عندما يعي بشار وظيفته

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

28/11/2017
المدن
المؤلف: 

لم تنتهِ التحليلات والتكهنات الصحفية حول الضغط الذي تعرض له بشار الأسد، في لقائه بوتين في سوتشي، حتى حين كانت وزارة خارجيته تصدر بياناً لا ينص عملياً سوى على قبول إجراء انتخابات تشريعية. ثم بعد ذلك تعود جريدة "الوطن" الناطقة باسم تنظيم الأسد لتعلن عدم سفر وفده إلى جنيف كما كان مقرراً، وذلك احتجاجاً على بيان المعارضين الذين اجتمعوا في الرياض، ويُفهم أن الاعتراض هو تحديداً على مطالبة البيان بتنحي بشار.

بشار في ضيافة بوتين غيره عندما يعود إلى دمشق، وتقديم الوعود ثم التراجع عنها ليس جديداً عليه. لا يقلل من أهمية التراجع ما إذا كان وفده سيسافر إلى جنيف لاحقاً تحت الضغط الروسي، فطريق المفاوضات طويل، وفيه متسع للتراجع عن الوعود، ومتسع للتسويف وتضييع الوقت. وفي هذا متسع أيضاً للتفكير في هذه الثنائية: إصرار بوتين على إظهار نفسه قادراً على الضغط على بشار، وإظهار الأخير نفسه قابلاً لتلقي تلك الضغوط وقت الضرورة القصوى.

القول بأن بوتين هو الحاكم الفعلي لسوريا يجري تسويقه بلا حساب أو تدقيق، وفيه تواطؤ على تصغير ما كان يُسمى "عقدة الأسد"، أو حتى اعتبارها منتهية. يساعد على هذا التسويق من هم في معسكر حلفاء بشار وأيضاً من هم في الجهة المقابلة، ويتفق الطرفان على أن هذا هو المدخل الأنسب لتجاوز تلك العقدة، أي الاكتفاء حالياً بتجاهلها. وأن يكون بشار مأموراً على هذا النحو فهو ما يجري تبسيطه أيضاً، وكأن المعنيّ خالٍ من القدرة على وعي موقعه الحالي، بصرف النظر عن عجزه عن تغيير هذا الواقع جذرياً.

أغلب الظن أن بشار الأسد يعي وظيفته جيداً، فهو ضمن ظروفه الحالية ورقة ثمينة لم يحن أوان التضحية بها. هو ورقة ثمينة في يد بوتين إزاء المعارضة السورية والاستمرار في استنزافها، وورقة ثمينة إزاء بعض القوى الإقليمية التي لا تزال تحبّذ رحيل بشار، وأيضاً ورقة ثمينة لابتزاز المجتمع الدولي حول شروط التسوية.وأن لا يكون هناك ثمن دولي مناسب لقاء التخلي عن بشار فهذا لا يعني أن يقوم بوتين برمي الورقة يأساً، مثلما لا يعني أن الورقة احترقت ولم يعد لها ثمن إطلاقاً. من هذه الزاوية هناك فرصة لابتزاز معكوس، يمارسه بشار، فلا يقبل بالإملاءات الروسية على النحو التبسيطي المتوقع. النصر العسكري الذي صنعه بوتين بقواته صار كافياً لعدم التراجع عنه، وستكون إهانة لموسكو أولاً أن تسمح لفصائل المعارضة بالتوسع مرة أخرى، بمعنى أن ابتزاز بشار ميدانياً لم يعد خياراً مطروحاً. الملاحظ مثلاً أن الطيران الروسي لم يتوقف عن قصف الغوطة الشرقية، بعد بيان وزارة الخارجية الذي يتنصل من إجراء انتخابات رئاسية، مع أن الغوطة مشمولة باتفاقيات خفض التصعيد.

من المرجح جداً أن يعي بشار أيضاً وظيفته كورقة مساومة تستخدمها طهران "عند الحاجة" لابتزاز الحليف الروسي، مثلما من المرجح أن تحرص طهران على عدم التفريط بورقتها وقايةً لاستراتيجيتها من صفقة تحصد فيها موسكو المكاسب الأهم في سوريا. صحيح أن التنسيق بين البلدين في الملف السوري في أحسن حالاته، لكنه لم يصل إلى النقطة الحرجة المتعلقة بالاتفاق على رحيل بشار، لأن الصفقة غير مطروحة على الطاولة حتى الآن، لكنها عندما تصبح كذلك فستكون في موقع التجاذب بين حليفين يرى كل منهما أحقيته بالنصر، وستكون عقدة بشار هي الاسم الرمزي للتجاذب بينهما مثلما وُضعت من قبل في مواجهة الخصوم. وحدهم المقتنعون بسيطرة روسية مطلقة على الملف السوري يؤمنون بقدرة بوتين على تحجيم النفوذ الإيراني بسهولة، وأنه سيفعل ذلك عاجلاً أم آجلاً، رغم أن التحجيم المتوقع إلى الآن لا يصعب الاتفاق عليه ويتعلق أساساً بمطلب إسرائيل إبعاد المليشيات الشيعية عن حدودها.

إن أهم ما يعيه بشار، مدركاً أنه يؤدي وظيفة للآخرين، هي حاجة العديد من القوى إلى هذا الحكم الضعيف جداً تجاه الخارج، واتفاق غالبية القوى المنخرطة في الشأن السوري على بقاء البلد مسرحاً للصراع أو لتقاسم النفوذ. وهو على هذا الصعيد يقدّم نفسه كضمانة أفضل لاستمرار هذا الوضع، فهو أفضل من يطمئن إسرائيل إلى بقاء حالة الضعف المطلوبة، وهو أفضل من يطمئن الأتراك بأن استخدامه الورقة الكردية هو تكتيك للتفاوض معهم في النهاية. وفي العموم هو الاسم الرمزي لمنع التغيير في سوريا، وربما في المنطقة ككل، وهذا يبدو مطلباً دولياً وإقليمياً الآن. لم تكن زلات تعبر عن تهافت دبلوماسية بشار الإعلان مرات عديدة عن أن أي تدخل في سوريا يجب أن يتم بالتنسيق معه، فهذا العرض موجه لزبائن آخرين، دوليين أو إقليميين، قد يفضّلون بقاء تنظيم وظيفي على المخاطرة بالتغيير، وفي الوقت نفسه يمنحه هامشاً أوسع من المناورة والقدرة على البقاء كلما اتسعت الحاجة لوظيفته.

سيبقى بشار يراوغ حتى اللحظة الأخيرة، ومفاوضات جنيف8 التي يُفترض انعقادها اليوم لن يأتي إليها وفده بأي جديد، بخلاف الانطباع الذي أشاعته الدبلوماسية الروسية إثر لقائه بوتين. ويمكن القول بأنه طالما بقيت سلسلة جنيف مستمرة هكذا فهذا يعني التغاضي ضمناً عن إعاقته الحل، وطالما استمر القول بأن حل القضية السوريين شأن سوري في المقام الأول فهذه الكذبة لا تعني سوى التمديد لوظيفة تنظيم الأسد وللوضع الحالي. نعم تستطيع موسكو وطهران فرض إرادتهما فقط عندما يحين موعد التسوية الكبرى، إذا أتى موعدها المرتبط بملفات أخرى في المنطقة، وبشرط نيلها موافقتهما المشتركة. ذلك سيحدث في وقت ما، وحينها ستُلعب ورقة الأسد للمرة الأخيرة، وإذا وجد هامشاً للمناورة فلن يتعدى اختيار البلد الذي سيستضيفه من ضمن خيارات محدودة جداً.

تعليقات