شارلي إيبدو.. حرف البوصلة

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

19/1/2015
العرب القطرية

ما أقدمت عليه الأسبوعية الفرنسية بنشرها صوراً كاريكاتورية منافية للإسلام ولنبي الإسلام عليه الصلاة والسلام لا يقره دين ولا خلق ولا رجولة ولا صحافة ولا حرية رأي، ولعل ناشر الجريدة نفسه حسمها حين حمّل رئيس التحرير مسؤولية ما جرّ إليه الأسبوعية من هجوم مسلحين انتفضوا لدينهم ولرسولهم بغض النظر عن رفضنا للأسلوب.

لن أخوض في الحديث عما جرى وما أعقبه من الزفّة العالمية المضحكة في التعبير عن رفض زعماء دول لما تعرضت إليه فرنسا، فإن كان الزعماء يتظاهرون فماذا أبقوا لغيرهم حتى يعبروا عن أنفسهم، هؤلاء الزعماء الذين صمتوا صمت القبور عن نشر الأسبوعية لصور تشمئز منها أصحاب الفطر السليمة، وانتصروا لرد الفعل وهو الهجوم المسلح على الأسبوعية وتناسوا الفعل نفسه وجذر المشكلة والتي هي إهانة مشاعر أكثر من مليار ونصف المليار مسلم، فضلاً عن صمتهم على مجازر جماعية لأهل الشام والعراق واليمن دون أن يرف للمجتمع الدولي رمش على مدى سنوات، وأتخيل لو تجرأ رسام كاريكاتير مسلم على رسم صورة مسيئة للبابا ماذا سيكون رد الغرب عليه؟!

ما يهمني في هذا المقال هو التأكيد على أن ثمة من يحرف البوصلة، وثمة من هو مغفل ساذج أو عميل لا فرق ينفذ أجندة حرف هذه البوصلة، وأرجو ألا يتقافز أمامي البعض ليعطيني دروساً في حب الرسول عليه السلام وفي نصرته وفي الحكم الشرعي على شاتمه، وصدق القائل:
لو كان حبك صادقاً لأطعته ** إن المحب لمن يحب مطيع
وصدق الرسول عليه السلام: «لأن تُنقض الكعبة حجراً حجرا أهون عند الله من أن يراق دم امرئ مسلم».
وحين كان يتعرض النبي عليه السلام من إلقاء القاذورات عليه في مكة لم يرد على الكفرة والمشركين، ولم يأمر صحابته بالرد عليهم، وحين اجتمعوا في العقبة الثانية وطرح بعض الصحابة فكرة أن يميلوا على الكفار ميلة واحدة، كان الرد النبوي لم أُؤمر بذلك، كانت الأولويات واضحة عند النبي عليه السلام، الأرض هي الأولوية لا بد من أرض وهي هنا المدينة يفيء إليها المؤمنون من عاديات قريش وكفرتها، وإلا فإن الإقامة بين ظهراني المشركين والرضا بجوار المطعم بن عدي وغيره لن يمكنه من دفع ثمن إقدام الصحابة على الانتقام من قريش، فضلاً عن أنه سيحرفهم عن البوصلة. اليوم نرى الإجرام العالمي كله يحرف البوصلة عن تحرير الإنسان العربي من استبداد الأنظمة في الشام والعراق واليمن وغيرها، ليصم الثورات بالإرهاب والتطرف والتشدد والغلو، حرف البوصلة يكمن في تشويه ثورات عظيمة انتفضت فيها كل الشرائح الشعبية، بينما الكل يعلم أنها ثورات أخلاقية قبل أن تكون ثورات لتغيير أنظمة بالية متكلسة انتهت صلاحيتها، ومع الافتقار إلى مشروع جامع واحد موحد لهذه الثورات حيث مشاريع متفرقة متشرذمة مشتتة، بينما الإجرام العالمي يتفنن يومياً بطرح كل ما يشوه هذه الثورات، أملاً في إبقاء مشروع المفضل ما بعد الحرب العالمية الأولى والثانية ممثلاً بهذه الأنظمة الاستبدادية كلب حراسته، وفينا سمّاعون لهم للأسف.

البوصلة هي في تحرير الشام والعراق واليمن والشعوب المستبد بها من قبل فراعنة حقيقيين يتقازم أمامهم فرعون موسى حين كان يقول «أرجه وأخاه» بينما فراعنة اليوم يقتلون الأخ والأخت والعائلة والقبيلة ببراميل متفجرة لا تفرق حتى بين معارض لها وآخر موال.
كل من يحرف البوصلة ويلتفت إلى ما يراه نصرة لنبينا عليه السلام، نقول له: إن النصرة الحقيقية هي في إنقاذ أمة محمد من المذبحة والمجزرة اليومية التي تتعرض لها لسنوات وربما قبل ذلك، أما أولئك المجرمون الأفّاكون الذين يريدون النيل من نبي الرحمة فنقول لهم ما قاله ربنا: «إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ»، إذن العاقل هو من يضع أولوياته ولا يسمح لأي قوة في الأرض أن تحرفه عنها، فالكليات هي ما حددته الشريعة الإسلامية ممثلة في حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال، وكل هذه الكليات مستباحة اليوم في الشام والعراق وغيرهم.
الأسبقية اليوم لإسقاط هذه الأنظمة المجرمة وعدم السماح لها ولأسيادها بحرف البوصلة، فمن الظلم أن تتحمل الشام أو اليمن أو العراق مسؤولية مشروع أكبر منهم كما يحصل الآن، إذ إن نصرة النبي عليه السلام بهذه الطريقة التي دفعت إلى تشكيل تكتل عالمي يُطيح بمشروع الشام والعراق -لا سمح الله- ويدفع ثمنه بالتالي المسلمون في الشرق قبل الغرب، لا يرضاه عاقل، فأين قاعدة أخف الضررين وأقل المفسدتين، إن العاقل ليس هو من يميز بين الخير والشر وإنما من يعرف خير الخيرين وشر الشرين.

إن الأرض أهم ما حرصت عليه القوى الكبرى في انتزاعها من الإسلاميين حصل هذا بإسقاط حكومة طالبان أفغانستان، ويتكرر اليوم في الشام والعراق واليمن، فمتى سنتعلم أن نعمل لمشروعنا وألا نكون براغي في مشاريع مناهضة، وهنا يبرز دور علماء الأمة الذين ينبغي أن يتعالوا ويتساموا على المشاريع الحزبية والفئوية، فإن كان التقرب من السلطان الشرعي مشكلة برأي بعض علماء السلف فأين منه التقرب من فئة وحزب وطائفة ينتصر لها ويخذل غيرها مما يضر بالمشروع العام، العلماء قرون استشعار للأمة وهم الذين ينبغي أن ينظروا أبعد من مشاريع الأحزاب والجماعات، ولعل هذا ما أبقى مذاهب الأئمة الأربعة حية نعيشها بعد أكثر من ألف سنة عليهم، إنه الفقه في الدين والحياة والطبيعة البشرية التي لا تكلف إلا وسعها.