على هامش مسألة «الجهاديين الأوروبيين» في سوريا

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

12 /05 /2014
العرب

عندما أفرج عن الصحافيين الفرنسيين الأربعة في 20 أبريل الماضي، بعد احتجاز دام عشرة شهور في أماكن مختلفة داخل سوريا، اهتمت سلطات باريس بالاستماع إلى شهاداتهم التي عكست معاناة قاسية لم تخلُ من لحظات شعر فيها المختطفون بأن بينهم وبين الموت لمحة بصر، فالقتل أسهل المصائر في سوريا، وأكثرها بساطةً أو بالأحرى أكثرها تفاهةً. لكن التفصيل المهم الذي استرعى الانتباه كان حراس الصحافيين المحتجزين يتحدثون الفرنسية بطلاقة، أي أن الاحتمال الأكبر أن فرنسيين يمكن أن يخطفوا وتتهدّد حياتهم على أيدي فرنسيين من أصول عربية.
تلقائياً أصبحت الجاليات العربية، مجدداً، تحت الرقابة في محاولة لحصر عدد الشبان الذين يقصدون سوريا للقتال مع الفصائل المناهضة للنظام. ولا ينطبق ذلك على فرنسا فحسب، بل إن لدى السلطات في عشر دول أوروبية بينها بريطانيا وبلجيكا وهولندا والنرويج مخاوف متصاعدة مما بات يُعرف بظاهرة «الجهاديين الأوروبيين» في سوريا. ورغم الإجراءات الاحتياطية التي اتُخذت لا يبدو من تصريحات المسؤولين أنهم واثقون بما يملكون من معلومات عن أعداد المغادرين أو البيئات التي خرجوا منها أو التنظيمات التي ينتمون إليها. ورغم التكتم يُعلن بين حينٍ وآخر عن حملات أمنية ضد شبكات للتجنيد، إلا أن الجهد الأكبر يُبذل حالياً في مراقبة المواقع الإلكترونية التي تخصّص بعضها في مخاطبة الشباب وحثّه على «القيام بواجبه الديني»، وكذلك في رصد المخاطبات عبر وسائل الإعلام الاجتماعي. 
وليست المشكلة عند الأوروبيين، بشكل خاص، في سفر هؤلاء وإنما في عودتهم. فقد سجّلوا في بدايات الأزمة أن أعداداً كبيرة من مجنسين من أصول سورية قصدوا بلدهم للمشاركة في الثورة، ولم يكن هؤلاء مشتبهين سابقاً من جانب أجهزة مكافحة «الإرهاب القاعدي»، بل إن تعاطف الحكومات الغربية عموماً مع الشعب السوري كان كافياً لتفهم هذه الخطوة. لكن التحولات السلبية التي شهدها الصراع ما لبثت أن حولت سوريا إلى وجهة يقصدها «الجهاديون»، أي إلى أفغانستان أخرى أو بديلة، ولم تكن العواصم المعنية فرغت بعد من احتواء أنشطة الجهاديين العائدين من أفغانستان وباكستان أو حتى الصومال واليمن. وعموماً تذهب التقديرات الرسمية المعلنة إلى تأكيد وجود نحو ألف ومئتي مقاتل «أوروبي» من أصول مختلفة في سوريا. لكن دراسة التقديرات الخاصة بكل دولة على حدة لا تلبث أن ترفع هذا العدد إلى الضعف أو أكثر. لذلك بات يُكتفى بالقول إن هناك آلافاً عدة منهم في سوريا.
ولما كان الهم نفسه أصبح عربياً أيضاً، سواء في المغرب أو الخليج العربيين، فإن العمل يتركز حالياً على إيجاد آلية للتنسيق وتبادل المعلومات، علماً بأن نجاحات متفاوتة تحققت سابقاً بفضل مثل هذا التعاون، إما لأن الدول الكبرى لا تحبذ إفشاء كل ما لديها أو لأنها لا تتناسى تاريخياً أن الدول الأخرى لاسيَّما العربية هي في الأساس دول طاردة بسبب سجلها السيئ في حقوق الإنسان أو حتى لضعف أنظمتها الأمنية التي لم تدرك رغم التجارب أن البطش والقمع اللذين تتقنهما يقدّمان مساهمة مباشرة في صنع الإرهاب. والواقع أن الغربيين المتضايقين حالياً من تكرار تجربة أفغانستان يعرفون لكنهم لا يعترفون بأنهم هم أنفسهم ربما يكررون الأخطاء السابقة ذاتها التي أدّت إلى جعل أفغانستان بؤرة مخاطر.
أواخر تسعينات القرن الماضي غادر السوفيت أفغانستان واعتبر الأميركيون والعالم الغربي أنه حقق انتصاراً عظيماً على «إمبراطورية الشر» التي راحت تتهاوى إلى أن تلاشى معسكرها، لكنهم غادروا بدورهم غداة هذا الانتصار ولم يهتموا باليوم التالي الذي كان يستوجب رعاية المرحلة الانتقالية ومساعدة «المجاهدين» على بناء الدولة، فكان أن البلاد التي تُركت للفصائل المسلحة التي تشاركت في محاربة الاحتلال الشيوعي وما لبثت أن دخلت مناحراتٍ وصراعاً على السلطة بين «أمراء الحرب»، وبقيت أفغانستان أرضاً سائبة وجد فيها الأجانب ومنهم «الأفغان العرب» مجالاً مفتوحاً لبلورة تجربة قتالية – سياسية أصبحت مع الوقت تنظيم «القاعدة». غير أن النتيجة التي خرج بها «المجاهدون» هي كراهية حادة للولايات المتحدة والغرب، كراهية مبنية أيضاً في سياق ديني منحرف وممعن في التطرف. شيء من هذا أُعيد إنتاجه عملياً بعدما ساد انطباع عام بأن الدول الغربية تلكأت في دعم الثورة السورية عندما بدا هذا الدعم لازماً وضرورياً لتمكين السوريين من إسقاط النظام، وبالتالي للحؤول دون استشراء الفوضى والضياع واليأس، واستطراداً الإرهاب. بل إن هذا الانطباع تحوّل مع الوقت إلى ارتياب بأن الدول الغربية لا تمانع انحدار الوضع السوري على هذا النحو، لأن لها فيه هدفين: إبعاد الإرهاب عن أراضيها، وتحقيق مصلحة لإسرائيل. وسواء كان ذلك صحيحاً أم لا فإنه بات أشبه باقتناع عام ينتظر ما ينقضه.
أما هل أن «العائدين» يشكّلون خطراً على الدول التي نشؤوا فيها مع عائلاتهم وحملوا جنسياتها فهذا غير مستبعد إذا كان للصراع السوري أن يطول أكثر وأن يؤدي إلى تغيير في خريطة سوريا بالتقسيم أو بالفدرلة المقنعة، مع ما يعنيه ذلك من تداعيات على عموم المنطقة العربية. لكنه خطر سيبقى محدوداً، نظراً إلى المحاصرة الآخذة في التضييق على المشتبهين وبيئاتهم. ولا شك أن الدول الغربية أخطأت في مقاربتها للأزمة السورية، إذ كان عليها أن تغلّب أولوية وقف الصراع والحد من استفحاله على مراقبته والبحث عن أنجع الوسائل لاستخلاص المصالح المحتملة منه. فعلى الجانب الآخر حققت روسيا وإيران، حتى الآن، نتائج أفضل من خلال انخراطها المباشر في القتال إلى جانب النظام.