عصر الأقليات وحمّى استفتاء القرم

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

20/ 03/ 2014
الحياة

طعنوه في الظهر. قال قيصر الكرملين عن «الكبار» في الغرب الذين تفرّدوا بقرار غزو العراق واحتلاله، ثم «خدعوا» روسيا في ليبيا، مخاطباً الحماسة القومية لدى ورثة الاتحاد السوفياتي، في تبريره ضم شبه جزيرة القرم الى الاتحاد الروسي.
التقطت واشنطن خيط الحماسة لتنصح بقراءة تاريخ ما قبل الحرب العالمية الثانية، حين تعاظمت المشاعر القومية وتمددت عدواها. وإن كان في أوروبا الآن مَنْ يُشبّه الرئيس فلاديمير بوتين بالفوهرر هتلر، وتتلمّس وزيرة الخارجية الأميركية السابقة هيلاري كلينتون مساعي القيصر وطموحاته وهو يحاول «إعادة رسم خريطة أوروبا»، فكثيرون يستعيدون وعود بوتين للروس باستعادة امبراطورية أَفِلَت بعدما سئموا «الإذلال» الغربي الذي تجرّعوا كأسه منذ انهيار الاتحاد السوفياتي.
وإذ تتجاوز نُذُر الشؤم في أزمة أوكرانيا، القرم والشرق، وترد موسكو على التهديد بالوعيد، يفضّل الغرب عصا العقوبات التي فعَلت فعلها في تجارب سابقة (إيران مثال). وهو لن يذهب بداهةً، إلى التلويح بالقبضة النووية، على طريقة الإعلامي المقرّب من الكرملين الذي دغدغه حلم تحويل أميركا إلى «حطام مشعّ»!
ولكن، ألم يكن بوتين في خطابه الذي يذكّر الجميع برجل الـ «كي جي بي»، محقاً في اتهامه الغربيين باحتكار مصائر العالم، واستخدام أساليب الخداع، وسياسة الطعن في الظهر، لتحقيق مآربهم التي تُقَنَّنْ عادة بعبارة الأمن القومي ومتطلباته لدى «الكبار»؟
لماذا كوسوفو نعم، والقرم لا؟ كلام حق لكنّ ما يراد به قد يجرّ العالم إلى ما هو أسوأ بكثير من «الشتاء العربي» الذي تحدّث عنه «القيصر» في خطابه لدى إعلان اتفاق ضم القرم إلى روسيا. فتعميم مبدأ الاستفتاء على تقرير المصير، سيعني حتماً إعادة رسم كثير من الخرائط، خارج أوروبا، وعلى عتبتها. فالقومي يتحول سريعاً الى ديني في بقعة أخرى من العالم، والديني مؤهل ليصبح مذهبياً الآن في حقبة اختلال التوازن الدولي.
لنفترض ببساطة، أن ما فرضه الكرملين بقوة الأمر الواقع في أوكرانيا وشرقها، وتحت ستار استفتاء «قانوني»، يضع الأوروبيين أمام خيارين، كلاهما مُر وأحدهما لا تتعدى احتمالاته واحداً في المئة: تغذية شرارات حرب أهلية في أوكرانيا، تستطيع موسكو إخمادها سريعاً بما يُلحق هزيمة بالغرب. والخيار الثاني هو إعلان الأوروبيين وأميركا حرباً على روسيا، في وقت تحاصرهم أزمات الإفلاس ويتراجعون عن منافسة القدرات العسكرية في ترسانة لطالما تغنّى بوتين بخطط تحديثها... والأهم أن لا أحد بينهم يعتقد بأن القرم «العزيزة على قلوب الروس» تستحق تحويل القارة الى صحارى خراب، وقتل ملايين من الناس.
يدرك القيصر هذه الحقائق، لذلك يطلق يديه وجيوشه، ويتخلى عن الديبلوماسية في مخاطبة مَن كانوا شركاء له في مجموعة الدول الثماني. يُبلِغهم مسبقاً أنه يعرف نيّاتهم، ويتحداهم تحريك «الطابور الخامس».
في المنطقة مَنْ يشبّه نهجه بأساليب عسكر العرب الذين ركبوا موجة المد القومي وحماسته، ليخطفوا دولاً ويؤسسوا لأنظمة «أبدية»، لا تنتهي إلا بتصفيتهم أو اغتيال الدولة ومؤسساتها وشعبها.
وفي العالم العربي مَنْ يعتبر أن أسباب استمرار النظام السوري- حليف موسكو- وبقائه رغم ثلاث سنوات من الثورة والحرب، باتت أكثر وضوحاً بعد كل الذي فعله الرئيس الروسي في الخاصرة الأوكرانية، فيما الشراكة مع الدول الصناعية هبطت الى الحضيض، والغرب على طريقة الرئيس باراك أوباما، يكتفي بتوجيه اللعنات، ويهرب إلى سلاح لا يؤتي ثماراً إلا بعد سنوات.
حلفاء بوتين العرب، على خطاه، ومَنْ يتمعّن في تكتيك فرض الوقائع وحشر الخصم فيها، يجد لديهم النهج ذاته: استدراج الخصوم الى حافة الهاوية، أي بلغة غير ديبلوماسية، ممارسة «التشبيح» بجدارة.
والأهم، بعيداً من رؤى المتطيّرين في الذكرى المئوية لاندلاع الحرب العالمية الأولى، استعادة المثال الكوسوفي، كما ينصح فلاديمير بوتين. وهو إذ تدخّل لإنقاذ الروس في شبه جزيرة القرم من عدوانية القوميين «المتطرفين» في أوكرانيا، و «النازيين الجدد»، فصحّح خطأ خروتشوف (إهداء كييف شبه الجزيرة)... ما الذي يحول دون استعارة بعض حلفاء «القيصر» دهاءه، فيصبح الاستفتاء مطلوباً في المنطقة ايضاً، لتقرير مصير أقليات وأعراق وأتباع مذاهب؟
أليست عين الوليّ الفقيه على الشيعة في العالم، والعرب منهم خصوصاً، وعلى حوثيي اليمن؟ أليس قلب النظام السوري على علويي طرابلس اللبنانية فيما تستمر خرافة المواجهة المديدة بين بعل محسن وباب التبانة؟ كم خطوة إلى أمام تنقل أمازيغ الجزائر الى المطالبة باستفتاء على تقرير المصير؟... وماذا عن أقباط مصر الذين طوردوا حتى في ليبيا؟
بمنطق بوتين، كل الأكثريات والأقليات على براكين التلاعب بالحدود والخرائط، والشتاء الذي يأنفه، دخل حقبة الأعاصير والزلازل... لم تكن تنقصه إلاّ الحماسة لثارات التاريخ، كلٌّ يتهم الآخر بطعنات الإذلال، والتآمر.