قراءة الخطاب السياسي بين العقلية الانتهازية الدقيقة وعقلية الحركات الإسلامية المغيبة: "خطاب حركة أحرار الشام نموذجاً"

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

1/8/2015
السورية نت

"ليس هناك ما هو أقوى من فكرة حان وقتها"، مقولة للكاتب الفرنسي الشهير فيكتور هوغو تفسر الوقع الكبير الذي حظيت به مقالتا مكتب العلاقات الخارجية في حركة أحرار الشام، اللتان نُشِرتا في منبرين من أهم المنابر الإعلامية العالمية: الواشنطن بوست الأمريكية، والديلي تلغراف البريطانية.

إن ظهور طرف سياسي صاحب شوكة عسكرية قادر على حمل هموم الشعب والدفاع عن ثوابت ثورته من جهة، والتفاوض مع المجتمع الدولي -بشقَّيه الحليف والمعادي- حول مستقبل سوريا بطريقة تضمن هوية البلاد وتقصّر من أجل معاناة الشعب السوري من جهة أخرى؛ هو الأمر الملحّ الذي حان وقته في الثورة السورية.

جاء هذا التوجه السياسي من قِبَل أحرار الشام في اللحظة المناسبة في ظل فراغ سياسي أعلنت فيه جميع الأطراف الداخلية والخارجية إفلاسَها وعدم قدرتها على طرح أي رؤية أو حل سياسي، ابتداء من المعارضة السياسية السورية وعلى رأسها الائتلاف، وانتهاءً بالمجتمع الدولي الممثَّل بفشل دي ميستوار وخططه البائسة. في الوقت الذي تقوم فيه أمريكا وبريطانيا بمراجعة سياساتهما في سوريا وتقوم دول الإقليم بمراجعة حساباتها بعد إعلان الاتفاق النووي وتبحث عن إستراتيجية جديدة وحلفاء جدد لمواجهة المشروع الإيراني.

إن ظهور طرف سياسي صاحب شوكة عسكرية قادر على حمل هموم الشعب والدفاع عن ثوابت ثورته من جهة، والتفاوض مع المجتمع الدولي -بشقَّيه الحليف والمعادي- حول مستقبل سوريا بطريقة تضمن هوية البلاد وتقصّر من أجل معاناة الشعب السوري من جهة أخرى؛ هو الأمر الملحّ الذي حان وقته في الثورة السورية.

ولا شك أن مثل هذه الخطوة الجريئة (والشجاعة في الوقت نفسه) محفوفة بمخاطر لا بدّ وأن أحرار الشام قد أخذتها بعين الاعتبار في دراستها، ونحسب أيضاً أن الحركة أعطت وزناً أكبر للمصلحة العامة وما تحتاجه الساحة الثورية. لقد قبلت حركة أحرار الشام أن تتصدر المشهد وتتحمل ضريبة هذا التصدر، ولكن مع تأكيدها دائما على مفهوم "التشارك" مع من سمّتهم "حلفاءها" من الفصائل، مما يجعلنا نعتقد أن هذه الخطوة هي ثمرة تنسيق طويل بين حركة أحرار الشام وفصائل أخرى مؤثرة على الساحة، وربما تكون هذه الخطوة بداية لأمور أخرى سنشهدها في قادم الأيام.

لقد حققت حركة أحرار الشام اختراقاً إعلامياً وسياسياً لخصومها الغربيين ودخلت عليهم في عقر دار الإعلام الغربي باختيار دقيق لأهم المنابر هناك: الواشنطن بوست ذات التوجه الجمهوري المعارض لسياسية أوباما في سوريا، ونحن على عتبات الانتخابات الأمريكية، والديلي تلغراف البريطانية اليمينية المحافظة الموالية للحكومة البريطانية التي انتُخبت مؤخراً، التي كانت تؤيد قصف النظام السوري ومعاقبته لاستعماله السلاح الكيماوي. كل هذا والنقاش محتدم في أروقة القرار الغربية لمراجعة إستراتيجيتهم في سوريا وفشلهم في حرب "تنظيم الدولة".

