في ذكرى الحركة التصحيحية الأسدية

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

22/11/2017
العرب القطرية

صادف16من نوفمبر، ذكرى الحركة التصحيحية التي قام بها حافظ الأسد عام 1970، فكانت حركة طائفية بامتياز، أسست لسوريا الطائفية الأسدية، والتي لم يخجل رأس النظام أن يطلق عليها لاحقاً بـ «سوريا الأسد». ويعرّف كل علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا أن مثل هذه الشعارات تهدف إلى شدّ العصب الطائفي والعائلي، وربط البلد كله بعنوان ضيق اسمه «العائلة الأسدية». وأنا هنا سأتحدث عما جناه هذا الحكم على الجيش والأمن فقط؛ كونهما أهم مؤسستين أجرم بحقهما، وكونهما هما المؤسستين الحاكمتين، فضلاً عن أن الحديث في المجالات الأخرى يستغرق وقتاً ومساحة كبيرة لا تسعها هنا..

ترجم هذا عملياً على الأرض من خلال أهم مؤسسة -وهي المؤسسة العسكرية- حيث سرّع عملية تطييف الجيش السوري بشكل متسارع وخطير، وإن كانت خطواته بدأت أيام كان قائداً لسلاح الجو قبل حرب الساعات الست في حزيران من عام 1967، ومكافأته بتسليمه وزارة الدفاع لبيعه الجولان والقنيطرة، وهو أمر مثبت في كتب مهمة وأحاديث لمسؤولين في تلك المرحلة، لعل أهم من وثقها الضابط مصطفى خليل الذي كان مسؤول الاستطلاع في الجبهة بكتابه «سقوط الجولان»، وقد ساعده أكثر أعضاء اللجنة العسكرية -حكومة الظل الحقيقية- والتي أغلب عناصرها من الطائفة العلوية.

أول مجزرة بحق الضباط السُّنَّة كانت بانقلاب البعث عام 1963، ثم بضباط الدروز بعد فشل انقلاب عام 1966. وبعد حرب الساعات الست، تم تسريح الآلاف من ضباط السُّنَّة، وشرع الأسد لاحقاً في التخلص من منافسيه العلويين أمثال محمد عمران وصلاح جديد وآخرين؛ ليشكّل الجيش السوري على طريقته، وهو الذي يعرف تماماً أن الطريق الوحيد للوصول إلى السلطة في سوريا -وربما غيرها- إنما هو المؤسسة العسكرية.
كان شعار تحرير فلسطين والمتاجرة باسمها التجارة الوحيدة الرائجة؛ فهو يدرك أن لا شرعية انتخابية وثورية وتحررية للنظام الذي يقوده، وبالتالي فالشرعية الوحيدة بنظر الشعوب لاستبداده هي فلسطين. وحين وصل بشار الأسد إلى السلطة عام 2000 عزز ذلك، حين طرحها بشعار جديد يناسب عولمة المقاومة الجديدة «محور المقاومة والممانعة»، فأضاف إليه إيران وحزب الله.

واصل النظام السوري التعاطي مع المؤسسة العسكرية والأمنية كزائدة دودية، بدلاً أن تكون مؤسسة قائمة بذاتها، فأنشأ كل الوحدات العسكرية والأمنية التي تكفل حماية النظام الطائفي، فكانت «سرايا الدفاع» بقيادة رفعت الأسد شقيق حافظ، وعدنان الأسد ابن عم حافظ الأسد في «سرايا الصراع»، وجميل الأسد شقيق حافظ بوحدات الدفاع، وعدنان مخلوف نسيبه في الحرس الجمهوري، وحين أراد تمهيد الطريق أمام باسل في التسعينيات ألحقه برتبة رائد في الحرس الجمهوري.

مع الخلاف الذي حصل عام 1984 بين حافظ وشقيقه رفعت الأسد إثر مرض حافظ، دمج الأخير قوات رفعت وغيره في الفرقة الرابعة، وتولى لاحقاً قيادتها ماهر الأسد، لكن ظل الشخص العملي فيها قريبهم ذو الهمة شاليش. 
أما في ما يتعلق بالأمن والاستخبارات، فقد أمسك بكل مفاصل الأجهزة الأمنية الضباط العلويون، وركز النظام على المخابرات الجوية والأمن العسكري. ويتحدث كل الخبراء أنه بحلول الثمانينيات كان أكثر من 85 % من الضباط السوريين من الطائفة العلوية، وما تبقّى من الضباط -وهم السُّنَّة- يتم صرفهم إلى مناطق غير حساسة.

اليوم، كل الدراسات الميدانية تتحدث عن تفسّخ النظام السوري، ولم يعد له ما يقوم به بذاته في ظل النزيف الرهيب لضباطه ونخبه العسكرية. فنظام حافظ الأسد كان نظاماً مركزياً نظراً للأبوة أو الندية على الأقل مع الضباط العلويين الآخرين، بينما بشار -الذي يُنظر إليه كولد يناديهم «يا عمو» أيام حكم والده- قد غدا نظامه منذ وصوله إلى السلطة لامركزياً. تعزز هذا مع نزيف النخب العسكرية العلوية، وتجلى ذلك ببروز الميليشيات العسكرية العلوية التي هي أقرب إلى الميليشيات المحلية التي تدافع عن مناطق نفوذها وتقيم اقتصادات محلية، لا حاجة فيها إلى الأسد إلا كرمز. ولعل الآن من أهم هذه الميليشيات «قوات النمر» التي تقاتل في حلب وغيرها من المدن، ويقودها اللواء سهيل الحسن، والذي يغلب أنه قُتل، بينما الميليشيات الثانية «نمور الصحراء» بقيادة محمد جابر، ومتهمة بالفساد، والخطف، وغيره..
نظام اليوم لا يستطيع القيام بنفسه، وإنما يعيش إكلينيكياً عبر مغذيات الاحتلال الروسي والإيراني، وهذا من مصلحة الأخير؛ لأن تفتيت الدولة ومؤسساتها يرهنه على المدى البعيد لها، كما حصل مع شيعة العراق.;

تعليقات