كندا.. البحث عن جذور التعايش الإنساني

المواد المنشورة والمترجمة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر مؤسسة السورية.نت

21/9/2017
الجزيرة نت
المؤلف: 

كنت أتأمل في أفق الحفل الكبير لعيد الأضحى الذي أقامته الجالية المسلمة لمواطني ولاية كيبيك بكندا يوم 10 سبتمبر/أيلول في مزرعة الشيخ حسن غيّة، وكان يشدني الحضور الضخم الواسع الذي بلغ 1500 مشارك.

واستمر فيه اصطفاف الناس لأخذ وجبة الغداء التي دعوا إليها لثلاث ساعات، ودفعوا قيمتها لصالح الإغاثة الكندية الإسلامية (إسلاميك رليف)، والشباب والفتيان من الجنسين يتولون التطوع بروح مبادرة. وفي الحفل أيضاً أعلِنت ضمنياً أو صراحة تصورات دعم انتخابي محلي وفدرالي يتوجه نحوها مسلمو كيبيك.

لكن كانت مشاركة غير المسلمين في الحفل لافتة للغاية، وخاصة حضور ممثلي جالية لبنانالكنديين من المسيحيين العرب، وكلمة فيصل الخوري النائب الكندي من أصل لبناني، والدعابة والود الذي أحاط الجميع مع صاحب الضيافة، وهنا من النادر أن تسمع مثل كلمة النائب الخوري، حين أكد دعم حملة التبرع للإغاثة الكندية ورعاية اليتيم، وأن القرآن يهدي إلى العمل الخيري.
مع حضور مركزي لقيادات دينية للكنائس المسيحية، وشخصيات سياسية كندية عديدة بينها ثمانية أعضاء برلمانيين فدراليين، وممثل لرئيس حكومة كيبيك ورؤساء بلديات. وهنا أتوقف عند مسألة ركز عليها الجميع في كلماتهم -خاصة غير المسلمين- عن حق مواطني كندا في نيل كامل حقوقهم الوطنية، وحمايتها أمام أي تصعيد يميني متطرف نتج عن الإسلاموفوبيا، واستُهدف بالفعل عبره مسلمو كيبيك بعملية قتل مسلحة ومتوحشة.

وهو ما تغذّيه قضية بعث الروح المحافظة الشرسة التي يؤمن بها بعض أهل كيبيك، ضمن التأثر بالحملات اليمينية الغربية وخاصة اليمين الأميركي على المسلمين، وكذلك الانتماء الأيديولوجي لحق الفدرالية الفرنسية التي يصعب شرح كل دوافعها هنا، وفهم ما يرونه امتيازاً تاريخيا خاصاً بتأسيس تاريخهم القومي والمواجهة مع إنجلترا، وهو تاريخ تختلط فيه جوانب إيجابية ومفهومة في تاريخ الشعوب والأمم باستغلال هذه المشاعر لتحفيزهم ضد المسلمين.

وهنا شدتني عَبَرات النائبة الفدرالية برندا شنن خلال إلقاء كلمتها، وكانت حاضرة للمشاركة في هذا الدعم والإسناد المهم للمجتمع المسلم في كيبيك؛ فلماذا بكت؟

كانت الترجمة تعطي دلالة خاصة لفهم هذا التاريخ، حيث ذكرت النائبة شنن أنها من أصول إيرلندية، وأن المهاجرين الإيرلنديين كان بعضهم يموتُ جوعاً بكيبيك في أوقات الهجرة الإيرلندية القديمة إليها، في إشارة إلى جذور الحملات العنصريةفيها.

وهي حملات عصفت بأوروبا وتحدث عنها أيضاً د. آلان غريش في قضية العنصرية التي نُفذت ضد البرتغاليين والإسبان وغيرهم في فرنسا خلال القرن التاسع عشر، ولكنها لم تكن في مستوى ما يجري مع المسلمين عبر الإسلاموفوبيا، فهنا العنصرية الدينية في تاريخ أوروبا حاضرة بقوة مع المسلمين.