يخطئ من يظن أن خطاب الأحرار كان تودداً إلى الغرب أو تقديماً لأوراق اعتماد لقتال داعش، أو حتى تحريضاً على قتال داعش. وكما يعلم الجميع: فإن تقديم أوراق الاعتماد والتودّد لا تتم على الصحف ولكن في اجتماعات مغلقة، ولو أن حركة الشام أرادت ذلك فعلاً لكان الأمر متاحاً منذ أشهر طويلة.

لقد أرسلت حركة أحرار الشام رسائل سياسية مدروسة ومسمومة في نفس الوقت، فهي لم تكتفِ بنقد ذكي ولاذع لسياسة الغرب وكشف فشله بأسلوب منطقي وعقلاني، بل زادت عليه فعرّفت عن هويتها وعن رؤيتها لبعض أركان الحل في سوريا، وهي رؤية تتعارض كلياً مع رؤية الغرب وتضعه أمام خيارات صعبة.

فمجرد تعريف أحرار الشام بنفسها في قلب الغرب بأنها "حركة إسلامية سنية من الأغلبية" هو أبعد ما يكون عن التودد والتقرب، كما أن التأكيد على "البديل السني" كحل وحيد لكل مشاكل سوريا -بما في ذلك النظام و"تنظيم الدولة"- وأن هذا البديل هو "وفق معايير السوريين وليس معايير السي آي إيه" هو تحدٍّ لطريقة عمل الغرب في سوريا حتى الآن، أما تأكيد الحركة على أن النظام السياسي القادم في سوريا يجب أن يكون نظاماً متجانساً مع هوية الأغلبية وأن يكون "للدين دور محوري فيه" فهو نسف للتصور الغربي للحل في سوريا. مَن يعلم طريقة تفكير الغرب ولغته يعلم تماماً أن خطاب الأحرار كان تحدياً صارخاً، ولكن فيه -في الوقت نفسه- طرحاً لرؤية منطقية وعملية لا تستطيع مراكز صنع القرار في الغرب تجاهلها.

لقد عثرت حركة أحرار الشام على نقطة تضارب سياسات الغرب واختلاف وجهات نظر صانعي القرار فيه، فوجهت سهام خطابها إلى تلك النقطة، ربما لأهداف ترجوها قد تتحقق أو لا تتحقق وهذا شأن العمل السياسي، و لكن بالتأكيد للقيام بواجب الثغر السياسي الذي تقوم عليه مع شركائها، وكل ذلك دون التنازل عن ثابت واحد أو المساومة على مبدأ واحد، كما يحبّ أن يصوره البعض.

ومن القصور في قراءة ما كتبه مسؤول العلاقات الخارجية في الحركة الظن بأن أحرار الشام كانت تخاطب الغرب فقط، والحقيقة أن الخطاب كان شاملاً للساحة الداخلية والإقليمية والدولية عن طريق منابر تتلقف منها كافة وسائل الإعلام الداخلية والخارجية. لقد خاطبت الأحرار العالم ووضعت نفسها على خريطة الأحداث في سوريا سياسياً بعد أن أثبتت أنها -مع حلفائها- الأقوى عسكرياً، وما كان خطاب الأحرار ليحقق هذا الوقع وأن تصل هذه الرسالة الهامة بهذا الوضوح لو أن تلك المقالات نُشرت في الأوساط العربية أو الثورية.

ومن المؤسف أن "الحرس القديم" في التيار السلفي الجهادي ومنظّريه "عن بعد" أخطؤوا فهم الخطاب أو ربما أرادوا فهمه بما يتناسب مع رؤيتهم ومصالحهم وأخذوا بجريرتهم المخلصين من التيار الإسلامي من الشباب المتحمس الذي يعوَّل عليه لبناء المشروع الإسلامي الصحيح. فالخطوة التي أقدمت عليها أحرار الشام هي أهم نقلة نوعية في العمل السياسي للجماعات الإسلامية، وهي فرصة في نفس الوقت لجميع الفصائل المخلصة والصادقة لتدخل غمار العمل السياسي من بابه العريض لقطع الطريق على أي محاولة لخطف مكتبسات الثورة من قبل الانتهازيين، الذين للأسف كانوا أقرب إلى فهم خطاب الأحرار وخطره عليهم.

