طهران والاشتباك الإقليمي

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

26/2/2015
العربي الجديد
المؤلف: 

من درعا وحلب إلى باب المندب، تقوم إيران بتوسيع فرجار هجومها عبر قيادتها عملاً عسكرياً ممنهجاً، يتخذ في الشكل نمط معارك موضعية، تبدو أهدافها الظاهرية محدّدة ومحصورة في أماكن معينة، لكنها، في العمق، تهدف إلى إحداث تغييرات خطيرة في التوازنات القائمة على الأرض، وهي، في الوقت نفسه، تشكل اشتباكاً إقليميا لاقترابها من خطوط الصراع والنفوذ الإقليمي، المرتسمة في سورية، والتي تحولت، مع الوقت، إلى عناوين استراتيجية لأطراف المنطقة، وانعكاس لرؤاها وتصوراتها للواقع الإقليمي المقبل.

وتكشف مراقبة السلوك الإيراني، من خلال مصادره الأساسية في المركز طهران، ومن خلال المواقف الصادرة عن أذرعه في لبنان وسورية والعراق واليمن، عن وجود جملة من الأهداف، تنطوي عليها هذه النقلة الاستراتيجية في التعاطي الإقليمي.

الأول ذو طابع عملاني، وهو اختبار أدوات الصراع، ومعرفة مدى جدواها وقدرتها على الانخراط في صراعات أوسع. والمعلوم أن طهران عملت، أخيراً، وبناء على مقتضيات المواجهة، على توسيع حجم بنيتها القتالية في المنطقة، وزيادة رقعة انتشارها، وجزء مهم من تلك الماكينة لم يجر اختباره إلا ضمن مهام محدّدة. وبالتالي، تهدف هذه الحركة عملانياً إلى معرفة عناصر القوة والضعف ومدى الجاهزية وطريقة تحرك المفاصل ومدى التدخل المطلوب، فضلاً عن فعالية الأسلحة المستخدمة، بمعنى هي مناورة حربية بالمعنى العسكري.

الهدف الثاني اختبار ردة الفعل الدولي، ومعرفة نمط تفاعله مع هذه التطورات، لكي تبني على هذه المعارك الموضعية تحركات أكبر، وهي، بذلك، تتظلّل بالانعطافة الأميركية والدولية التي ترى بشار الأسد جزءاً من الحل، وبالتسريبات الإسرائيلية التي تقول إن الوضع مع بشار الأسد أفضل، وأكثر ضمانة للاستقرار. على ذلك، تعمل إيران تحت هذا السقف الذي يرتكز على دعامتين أساسيتين، الحفاظ على نظام بشار الأسد من الانهيار، وتعزيز قواعد الاشتباك مع إسرائيل تحديداً. وبالتالي، يسعى التحرّك الإيراني إلى تحويل تلك التوجّهات الدولية الخجولة إلى وقائع على الأرض، وإجبار أصحابها على الاعتراف بها علناً، وإسنادها من خلال السكوت على التحرّك الإيراني.

ثمّة أهداف أكثر تحديداً تدفع إيران إلى إجراء تحرّكها الحالي، منها ما له علاقة مباشرة بالفاعل الدّولي الأكبر في المنطقة، الولايات المتحدة الأميركية، ومنها ما له علاقة بالوضع الإقليمي، ومحاولة فحص توجّهاته وطبيعة تفاعلاته، فالواضح أن إيران تريد اختبار تفاهماتها مع واشنطن، فيما يخص نفوذها الإقليمي. وفيما يبدو أنه تفعيل سريع للبنود السرية في الاتفاق، قبل تطبيق الاتفاق نفسه، في شقه التقني، ما يعني أنّ طهران تريد القبض مقدّماً، ويدعم هذا الهدف في التقدير الإيراني اعتقاد صانع القرار أن المرونة في الملف النووي يمكنها أن تغطي على التحرك الإقليمي، وترسمل عليه.

ومن ضمن قائمة الأهداف الإيرانية المدروسة، من وراء تحرّكها الإقليمي، إحداث نقلات على مستوى ملفات معينة. وبالذّات ملف أسعار النفط، والاعتقاد بأن تزخيم المخاوف من إمكانية نشوب حرب إقليمية ستؤدي إلى تغيير إيجابي في السعر، والمعلوم أن إيران تأثرت كثيراً بانخفاض أسعار النفط، وهو أمر من شأن استمراره، ضمن هذا المدى السّعري في السوق الدولية، التأثير ليس على مشاريع إيران الخارجية، وإنما في الاستقرار الداخلي، نتيجة تأثيره على شرائح واسعة من المجتمع الإيراني التي تعتمد على أشكال معينة من الدعم الحكومي، وتتركز هذه الشرائح في الضواحي والأرياف. وكان النظام الإيراني قد أفشل الثورة الخضراء سنة 2009 بتحييده هذه المكوّنات، ولعلّ ذلك ما يفسر أسباب القلق الإيراني من استمرار انخفاض أسعار النفط.

على المستوى الإقليمي، تأتي هذه التطوّرات نوعاً من اختبار المتغيّرات الحاصلة في المنطقة، وطبيعة توجّهاتها، ولعل المستهدف الأول هو السعودية التي تمر بمرحلة انتقالية على مستوى الحكم، ومحاولة اختبار توجهات الحكم الجديد فيها، واستغلال انشغال الرياض في الترتيبات الداخلية، بحيث يتزامن إنجازها تلك التغييرات مع تبلور مشهد إقليمي جديد، لا يتيح لها سوى التكيف معه، وقبول مخرجاته، إضافة إلى فحص حدود التماسك الخليجي بعد المصالحة، إضافة، أيضاً، إلى معرفة مدى إمكانية حدوث تشبيك تركي- خليجي، بعد الحديث عن إمكانية حصول تقارب سعودي- تركي، وهل سيشمل هذا التقارب ملفات العراق وسورية، مع ملاحظة اختيار إيران التوقيت بعد أحداث إقليمية صادمة، كان داعش بطلها، وعلى ضوء محاولة نظام السيسي تغيير قواعد اللعبة في المنطقة برمتها، وتوجيه الجهود باتجاه ليبيا، ولولا العقبات التي واجهت القاهرة، لكانت اندفاعة التحرّكات الإيرانية أخذت طابعاً شرعياً بحكم الواقع، بحيث تصبح العدوانية الإيرانية في المشرق مكمّلة للجهد المصري في المغرب.

بكل الأحوال، لم تحتج الأطراف الإقليمية إلى الكشف عن أوراقها، ولم يغير الاختبار الميداني الإيراني وقائع كثيرة على الأرض، الشيء الوحيد الذي اكتشفته طهران، حتى اللحظة، عدم فعالية آليتها العسكرية، نتيجة أعطاب كثيرة طالتها في العامين الأخيرين. وعلى الرغم من عنصر المفاجأة وكثافة النيران التي استخدمتها طهران لتغيير المعادلة، تبين أن البنى المقابلة لها أكبر من بنى وقتية، ومن الصعب تفكيك استطالاتها الإقليمية، وأن السكوت الدولي ليس أكثر من إغراءات تكتيكية، لزيادة نزف إيران وأذرعها في المنطقة.

الواضح أنّ إيران لم تعد تثق بالاستشعار وسيلة لمعرفة توجهات الرياح، وهي تنتقل إلى مرحلة الاشتباك مع المعطيات، وتلمّسها بيدها مباشرة. لذا، أصابعها مرشحة للاحتراق في أكثر من مكان، كحصيلة للفارق بين التقديرات النظرية والوقائع العملانية.