لسنا بصدد فتح كامل هذا الملف الذي تناقشه كتب ومحاضرات عبر سنوات، ولكن نتعاطاه في المدخل المهم لفلسفة التاريخ الاجتماعي بين الأمم والشعوب، وكيف تتحول محطة تاريخية مهمة في كيبيك لتكون محفزاً للكتلة الإيرلندية الكندية، للتوحد مع المسلمين ضد عنصرية بعض محافظي كيبيك، وهذا الجانب لا ينطلق فقط من كلمة النائبة شنن، وإنما مما سمعتُه في حواراتي عن هذا التعاطف.

فهنا التاريخ والواقع والمصلحة الإنسانية تأخذ مداها وظرفها التاريخي، بحسب التدافع الذي جعله الله سُنّة في الخلق، وارتضى منه ما كان محققاً للعدالة، فاللوبي الإيرلندي في الولايات المتحدة الأميركية ليس له هذا التوجه مع المسلمين وإنما العكس، فهي قضية تفهم بتشريح ورصد أكبر.

وهي مسألة مهمة يحتاج الوعي الإسلامي أن يفهمها جيداً كقضية متفاعلة للغاية في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، لفهم هذه القواعد الاجتماعية المتداخلة بين البشر، وليست السياسات الدنيوية قائمة بحسب ظن البعض على مواجهات على أساس ديني بالمطلق مع أمم وشعوب الأرض.
وإن بقي هناك مسار ديني مركزي خاضته الأمة المسلمة في مواجهاتها، لكن هناك تحالفات وعلاقات إنسانية واسعة تؤسس عليها خلاصات مهمة للعهد الإسلامي الجديد، ليس لمواطني المهجر فقط بل للمسلمين مع مختلف الديانات والطوائف في الشرق.

من هنا كانت أهمية جولة الحوار مع د. رشاد أنطونيوس الأكاديمي العريق في جامعات مونتريال، وهو صاحب أبحاث متعلقة بواقع المجتمع العربي والمسلم في كندا من جهة، والحراك الحقوقي السياسي فيها من جهة أخرى، عبر منظور علم الاجتماعي السياسي وخلاصاته، وهو من أسرة مسيحية عربية مصرية وذو توجه عروبي ويساري.

توطّن أنطونيوس في كندا منذ قرابة خمسين عاما، وعاصر تدافعها الاجتماعي السياسي ورصده أكاديمياً، وشارك شخصيات عديدة مهتمة بهذا الجانب، كما أنه باشر بحثاً عام 1986 كان هدفه رصد حالات التعصب ضد المسلمين والعرب، من خلال جماعات ضغط أوّليّة تضامنت مع الاحتلال الإسرائيلي ضد احتجاجات الشعب الفلسطيني، وذلك قبل تبلور ظاهرة الإسلاموفوبيا وانتشارها في الغرب.

لقد عرض د. رشاد خلاصات مهمة من التاريخ الكندي، منها ما يخص قضية التعامل مع الهنود الحمر (السكان الأصليين)، والتي -بحسب قراءاته وبحثه- كانت مختلفة عما جرى من إبادة وأبارتايد في الولايات المتحدة الأميركية، كما أن ذات الثقافة الفرنسية قد يكون لها وجه إيجابي، أمام الروح العنصرية للأنجلوساكسون المطبقة في الجزء الأميركي من أميركا الشمالية.

ويستطرد د. رشاد في تفصيل حركة الإيمان بالحقوق والحرية والعدالة التي ظلت قلقة من مسألة التمييز والعنصرية، وحاجة كل كندا -منذ انتهاء الحرب بين النفوذ الإنجليزي والفرنسي- إلى ترسيخ قواعد مواطنة تضمن تثبيتها لكل مواطني الهجرة الجديدة، كوطن أُسّس على ميثاق الإنسان المهاجر، ولا يزال إلى اليوم يعتمد على صناعته الاجتماعية للمواطنة الكندية عبرها.

