قرود و بذلات

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

9/5/2017
السورية نت
المؤلف: 

 ” تقول الاسطورة السورية أنه في قديم الزمان، وفي تلك الليلة حين خيّم الضباب وتشربت السماء بالغيوم فوق الغابة شَرَد أحد القرود وأضاع دربه مبتعداً عن عشيرته، ليجد نفسه تائهاً في المدينة في بيت رجل أعمال ثري وسياسي برلماني معروف. وكنوع من البريستيج المعتاد درّبه هذا الرجل وعلّمه كيف يلبس بذلة أنيقة وربطة عنق. حتى أصبح فرداً من العائلة يحضر الاجتماعات العائلية والحزبية والعسكرية وجميع المناسبات الوطنية ، كما أنه كان يرافق سيده لحضور جلسات البرلمان ، لكن وبعد مضي سنوات دبّ الشوق في قلب هذا القرد ، فتسلل إلى الغابة وعاد إلى عشيرته مختاراً قرارات قلبه في إمضاء بقية حياته بين قومه. أعجب معشر القرود بهندامه وسلوكه الجديد فنال احترام الجميع ، وتم تعيين القرد الأنيق زعيماً جديداً عليهم .

لم تعجب تلك الحفاوة قلة قليلة من القرود الشابة، الطامعة بالزعامة والمجد، فثارت وتمردت على قرارات العشيرة، وقادت نفسها، وشنت حملات رعب كبيرة على المدينة بهدف سرقة البذلات الأنيقة وربطات العنق التي ظنوا أنها سبباً لنيل الزعامة، فدبّ الرعب في المدينة وتم إغلاق جميع المحال التجارية ومعامل صناعة البذلات، ولم يبقَ في المدينة أي بذلة، ومنذ ذلك الحين أصبح لباس البذلة وربطة العنق حكراً على القرود، الذين سرعان ما استلموا الزعامة في بلادنا لليوم .“

 

    واليوم في مدينة كبيرة وجميلة تغلفها الأنوار، اجتمع جميع من تورط في دمنا للبحث عن طريقة لاخراج بلادنا من عتمتها. القَتَلة والانتهازيون أو ما يعرفون أدبياً (بالسلطويون والمعارضون) ببذلات أنيقة على طاولة واحدة، بينما الضحية وأمام شاشة صغيرة في خيمة، بيت مهدم، مدرسة، عليهم أن يدفعوا الحساب، نحن دوماً ندفع الحساب، في الحرب ندفع من دمنا فواتير أسلحتهم، ولمؤتمرات سلامهم فواتير خاصة من كرامتنا. وفي لجوئنا حال آخر من العنصرية، عنصرية عصرية جديدة، يمارسها الاخوة في براغماتية فائقة.

 أما هو كان أحدهم، استقبلته عندما عاد، تربع حول نفسه، ولا رغبة لعينينه بالبكاء، ربما أمامي لم يفعل ذلك، لكني أستطيع الجزم أنه بكى طويلاً بين نفسه، فعيون البواكي عيوننا جميعاً، بتنا نعرفها جيداً، هي لغة كل السوريين، وموسيقاهم في الجنائز والرحيل:

_ « لقد حملق في عيناي في صهيونية عربية حقيرة، طلب الضابط يومئذ هويتي ثم جدل شاربيه وقال بحدّة "لاجئ ولص? !" ، قلت له "لا سيدي أنا عربي سوري ولم أسرق ، أنا لا أعض اليد التي تطعمني" ، كان الهدوء سائداً ، ولم أسمع سوى هرولة قلبي، ثم تجولت عيناه الواسعتان على جميع العمال، و سأل "هل هناك سوريين آخرين بينكم ?"، كأنه يسأل " هل هناك لص آخر"، رد عليه مدير ورشتنا وهو مواطن محلي "الكل مواطنون محليون، هو السوري الوحيد بيننا، بدأ العمل معنا منذ أسبوع"، وكأن جوابه هو الآخر كان "لا لص سواه بيننا" ثم تم تحميلي مثل كبش أجرب في سيارة وترحيلي مع عائلتي الى سوريا، كان الأمر مبتذلاً جداً، لكنه بالنسبة لي أمر جيد، صحيح أني قد أموت بأي لحظة هنا، لكني تخلصت من تلك العنصرية .. أنا لم أسرق، حلفت لهم مئة يمين أني لم أفعل ذلك، لقد قال لي أحدهم وهو يضربني أثناء التحقيق "أنتم دمرتم بلادكم بأيديكم وتريدون أن تدمروا بلادنا أيضاً، لن تحلموا بذلك"، لا أقول أننا نحن السوريين ملائكة ، لكننا لا نعض اليد التي تطعمنا ..»