لقد فهم الانتهازيون أن حركة أحرار الشام وحلفاءها ستسحب من تحتهم البساط السياسي الذي ظنوا أنه حكر عليهم، وأن باقي الشعب السوري غير قادر على ممارسة السياسية التي استأثروا بها لأنفسهم على الرغم من فشلهم الذريع على مدى أربع سنوات، فتحركوا لتحجيم النقلة النوعية لفصائل الداخل: فمنهم من حاول المزاودة على أحرار الشام شرعياً، وأقول: نعم شرعياً، فبالأمس القريب كانوا يَدْعون إلى دولة علمانية، ومنهم من حاول ركوب الموجة والادعاء بأنه جزء من هذه الخطوة، ومنهم من حاول استعمالها لشق صف الأحرار بخطاب انتهازي كان الخوجة أفضلَ مثال عليه.

نعم: لقد ساهم من كان يُعوَّل عليهم لبناء المشروع المنشود في سوريا في محاربة الخطة السياسية الجرئية والضرورية للأحرار، وكانوا عونا -من حيث لا يعلمون- للانتهازيين الذين أرهقوا الثورة وشوّهوا صورتها وأخروا نصرها على مدى أربع سنوات خلت. وما يزيد من فداحة الأمر أن النقد لم يستند على تأصيل شرعي، فهناك إجماع شبه كامل على أن المقالات خلت من أي مخالفات شرعية، غير أن النقد انصبّ على ظنون وشكوك انتهت كعادة "المناهجة" بالتلويح بعصا الردة والتكفير بدلاً من أن يتبصّروا بتجارب الجماعات الإسلامية التي ركلت السياسية جانباً أو فشلت في خوض غمارها بطريقة صحيحة، ففشلوا في ترجمة تضحيات أبناء شعبهم وأمتهم إلى مكاسب سياسية حقيقية، بل دفعت الأمة ثمن ذلك.

لقد قدمت حركة الأحرار رأسَمالها السياسي للثورة وللسوريين لتلعب في الفضاء السياسي نفس الدور الذي تلعبه على الأرض: المقاربة والتسديد بين الجميع والحفاظ على التوازن لصالح الثورة والبلد، على الرغم من الضغوط الداخلية والخارجية.

إن تجربة طالبان هي أقرب مثال حي لتجربة إسلامية نحسبها ناجعة جمع فيها الطلبة بين قتال الأمريكان المحتلين للأرض والتفاوض معهم في عواصم العالم، لأنهم أدركوا أن المكاسب العسكرية هي رأسمال المشروع السياسي، وكلما تأخر العمل السياسي كلما زاد احتمال اختطاف هذه المكاسب.

لقد قدمت حركة الأحرار رأسَمالها السياسي للثورة وللسوريين لتلعب في الفضاء السياسي نفس الدور الذي تلعبه على الأرض: المقاربة والتسديد بين الجميع والحفاظ على التوازن لصالح الثورة والبلد، على الرغم من الضغوط الداخلية والخارجية.

لقد قدمت الأحرار خطوة حقيقية على طريق إنقاذ سوريا وتحقيق أهداف الثورة، لتكون مع حلفائها الطرف المؤتمَن الذي يتوجّب على المجتمع الدولي التعامل معه للوصول إلى حل ينهي معاناة السوريين، حل لن يصل إلا بالمزيد من الدماء والدموع والمفاوضات الصعبة، وكلما تأخرنا به كان الثمن أكبر. وأول خطوة نخطوها هي أن نقدم أنفسَنا كلاعب أساسي ورقم صعب لا يمكن تجاوزه، وأن نضع أوراق القوّة على الطاولة لتبدأ المفاوضات، وهذا بالضبط ما فعلته أحرار الشام و"حلفاؤها" باسم الثورة.

تعليقات