ومسمّى وطن الهجرة ظل موجوداً في التاريخ الأميركي أيضاً؛ فلماذا اختلف في كندا؟ وهنا يفهم من تسلسل الأحداث أن هذا المصطلح في واشنطن كان محاصراً بقبضة روح البيض المسيحيين المهاجرين الأوائل منذ جورج واشنطن وحتى اليوم، وإن تمت هزيمة بعض مفاهيمهم بعد حرب الجنوب، وفي حركة الكفاح المدني المتعددة للأميركيين الأفارقة وغيرهم، وهي معادلة مهمة للفارق بين كندا وأميركا.

فكندا -وهنا نقطة مهمة للغاية- لم تتمكن منها هذه الروح وإن وجدت، فإضافة لظروفها وانقسام تاريخها الذي ساهم إيجابيا في منع تمكن الروح العنصرية، فأيضاً يُسجّل د. رشاد انعطافات تاريخية، جرت في كندا وقادها محامون وقضاة حقوقيون ونشطاء، وحُرّرت من خلالها مفاهيم الدستور ومواطنة الهجرة التي تراها ماثلة بين عينيك في شرائح مواطني كندا المتعددة للغاية، ومنهم مسلموها من أعراق مختلفة.

ولعل تأكيد د. رشاد أن شخصية جاستن ترودو كان لها تأثر مهم بأحد شخصيات السياسة الحقوقية في تاريخ كندا الحديث، وهو والده بيار إليوت ترودو؛ هو أحد الأسباب الرئيسية التي صنعت روح نجله جاستن ترودو المنفتحة على المسلمين.

فبيار إليوت كان رئيسا للحكومة الكندية فترتين مهمتين انتهت آخرهما 1984، وهو الذي رعى ولده تربويا بعد انفصال والدته، ومن عبارات جاستن عن والده أن ظروفه الاجتماعية (أي بيار إليوت) لم تمنعه من أداء الواجب الوطني، وهنا تشعر بالروح التي تشربها جاستن.
وهو مدخل مهم لفهم تأثيرات البيئة والفكرة الاجتماعية الحقوقية التي لم يكن بيار هو ملهمها الوحيد، لتعزيز نظرية حقوق الفرد ضمن المواطنة أياً كانت قوميته وديانته، وإنما كان أحد الممثلين لها في العمل الحكومي، وساهم بقوة في رسائلها الدستورية المؤثرة على الثقافة الوطنية.

ويتطابق ذلك مع شهادة استمعت إليها من ألطاف حسين الكندي المسلم من أصل بنغلاديشي، وهو أحد مسؤولي مسجد التوبة في مونتريال، وتعاصر في شبابه مع ترودو بالقرب من إقامتهما في مونتريال. يقول ألطاف إن جاستن كان منذ شبابه منفتحا على المسلمين ويبارد بمصافحتهم وربط العلاقة معهم، ولم يكن هذا الجانب حملة انتخابية فقط خلال ترشحه وترؤسه للحكومة، فهناك روح اجتماعية ورثها جاستن وتطورت معه.

وهذه الروح كان والده قد شارك فيها، وتلقاها من شركاء الفكرة لصناعة كندا كدولة احتضان للهجرة والحقوق الدستورية، وهي فكرة أنتجتها خلاصات التجربة الاجتماعية التي مرت بها كندا، وتفصلها اليوم عن روح النزعة العنصرية الموجودة أيضا حتى في كندا، وفي أحزابها المحافظة.

المهم هنا للوعي الإسلامي المجمل، ولحركة المواطنة المسلمة في الغرب، والطريق الثالث في العلاقة الغربية الإسلامية؛ هو وعي هذه المحطات وكيف تتأسس القيم والأفكار وكيف تُنقض وتهدد أيضا.

وكيف تُصنع ثقافة التحالف الإنساني في العالم الجديد الذي يتوحّش زمنه في الشرق المسلم، وتتحول شعوبه إلى طرائد معذبين ومهاجرين، إن فهم فلسفة هذه العلاقات بات مادة ضرورية للمسلم المعاصر الذي يحتاج إلى نظرات العقل بعد أن اجتاحته العواطف فتاه الفكر والوعي الإستراتيجي، ثم أمطرته عواصف المستبدين والمحتلين.

تعليقات