميل المتفجرة التي يلقيها عبر الفيتو التي رفعته وما تزال ترفعه حتى هذه اللحظة إزاء توريد أسلحة مضادة للطيران للمعارضة السورية، فلا هي تريد أن تضرب مطارات الأسد وطائراته ولا تريد من المعارضة ان تضربها، مع هذا تقول انها مع المعارضة!

باختصار، الولايات المتحدة لم تكن يوما مع الثورة السورية حقيقة ولا مع الثوار، لقد أوجدت لنفسها الكثير من الذرائع لتبرير مواقفها المخزية، وأثبتت في كثير من المرات أنها خدمت نظام الأسد أكثر من أي طرف آخر، وأن سياساتها تتماها حقيقة مع الموقف الإيراني في سوريا والذي يتقاطع بدوره مع الحساسات الاسرائيلية فيما يتعلق بأمن تل أبيب القومي.

وأخشى اليوم أن يكون موضوع إقرار تدريب وتسليح المعارضة ما هو الا لذر الرماد في العيون مقابل موافقة حلفاء واشنطن من العرب على تغطية حملتها العسكري الأخيرة على "داعش"، على اعتبار أنّه ليس هناك تنسيق على الإطلاق مع المعارضة السورية (السياسية والعسكرية) في الحملة ضد داعش في سوريا، وليس هناك أي تعاون جدي، ولم يتم إطلاع أو إبلاغ أو أشراك المعارضة السورية بأي شيء يتعلق بتلك العملية.

بل على العكس الولايات المتحدة تواصلت بشكل أو بآخر مع النظام السوري عبر أطراف أخرى وتواصلت أيضا مع ميليشيات صالح مسلم الكردية، وتواصلت بل وتعاونت بشكل غير مباشر عمليا مع الميليشيات الشيعية في العراق والحرس الثوري.

كل هذه المعطيات تقول إنه لا يمكن استبعاد أن تلجأ الولايات المتحدة إلى الاستعانة بالأسد بشكل مباشر في المرحلة المقبلة. لا يمكن تجاهل مثل هذا الخيار، فقد سبق وأن تم اتخاذ خطوات لتعويم الأسد، ولم يوفر اوباما فرصة إلا وأثبت فيها عدم أهليته وسوء قراراته المتّخذة وخطأ نظرته ورؤيته الاستراتيجية وأنّه حليف غير موثوق ومتقلّب ومتردد. ولا شيء يدفعنا للاعتقاد بانّه سيفعل عكس ذلك هذه المرّة، وما يزيد الأمور تعقيدا عدم وجود لاعب عربي يمتلك قراراه بيده وقادر على قلب الموازين فضلا عن مجرّد التأثير عليها.

باختصار، كل ما يتعلق بأوباما مخيف، أوباما رئيس أقوى دولة في العالم ، حلفاؤه لا يثقون به وأعداؤه لا يخشونه.