 

أنا أيضاً كنت هناك، في نفس البلد، أعتقد أنها عنصرية سيئة، لكنه أمر سيء لنا كإخوة أن يتم التعامل معك كمذنب على الفور في نظر السلطة فقط عندما يحكموا عليك من جنسيتك. ربما لا يستوجب منا أن نستغرب منهم ذلك، فرئيس بلادنا العجوز قبل أن يدفنوه ومن بعده الوريث البار و ي أيام السلم والرخاء لطالما كان يردد دوماً في خطاباته لنا "أنتم أبنائي، ويا أبنائي، وأيها الأبناء" ، ورؤساء الائتلاف الحزبي المعارض بمؤخراتهم الحمراء لا يلائمهم في مناداتنا - منذ سبع سنوات - أكثر من إسم "أيها الإخوة"، لكنهم لم يخبرونا إخوة ماذا. وكأنهم يقولوا لنا "لا تعيبوا الحكم والرئيس فجميعكم أبناء الكلاب وإخوة القرود".

 

لهذا سأبعث اليوم برقية صغيرة :

سيدي كبير القرود، القائد، الرائد، الركن، والمهندس، والطبيب، والمفكر في كل مكان. قرود وسماسرة صغار في بذلات رسمية في كل مكان، في البرلمان، في المجلة، في قصر الشعب، في التلفاز، في الحزب، في مؤتمرات السلام، وفي جميع ملاهي المهجر وفنادق "أصدقاء الشعب السوري"، في كل مكان، هنا وهناك.

العاصمة تغص بهم، قرود أجانب من روس وإيرانيون وصغار طائفيون عرب يستملكون القرار، السيادة مستباحة ، عاهرات صغيرات مبتذلات بأرداف سورية وعراقية سمينة يحطمن حدود سوريتنا في دمشق لإغواء جنود صبيان على جميع الجبهات، عديمو الرحمة والجهلة والمجرمون يتنفسوا في كل مكان من بلادنا. وآخرون كثر من كل الشرائح في الخارج في فنادق فاخرة يتحدثون يومياً عن السلام، جميعهم ببذلاتهم الأنيقة وربطات العنق الممزوجة بألوان الدم والعلم السوري يحمون أكتافهم ببنادق ويتحدثون عن السلام. أما أنا والسواد الأعظم من هذا الشعب لا نحبذ سلامهم ولا سلامكم. فهو لا يناسب أحد.

سيدي الرئيس، هذه الحرب على أرضنا خارجة عن إردتنا .. وعمر الثلاثين ملائم لكل شيء، للدراسة، للزواج، للعمل، لبناء بيت، لإنجاب الأولاد وحتى للسلام، وجميع من تمردوا هم دون ذلك وفوق ذلك، هو عمر للمستقبل ولكل السياسات والمستحيلات. والأهم من كل ذلك، جميع من ماتوا في هذه الحرب هم بين ذلك، ماتوا ليس لأجلكم، ليس لحربكم ، وليس لأجل أحد، بل لأجل مستقبل أحسن لبلادنا.

سيدي الرئيس، بذلاتكم الأنيقة لا تناسب مقاسنا، ولا تحمي أبنائي القاطنين في خيمة، وكراسيكم الفخمة الفارهة لا تغري مؤخراتنا بالراحة وبوعود الوفرة والأمن، فبلادنا ليست دغل في غابة، ونحن، هنا وفي الشتات لسنا قطيع من قرود ولا عشيرة. لهذا خذوا شهواتكم وبذلاتكم وقرودكم وارحلوا عن بلادنا.

 

تعليقات